ما بعد حل الدولتين*

(1)

أبدأ بالإشارة إلى مفارقة تستلزم التفسير، وتتعلق برد فعل السلطة الفلسطينية على إعلان نتنياهو عزمه على إعلان السيادة الإسرائيلية على حوالي 30% من الضفة الغربية عشية الإعلان عن نص “خطة القرن” في نهاية كانون الثاني/يناير من العام الحالي.  وقد أعلن الرئيس أبو مازن، إثر ذلك، إيقاف العمل بالاتفاقيات المعقودة مع الجانب الإسرائيلي، و”التفاهمات” أيضاً، كما قال.  وقد كرر هذا الموقف لاحقاً في أكثر من مناسبة كما هو معروف.

والمفارقة التي تثير تساؤلاً يلزمه تفسير هي التالية: لماذا جرى اتّخاذ هذا الموقف الحاد والقاطع فقط عند إعلان العزم على إعلان السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة الغربية، ولم يؤخذ مثل هذا الموقف، أو حتى أقل من هذا قطعية، إزاء الضم الفعلي الذي تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية، وأكرر، الضم الفعلي (de facto annexation) وليس فقط إعلان النية عن الضم.  والواقع هو أن إسرائيل ليست في حاجة إلى إعلان سيادتها على الضفة الغربية أو أجزاء منها، وما جرى بعد الإعلان عن خطة “صفقة القرن” هو نوع من المزايدات الانتخابية قام بها نتنياهو بضغط من اليمين المتحالف معه، الذين، أيضاً، لم يوافقوا على خطة ترَمب لأنها تحتوي على عبارة “دولة فلسطينية”، حتى لو كانت دون سيادة ودون حدود خاصة بها وداخل دولة إسرائيل.  إضافة إلى ذلك، فإن سياسة “خلق الحقائق” أثبتت جدواها بدليل أن الجانب الفلسطيني وافق في مفاوضات سابقة، على ضم إسرائيل ما يعرف بـ”الكتل الاستيطانية الكبرى”، وتبادل أرض مقابلها.  وكانت النسبة في مفاوضات طابا في كانون الثاني/يناير من العام 2000 حوالي أربعة في المئة، ثم أصبحت لاحقاً حوالي سبعة في المئة.  ولو عقدت مفاوضات الآن بعد خطة ترَمب، لن تقبل إسرائيل أقل من 30 في المئة التي خصصتها الخطة للضم.  وموازين القوة السياسية والميدانية في صالح إسرائيل كما هو معروف، وستبقى كذلك في المدى المرئي.  وهم أصلاً لا يريدون التفاوض، ويعوّلون على رفض الجانب الفلسطيني لها.

وفيما يتعلق بالضم الفعلي، فإن الأرقام التي أعلنت عنها مؤسسة “بيتسيلم” في خارطة تفاعلية جديرة بالدراسة نشرتها مؤخراً، تفيد بالتالي: حوالي 75% من الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية الحصرية وتحت مسميات مختلفة، منها المستوطنات، ثم مساحات “للنمو الطبيعي” للمستوطنات، ثم ما مساحته أربعين في المئة من الضفة الغربية تحت السيطرة الفعلية للمجالس المحلية للمستوطنات، ثم “أماكن عسكرية مغلقة”، ثم “محميات طبيعية”، ثم أراضٍ مصادرة للطرق الالتفافية مع مساحات “أمنية” حولها، … وهكذا.

وإذا كان حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له قد انتهى؛ أي ليس دون سيادة ودون القدس وفي معازل مقطعة الأوصال ودون حدود العام 1967، فهو انتهى فعلاً قبل الإعلان عن عزم نتنياهو الإعلان عن السيادة على أجزاء من الضفة الغربية.  لقد انتهي فعلاً بالضم الفعلي الحاصل للقسم الأكبر من الضفة الغربية.  ولم تقدم السلطة الفلسطينية على قطع “العلاقات والتفاهمات” بسبب هذا الضم.

إن تفسير موقف السلطة الفلسطينية والمفارقة المشار إليها، سببها في تقديري عوامل عدة:

أولاً، أشير إلى القاعدة العامة التي تنطبق على حالات أخرى: أنه متى نشأت سلطة في بقعة جغرافية محددة تدير شؤون السكان فيها، بعدتها وعتادها وبيروقراطيتها، حتى لو كانت محدودة الصلاحيات، تنشأ معها مصالح شتى تقف حائلة أمام تغيير هذا الوضع خشية تضرر هذه المصالح، وما تحمله معها من منافع متنوعة، وبخاصة إن تم الحصول على تلك المنافع من خلال نظام زبائني يجري فيه توزيع هذه المنافع على المرتبطين بهذا النظام، سواء أكان ارتباطاً شخصيا أم حزبياً.  هذا هو الحال في معظم الدول العربية، وإن اختلف نطاق الفساد من دولة إلى أخرى، إلا أن النظام الزبائني يقبع في جوهر النظام السياسي لتلك الدول.  والحالة الفلسطينية ليست استثناءً.

ثانياً، على الرغم من أن حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له قد انتهى فعلاً، فإن السلطة الفلسطينية ليس في وسعها الاعتراف بذلك أو قبوله كموقف لها.  وقد كان الإعلان عن سيادة إسرائيل على 30 في المئة من الضفة الغربية وبموافقة أمريكية سيجعل الإبقاء على حل الدولتين وبالفهم الفلسطيني له، على أنه “المشروع الوطني”، غير ممكن، ويكشف الغطاء عن انتهائه الفعلي.  وهذا، أيضاً، هو موقف الدول الأوروبية نفسه التي احتجت على إعلان السيادة الإسرائيلية على 30 في المئة من الضفة الغربية. أي أنه نفس موقف السلطة.

ثالثاً، إن حل الدولتين ما زال قابلاً للتسويق عالمياً ولدى معظم الدول العربية على الرغم من أنه انتهى فعلاً.  ولا يسع السلطة الفلسطينية والدول الأوروبية الاعتراف بهذا، لأن الشعار له شرعية دولية.  ولا يوجد مشروع آخر يمكنهم تبنيه له القبول الدولي نفسه الآن كحل للصراع غير هذا.

رابعاً، إن حل الدولتين، ومن خلال المفاوضات، وأكرر، من خلال المفاوضات، يشكل الأساس الدولي لشرعية وجود السلطة الفلسطينية.  بالتالي، ليس في إمكانها الاعتراف أنه انتهى فعلاً لأن أي خيار آخر سيكون حتماً مرفوضاً من قبل إسرائيل، ولن يتم من خلال المفاوضات في الوقت الراهن وفي المدى المرئي.  ومن الجلي أن أي خيار آخر للحل سيكون إزاء الرفض المتوقع من قبل إسرائيل له، مشروعاً نضالياً مهما اختلفت سبل النضال، ولن تدعمه الآن الدول المتنفذة في العالم اليوم.  وإذا كانت هذه الدول تعرف أن حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له قد انتهى، وأنه غير ممكن أصلاً من خلال المفاوضات، وإذا كان دعمها لإبقاء موقف السلطة الفلسطينية للحل كما هو، وكموقف تلك الدول أيضاً، إذا كان هذا هو نوع من النفاق السياسي، فهذا هو حال السياسة “الواقعية”، ولا غرابة في ذلك.

إذاً، إن الغضب العارم والاهتياج الكبير الذي أبدته السلطة الفلسطينية، إزاء إمكانية فرض السيادة الإسرائيلية على أجزاء من الضفة، والتعبئة الفصائلية التي شجعتها وألَّبتها، مردها الدفاع عن شرعية وجودها والحفاظ على “غطاء” حل الدولتين على أنه “المشروع الوطني”، حتى لو تآكل واهترأ على يد إسرائيل.  والسؤال الوارد هنا، بطبيعة الحال، هو: إلى متى يمكن الحفاظ على هذا الموقف إزاء ما هو حاصل فعلاً على الأرض؟ أو متى تنتهي صلاحية حل الدولتين من منظور السلطة الفلسطينية؟ الإجابة في رأيي بعد مرحلة أبو مازن! وليس القصد هنا شخصنة الموضوع.  لكن في النظام السياسي الفلسطيني الحالي إن دور الفرد أهم من دور المؤسسة.  وقد قال أبو مازن نفسه في معرض رفضه لصفقة القرن، أي دون القدس، ودون سيادة، وداخل حدود دولة إسرائيل، قال: “أنا لن أقبل على نفسي…”.  وبعد أبو مازن، أتوقع أن البعض “سيقبل على نفسه” وبخاصة ممن نصحه من بعض “المقربين”، “بالتعامل” مع خطة ترَمب.

(2)

إذا كان هذا التحليل الذي قدمته لم يجانب الصواب، يجب إذاً التفكير في المستقبل، وما يمكن أن يكون المشروع الوطني المتجدد.  وفي تقديري ما هو أهم هنا ليس نهاية هذا المشروع، وإنما كيف يبدأ، وما هي مقومات استمراره.  سأعود إلى هذا الجانب بعد قليل، ولكن أريد أن أعرّج بسرعة على موضوع إنهاء الانقسام الذي أشغلنا طيلة أعوام خلت.  وأقول مباشرة إني لا أرى أن له أولوية الآن بخلاف ما يعتقد الكثيرون، وأن هناك أمراً آخرَ له أسبقية عليه قد يشكل أرضية لإنهاء الانقسام، ليس كتقاسم حصص تحت الاحتلال كما هو في الاتفاقيات المتعددة الموقعة في القاهرة التي لم تنفذ، وإنما كمشروع وطني متجدد.  ومن غير الواضح، أيضاً، ما هو المقصود، كما يعتقد البعض، بأن الانقسام أضر بالموقف الفلسطيني.  وإذا كان المقصود عدم التوصل لحل الدولتين، فمن الواضح أن السبب في ذلك ليس الانقسام، وإنما إسرائيل ومشروع “أرض إسرائيل الكبرى” منذ تأسيسها، وكما يبان، أيضاً، في بعض كتابات بن غوريون نفسه.  ولم تتخلَّ إسرائيل عن هذا المشروع الذي ظل مفتوحاً حتى الآن، أو حتى خطة “صفقة القرن” التي حددت أخيراً حدود دولة إسرائيل بنهر الأردن.

وفي كل الأحوال، إن بنوداً رئيسية في الاتفاقيات السابقة جميعها بين فتح وحماس، والتي هي الأساس المتفق عليه لرأب الصدع، وآخرها اتفاقية القاهرة للعام 2011، “وتفاهمات” تشرين الأول/أكتوبر من العام 2017، غير قابلة للتنفيذ في بنود رئيسية منها كما يعرف الطرفان.  وأشير بسرعة إلى ثلاثة منها: أن تنضم حماس والجهاد الإسلامي إلى منظمة التحرير.  هذا كابوس السلطة الفلسطينية ليس فقط لغرض الاستئثار بالمنظمة كما هو الحال في السلطة، بل لأنه من المرجح أن تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل أن المنظمة عادت لتكون منظمة “إرهابية” كما اعتبرت سابقاً.  أيضاً، دمج الأجهزة الأمنية بما في ذلك في الضفة.  هذا غير ممكن، لأن إسرائيل ستعتقل من ترشحهم حماس لهذا الغرض.  أما البند المتعلق بعقد الانتخابات، فموضوع عقدها في القدس يتطلب موافقة إسرائيل، وقد أعلن أبو مازن أنها لن تتم دون القدس.  إضافة إلى ذلك، فإن لا مصلحة للطرفين فيها، وبخاصة إن كسبت حماس مرة أخرى، الأمر الذي سيشكل عودة إلى سيناريو العام 2006، ومقاطعة نواب حماس، والوزارة إن شكلتها حماس.  وإن وجدت إمكانية لأن تخسر حماس، فلا مصلحة لها فيها، كون الوضع الحالي أفضل لها.  أما السلطة الفلسطينية فمصالحها واضحة، ولا ضمانة في انتخابات إن كانت نزيهة، والأفضل عدم المغامرة وإيجاد عذر للتأجيل كما حصل سابقاً، ولوم إسرائيل أو لوم الطرف الآخر.

هذا كله يرجح عدم حصول انتخابات في فترة قريبة قادمة إلا إذا قررت السلطة وضع حياتها على المحك.  وقد أحجمت عن هذا في الماضي، ولا يبدو الآن أن هناك سبباً موجباً من منظورها لأن تتخلى عن هذا الإحجام، إلا ربما في حالة واحدة، إن خسر ترَمب الانتخابات وقامت إسرائيل بالإعلان عن سيادتها على أجزاء من الضفة الغربية في الفترة قبل استلام بايدن السلطة.

 (3)

أشير الآن إلى ما يمكن أن يكون المشروع الوطني المتجدد الممكن في الظرف الحالي إذا كان حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له أصبح متعذراً.  وأبدأ بالسؤال: ما هو الرصيد الاستراتيجي الأساسي للشعب الفلسطيني الآن؟ إن الرصيد الاستراتيجي الأكبر للشعب الفلسطيني هو وجود شعب على أرضه، هو الآن نصف عدد السكان في فلسطين الانتدابية، أو حتى أكثر من ذلك بقليل.  لولا هذا لانتهت القضية.  لكن هذا رصيد ساكن الآن، والسؤال هو: كيف يمكن تفعيله؟ وبأي اتجاه؟ ولأي غرض؟

أقترح أن نقطة البداية هي الواقع الموجود على الأرض: إننا الآن في دولة واحدة هي إسرائيل، لكنها دولة فصل عنصري، أبارتهايد، فيها تمييز على كل صعيد، بما في ذلك بالنسبة للفلسطينيين في مناطق الـ48، وبخاصة بعد إقرار قانون القومية.  وأستبق وأقول مباشرة إني لا أقصد أن يكون الهدف هو حل الدولة الواحدة.  لن يسير الآن الجمهور الفلسطيني وراء هذا الشعار، ولن يتبناه أي حزب جديد أو قديم يريد أن يحفز الجمهور، ولن يجد صدى لدى الدول وعلى نطاق عالمي.  المهم في أي مشروع وطني متجدد، في مرحلة بدايته خاصة، ليس الهدف النهائي عينياً، وإنما كيف يمكن أن يبدأ، وما هي مقومات استمراره، وما هو نوع التنظيم الضروري لهذا الغرض.  هذه هي القضايا الأساسية الآن.

إن الجمهور الفلسطيني، وبخاصة في الضفة الغربية، في حالة استكانة الآن حتى لو وجدت أعمال مقاومة بين الحين والآخر، لكنها في الغالب أعمال فردية.  لذا، لن يخرج الجمهور الفلسطيني في الأرض المحتلة وراء شعارات تبدو غير واقعية، من هم في مواجهةِ المشروع الصهيوني يومياً، ومن همهم الأساسي الحفاظ على الذات والأرض واستمرار الحياة: من تُصادرُ أراضيهُم، وتُهدَّمُ بيوتُهُم، وتُقطّعُ أشجارُ زيتونِهِم، وتُمنعُ عنهم المياه، ويُنكَّلُ بأسراهُم، ويٌعاقبون جماعياً كلَّ يوم، ويمرّون عبرَ حواجزِ الاحتلال، وتُنتهكُ كرامتُهُم كلَّ يوم، ومن يعانون من جراءِ ضَنَكِ العيشِ في وضعٍ آثمٍ لا إنسانيٍّ في غزة، ذلك السجنُ الكبير.  هذه هي قضاياهُم الآن.

وبخلاف الاستكانة النسبية للجمهور العام في الضفة الغربية إزاء الاحتلال، تبددت هذه الاستكانة إزاء قضايا معيشية تهم الجمهور، وسمحت بحشد طاقات وتعبئة لاحتجاجات تواصلت إلى أن حققت أهدافها أو بعض منها في حالة الضمان الاجتماعي، وإضراب المعلمين على سبيل المثال لا الحصر.  والعبرة الأساسية من هذه الحالات، أنه في الوضع الحالي على الأقل، أو في نقطة بداية المشروع الوطني الجديد كمشروع نضالي، ينبغي أولاً أن يرتبط بقضايا محددة، للجمهور مصلحةٌ مباشرة فيها، أو لقطاعات واسعة منه؛ قضايا معيشية حياتية أو أن لها أبعاداً تمس حياتهم، لكنها، أيضاً، في هذا السياق لها بعد سياسي واضح موجه تجاه الاحتلال، يتعلق بالتمييز الحاصل في المساواة في الحقوق في نظام الفصل العنصري هذا.  ويمكن التفكير بمجموعة من القضايا التي تبرز انتهاك الحقوق وازدواجية المعايير على أكثر من صعيد في نظام الأبارتهايد المطبق داخل الدولة الواحدة القائمة حالياً.  وستزداد هذه الازدواجية مع استمرار المشروع الصهيوني من ناحية سرقة الأرض، وتجفيف سبل الحياة للفلسطينيين.

ولا يسعني الآن بسبب ضيق الوقت الدخول في تفاصيل هذا المشروع، ولكن أشير إلى عناصر أساسية فيه كرؤوس أقلام فقط، يلزمها تفكير ملي من قبل مجموعات صغيرة ذات معرفة ودراية، بهدف تطويرها وبلورة مقومات وضعها موضع التنفيذ:

  1. الفكرة الأساسية هي المساواة في الحقوق، مناهضة لنظام الفصل العنصري القائم حالياً.
  2. اختيار القضايا التي ترتبط بحياة ومصالح الناس مباشرة، حتى يكون لهم دور فاعل كجزء من حركة المقاومة في الداخل، ولكن في نفس الوقت لها بعد سياسي واضح موجه نحو الاحتلال. ولن يمكن تفعيل الجمهور دون هذا الربط بين حياة الناس ومصالحهم والقضايا التي يجري إبرازها.
  3. حملة عالمية لهذا الغرض يرافقها -كهدف سياسي- حق تقرير المصير الذي هو الأساس المعترف به دولياً، والذي تنبثق منه الخيارات السياسية المحددة في أي وقت من الأوقات. وتترك طبيعة الحل الممكن كترجمة لحق تقرير المصير، مفتوحة على خيارات عدة، حسب ما هو ممكن، أو أفضل في حينه.  وأُذَكِر أن ترجمة حق تقرير المصير، في البداية، لم تكن حل الدولتين.  والهدف الآني والمرحلي هو المساواة في الحقوق، بمعزل عن البنية السياسية الكلية المناسبة لهذا الغرض، وكخطوة ضرورية لتجسيد حق تقرير المصير في بنية سياسية لاحقاً.
  4. هذا المشروع يلزمه تنظيم مدروس حول الأدوار والمهام، لأن البنية التنظيمية هي العصب الحساس، وأهم عنصر تنفيذي للمشروع. وأرى أن الجاليات الفلسطينية في الخارج هي المرشحة أولاً لحمل عبئه الأكبر بسبب حرية الحركة لديها، ومعرفة اللغات في الدول المختلفة وآليات المخاطبة، وبخاصة من قبل الجيل الشاب.  وهذا لا يستثني دوراً أساسياً للداخل، حتى لو كان عرضة للملاحقة أو الاعتقال من سلطة الاحتلال، أو من قبل السلطة المحلية القائمة مستقبلاً في الضفة.
  5. إن لغة الخطاب الموجهة للعالم ينبغي أن تنطلق من قيم إنسانية تحررية مشتركة يفهمها العالم المطلوب منه الانتصار للقضية، وليس من أية خصوصيات ثقافية أو اجتماعية فلسطينية أو برامج حزبية خاصة موجهة لقواعد تلك الأحزاب.
  6. يجب دراسة تجربة المؤتمر الأفريقي الوطني لغرض العلاقة بين الداخل والخارج حول الأدوار والتنظيم. ولا أقصد بالداخل هنا السلطة الفلسطينية التي لا أرى دوراً لها في هذا المشروع، كما هي الآن، أو حتى في المدى المرئي نظراً لالتزاماتها تجاه إسرائيل.  إن تخلى السلطة عن هذه الالتزامات يفقدها سبب بقائها من منظور إسرائيل.  وفي كل الأحوال، هذا مشروع يتحمل مسؤوليته، أولاً، المجتمع الفلسطيني ككل، بعد تنظيم الأدوار وتحديدها.
  7. ينبغي الحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية كممثل للشعب الفلسطيني وعنوان وحدته، وفصلها عن أية سلطة فلسطينية موجودة، وقد يكون في الإمكان فعل ذلك بعد مرحلة أبو مازن. إن معادلة سلطة علنية تحت الاحتلال، “بوزاراتها” ومكاتبها وتصاريحها وميزاتها والتزاماتها تجاه إسرائيل، وأن تكون مقاومة أيضاً، غير ممكنة، ولن تسمح إسرائيل بذلك.
  8. أخيراً وليس آخراً، إن انتهاء حل الدولتين سيفتح المجال موضوعياً “للم الشمل” إن جاز التعبير مع فلسطينيي مناطق الـ48، بعد أن تم التخلي عنهم في قرار المجلس الوطني في دورة الجزائر العام 1988، من خلال قبول حل الدولتين. ومن المتوقع، كنتيجة، أن يتم النظر في الأدوار الممكنة في هذا الوضع الجديد، بما في ذلك الأدوار في أي مشروع وطني متجدد.

ختاماً، إن الواقع الحالي في الضفة وقطاع غزة هو وجود دولة واحدة هي إسرائيل، فيها حكم ذاتي محدود الصلاحيات في ظل سيادة هذه الدولة.  هذا هو الواقع الحالي لا غير.  ما يعيق رؤيته كما هو، استمرار تداول خطاب حل الدولتين فلسطينياً وعربياً ودولياً، مع أن الجميع يعرف أنه انتهى.  ومع استمرار المشروع الصهيوني في الأرض المحتلة، وبخاصة إن تم ضم أجزاء منها لدولة إسرائيل، فإن هذا سيمكّن أعداداً متزايدة من رؤية الصورة على حقيقتها. المهم الآن هو التفكير في مشروع وطني متجدد والعمل على تنفيذه كمشروع مقاوم ومناهض للتميز الحاصل في نظام الفصل العنصري القائم الآن في ظل الدولة الواحدة.

 

*ورقة قدمت في مؤتمر مشترك لمؤسسة الدراسات الفلسطينية ومعهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، رام الله، 23-25 تشرين الأول/أكتوبر 2020.

Author: د.جورج جقمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *