من نحن

نَحْنُ مجموعة من أبناء الشعب الفلسطيني، المقيمين في أرض فلسطين التاريخية، وفي بلدان اللُّجوء والشَّتَاتِ، نشتغل على مبادرة أو فكرة تتوخَّى تشكيل مِنْبَرٍ، أو ملتقى، يحاول التَّعبيرَ عن حُقُوقِ الشَّعبِ الفلسطينيِّ، وتطلعات أغلبيته، دون أن يعني ذلك إنشاءِ حزبٍ، أو جبهة، أو أيِّ إطارِ تنظيميِّ أخر، فهذه المبادرة إنَّما تُمَثِّلُ الأفراد المنضوين في إطارها، على تنوُّعهم وتَعدَّدِ منظوراتهم الفكريَّة والسياسية، من الذين يجتمعون على قواسم مشتركة، انطلاقاً من شعورهم بالمسؤولية، ومن إدراكهم للمخاطر الجسيمة الَّتي تحيطُ بقضيتهم الوطنية والإنسانيَّة، على جميع المستويات والصُّعد، بما يستوجبُ إطلاق حوار وطني واسع ومسؤول، حول سبل مواجهة التَّحديات الرَّاهنة، الَّتي يُهَدِّد استمرارها حاضر ومستقبل شعبنا وقضيته، لذا فقد توافقنا، بعد تبادل الرأي، على الأفكار الواردة في النص الآتي:
بعد مرور أكثر من قرن على كفاح شعبنا، في كافة أماكن وجوده، ضد المشروع الصهيوني، وسبعة عقود على النَّكبة، وإقامة إسرائيل كدولةٍ استعماريةٍ استيطانية عنصرية فوق جزء كبير من أرض فلسطين،؛ وبعد أكثر من نصف قرن على انطلاق حركتنا الوطنية المعاصرة، بكل ما انطوت عليه من تضحيات وبطولات، وصعوبات وتراجعات، وتطوُّراتٍ وتحولات، بات هذا الشعب في أمسِّ الحاجة إلى إجراء مراجعة نقدية مسؤولة للتجارب التي تضمَّنتها مسيرته النِّضالية عبر جميع مراحلها، مع الاستفادة من إرث هذه المسيرة التي وصلت، الآن، إلى طريق مسدود، بتفادي تعثراتها وسلبياتها والبناء على إيجابياتها ومنجزاتها، كما بات بأمس الحاجة إلى صوغ رؤى وخيارات وطنية، وإعادة بناء كياناته ومؤسساته السياسية، وانتهاج خيارات كفاحية، جديدة ومغايرة، تتأسس على الواقعية والعقلانية، والتمسك بقيم الحرية والحقيقة والعدالة، التي توازن بين الواقع والطموح، والإمكانيات والرغبات، والعاملين الداخلي والخارجي، دون أن يجحف أحدهما بالأخر. وهذا يتطلب:
أولاً، تجديد كيانات حركتنا الوطنية، باستعادة طابعها كحركة تحرر وطني، وتجديد حيويتها، بعد أن وصلت، منذ أمد غير قصير، إلى حالة من الشيخوخة، والتكلّس، وتآكل الشرعية، ويشمل ذلك المنظمة والسلطة والفصائل والأحزاب السياسية والاتحادات الشعبية، إذ لا يمكن تحميل رؤى أو خيارات جديدة على حوامل قديمة، أو مستهلكة، وذلك من خلال:
1ـ إعادة بناء منظمة التَّحرير الفلسطينيَّة باعتبارها الكيان السِّياسي القيادي الجامع، والممثل الشَّرعي الوحيد لشعبنا في جميع أماكن وجوده، وذلك على أُسُسٍ وطنية تمثيلية ومُؤَسَّسِيَّة، ووفق معايير ديمقراطية وكفاحية، تأخذُ بأسلوب الانتخابات حيثما أمكن، وتعتمد إقرار العضوية في المجلس الوطني الفلسطيني، والهيئات القياديَّة الأخرى، وفق نتائج الانتخابات؛ أي بعيداً عن ترتيبات المحاصصة الفَصائلية، والتوافقات الحزبيَّة المصلحيَّة، ومنطق “الكوتا”ـ
2 ـ الفصلُ، وظيفيَّاً وإدارياً بين المنظمة والسلطة، أي فيما يتعلق بالقيادة، والمؤسسات، والموظفين، ومكانة الرئاسة في كلا الكيانين؛ إذ أضر الدمج بكليهما، على نحو أضعف النِّظام السياسي القائم، وحَوَّلهُ إلى مجرد سُلْطةٍ عرَّضتهُ للضُّغوط التي دأبت إسرائيل على ممارستها عليها عبر فرض إملاءاتها التي تنسجم مع طبيعتها ومع رؤيتها لذاتها كدولةْ استعمارية استيطانية عنصرية، إجلائية وإحلاليَّة.
3 ـ تغيير وظائف السُّلطة، بحيث تقتصرُ على إدارة المجتمع، وتعزيز كياناته ومؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والثَّقافية، وتنمية موارده البشرية والمادِّيَّة، وتعزيز قدرته على الاعتماد على نفسه، واستثمار إمكانياته وموارده بشكل يُؤمِّنُ متطلبات صموده، ويُنمِّي قدرته على مقاومة سياسات إسرائيل الاستعمارية الاستيطانية العنصريةـ
4 ـ استعادة وحدة الكيان الفلسطيني بين الضِّفة وغزة، وذلك ببذل أقصى الجهد، وبدَّأبٍ صادق، من أجل إنجاز المصالحة، عبر الالتزام بمقتضيات المصالح الوطنيَّة العليا، وتكريس العلاقات الديمقراطية في إطار العمل الوطني، باعتبار ذلك ضرورة وطنية، وفقاً للأسس المذكورة أعلاه.
5 ـ بذل كل جهد مكن لاعتماد أنسب الأشكال والوسائل لتعزيز التفاعل الخلاق والعمل المشترك بين تجمعات شعبنا، في جميع أماكن تواجده، في 48 والضفة وغزة ومناطق اللجوء والشتات، لصوغ الأطر السياسية المشتركة، الأفضل والأجدى، للتعبير عن وحدته ووحدة قضية، وإدارة كفاحه.
ثانياً: اعتماد جميع أشكال النِّضَال الشَّعبي ضدَّ الاحتلال، وذلك على اعتبار أنَّ النِّضال الوطني الفلسطيني نضالٌ شاملٌ ومتكاملٌ يتحرَّكُ على محورين أساسين: أولهما، مواجهة إسرائيل عبر التَّصدِّي الحازم لسياساتها الاستعمارية والاستيطانية والعنصرية؛ وثانيهما، بناء المجتمع الفلسطيني عبر إنهاض وعيه وتنمية موارده وتعزيز مقوِّمات صموده فوق أرض وطنه، وترسيخ كياناته المجتمعيّة والوطنيَّة، وذلك مع الحرص الشَّديد على ألا يُخِلَّ العملُ على المحور الأول بالعمل على المحور الثاني، أو يضرَّ به، وألا يُفضي العمل المُركَّزُ على المحور الثاني إلى خلقِ واقعٍ يُكرِّسُ نوعاً من الاحتلال المريح، والمربح، لإسرائيل. وهذا التَّوجه يتطلَّب:
1ـ وقف عملية المفاوضات العبثية والمجحفة، والتَّخَلُّص من علاقات التنسيق الأمني مع إسرائيل، ومن التبعية الاقتصادية لها، وذلك على نحوٍ مدروس وحازم، مع القيام بكل ما من شأنه تنمية مقدرات شعبنا الذَّاتية وتعزيز اعتماده على نفسه عبر توظيف موارده البشرية والماديَّة، وتطوير كياناته المجتمعية وتمتين ركائزها.
2 ـ تكثيف الجهود على الصَّعيد الدولي، وتعزيزها، من أجل فضح طابع دولة إسرائيل العنصري الاستعماري الاستيطاني؛ وتفكيك مفهوم الدولة الديمقراطية – اليهودية بوصفه مفهوماً عنصريَّاً بامتياز؛ وتعزيز العمل في أوساط المجتمع اليهودي في إسرائيل لتنمية الاتجاهات الرَّافضة للصهيونية، ولإسرائيل الاستعمارية الاستيطانية العنصرية، وذلك عبر إيجاد قواسم مشتركة مع اليهود المُعَادين للصُّهيونية، والمُقرِّين بحقوق الشَّعب الفلسطيني، والمدركين لمدى الحاجة إلى حَلٍّ مشترك يتأسس على الحقيقة والعدالة والحرية والديمقراطية والمواطنة المتكافئة؛ أي من دون أدنى تمييز من أي نوع كان لمجموعة بشريَّة على مجموعة أخرى في أرض فلسطين التاريخية.
3 ـ اعتبار أنَّ النِّضال الشَّعبي بأساليبه الكفاحيَّة المُتعدِّدة والمُتنوِّعة (على النمط الذي اعتمدته الانتفاضة الفلسطينيَّة الأولى، مثلاً، أو على نحو ما يجرى اعتماده راهناً في القُدس وغزة) هُوَ الوسيلة الأنجع والأنسب والأكثر تأثيراً، وذلك لأنه ينهضُ على توظيف القدرات الذَّاتية لشعبنا، ويستند إلى خبرات تجربته الكفاحيَّة، لا سيما أنَّ هذا الشكل أثبت، بجدارة عالية، ثراءهُ وإبداعيته وجدواه، عبر تفويته على إسرائيل إمكانية اقتناض أي فرصة لاستدراج شعبنا إلى خوض مواجهات تستخدم فيها قوتها العسكرية الغاشمة، لاستنزافه، وتقويض قدراته، أو لتزييف الحقائق أمام الرأي العام العالمي لإضعاف حصانته الإنسانيَّة والسياسية والاجتماعية، وعلى نحو ما جرى في تجارب سابقة. وهذا بالطبع لا يستثني وسائل النضال الأخرى التي اقرّتها الاعراف والقوانين الدولية، مع الأخذ بالحسبان خصوصيات الأجزاء المكونة لشعبنا الواحد.
ثالثاً، انتهاج خيارات، أو رؤى سياسية لا تنحصر في خيار وحيد، ولا تضع خياراً وطنياً ما في مواجهة خيار أخر، لأن خيار الدولة المستقلة الكلاسيكي، في الأراضي المحتلة (1967) لم يتحقق، إلا في صيغة “حكم ذاتي” للسكان، رغم مضي ربع قرن على اتفاق أوسلو المجحف والناقص والجزئي، بسبب الرفض الإسرائيلي والموقف الأمريكي المساند، والذي أكدته مواقف إدارة ترامب مؤخّراَ، ولأن ذلك الخيار، أيضاً، لا يلبّي تماماً حقوق شعبنا في مختلف أماكن تواجده، فهو لا يجيب على التساؤل المتعلّق بحلّ قضية اللاجئين، وحقهم المشروع في العودة إلى أراضيهم (في 48)، والذين يشكّلون نصف شعبنا، ويمثّلون جوهر قضيته، ولا على التساؤل المتعلق باعتبار فلسطينيي (1948) جزءاً من شعب فلسطين، ولا على الواقع المتأتي من كون إسرائيل دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية وتعرّف نفسها كدولة يهودية. ومعلوم أن إسرائيل تحاول اختزال أرض فلسطين بالأرض المحتلة (1967)، واختزال شعبها بفلسطينيي الضفة وغزة، واختزال حقوقنا الوطنية بإقامة كيان محدود السيادة والمعنى. لذا المطلوب خياراً وطنياً، أو رؤية، تتأسّس على المطابقة بين قضية فلسطين وجغرافية فلسطين وشعب فلسطين، أو تفضي إلى ذلك. رؤية تضفي معان وقيم إنسانية على فكرة التحرير، بحيث لا تختزل بتحرير جزء من الأرض، فقط، على أهمية ذلك، إذ يفترض أن يشمل هذا الأمر، أيضاً، تحرير الإنسان والصراع على الحقوق، أي الحقوق الفردية والوطنية، والتي تتطلب تقويض المشروع الصهيوني، المبني على وجود دولة استعمارية واستيطانية وعنصرية، مع التأكيد بأن الحل النهائي لن يتأتى إلا بهزيمة هذا المشروع، من خلال مشروع نهضوي تحرري إنساني ديمقراطي، يكون اليهود الإسرائيليين المعادين للصهيونية شركاء فيه، بدعم من القوى العربية والدولية، المؤيدة للحرية والعدالة والسلام. وهذه الرؤية تستند، أيضاً، إلى المقومات الآتية:
1 – إن أي حل نهائي للصراع يجب ان يقوم على الحقوق المتساوية للفلسطينيين، باعتبارهم شعبا واحدا في كافة أماكن تواجدهم، من جهة، والاسرائيليين اليهود، من جهة أخرى.
2 – إن أي حلول مؤقتة او انتقالية أو مفروضة أحاديا عفا عليها الزمن، وقد دلت تجربة ربع القرن الماضي سقم وعقم طريق الحلول المرحلية او الجزئية.
3 ـ للفلسطينيين جميعا بدون استثناء القول الفصل في قبول أي حل لقضيتهم أو رفضه، ولا يمكن لأية جهة كانت أن تفرض عليهم حلاً دون الرجوع إليهم، على اختلاف أماكن إقاماتهم، إذ لا بد من احترام إرادتهم المعبّر عنها بأشكال الممارسة الديمقراطية، سيما أن آليات العصر وتطور التكنولوجيا تسهل وتمكّن من تنفيذ ذلك.
4 ـ ليس لجزءٍ من أبناء الشعب الفلسطيني أنْ يتنازل عن حقوق جزء آخر، ولا يمكن قبول حلٍّ تُجْعَلُ فيه حُقُوقُ جزء من أبناء هذا الشَّعب ثمناً لحصول جزء آخر منه على بعض حقوقه، فليس من العدل، أو الحكمة، أو الواقعيَّة السياسية، أنْ يوضع هدفٌ أساسي في مواجهة هدف أساسي آخر، أو يُتْركَ حقٌ راسخٌ وأصيل لا يُمكن تركه أو التنازل في مقابل الحصول على حقٍّ آخر له الطَّبيعة نفسها.
وفي سياق هذه الرؤية الوطنية والإنسانية، فإننا لنؤكد أنَّ القضية الفلسطينية عي قضية أساسية للعالم العربي بأسره، وأنَّ التَّحررُ الفلسطيني المُتحقِّق عبر النضال المُفضي إلى تقويض المشروع الصَّهيوني، هو جزء لا يتجزَّأ من مسارات النَّضال التحرري في البلدان العربية النَّاهضة شعوبها ضدَّ الاستبداد الدَّاخلي والهيمنة الإمبريالية، وفي سبيل الحرية والمواطنة والدِّيمقراطية والعَدالة، وهو الأمر الذي يفترض صوغ أفضل العلاقات، وأمتنها، بين قوى التَّحرر الفلسطينية والعربية.
وعلى الصعيد العالمي فإننا نعتبر كفاح شعبنا جزءاً من كفاح شعوب العالم وقواها التحررية والديمقراطية، التي تعمل من أجل علاقات قائمة على التكافؤ والاعتماد المتبادل والسلام، وضد الكراهية والعنصرية والاستلاب.
هذه مبادرة، أو فكرة، للأفراد المشتركين فيها، ولمن يتفق معها من الفلسطينيين، وهي تصدر عن أشخاص لا يعتبرون أنفسهم فصيلاً جديداً، ولا جسماً بديلاً، عن أي فصيل أو أي أحد، ولا يدعون وصاية على أحد، وهم جزء من جملة حراكات شعبية في أوساط شعبنا الفلسطيني في كافة أماكن تواجده.
القدس ـ حيفا ـ غزة ـ رام الله ـ بلدان اللجوء والشتات