حكاية الاستيطان في قطاع غزة

بمناسبة ذكرى الانسحاب من قطاع غزة، لحتى الآن لم يُفتح نقاش جدي حول الاستيطان اليهودي في قطاع غزة، تاريخه، جذوره، وآثاره السلبية على القطاع والتي لا زالت قائمة لليوم.

فكرة أن إسرائيل شجعت وسهلت وأدارت منظومة مستوطنات داخل القطاع بحد ذاتها تدفع للجنون إذا ما تأملنا فيها للحظة. كيف، وعلى أي أساس، وبأي منطق قامت إسرائيل باستيطان ثلث مساحة قطاع غزة، والقطاع نفسه يشكل 1% من مجمل مساحة فلسطين التاريخية.

لم يكفي إسرائيل ما احتلته عام 1948، ولم يكفيها طرد الناس من بيوتهم وقراهم ومدنهم وحشرهم في أماكن مثل القطاع، فوق ذلك كله، قامت بالاستيطان حتى داخل عنبر سجنهم. الاستيطان في قطاع غزة قصة أولها سادية، وأوسطها عنصرية، وآخرها إجرام. حتى قبل الاستيطان لم يكن القطاع قادراً على استيعاب أعداد ساكنيه، لم تكن موارده كافية، مع ذلك، سمحت إسرائيل لنفسها باستيطان ثلث مساحته، وأقامت مستوطناتها على 25% من أراضيه الصالحة الزراعة، وفوق أغلب مصادر المياه العذبة النادرة والشحيحة أصلاً.

بسبب الاستيطان تشوه المشوه، القطاع بحد ذاته إقليم مشوه، نشأ بسبب حالة حرب، وكان يفترض بوجوده، بحدوده، بتركيبته السكانية والديموغرافية، أن يكون مكاناً مؤقتاً، كبرزخ بين الحرب التي شكلته، وانتهاءها، ولكن الحرب لم تنته، ويستمر القطاع كما هو، بمساحته الضيقة، وموارده شبه المعدومة. الاستيطان أثر على فرص التوسع العمراني والحضري حتى داخل القطاع وتحت ظروفه الصعبة. تجمع غوش قطيف خنق خانيونس من ناحية الغرب، وحال دون خانيونس والبحر. تماماً كما فعلت نتساريم من ناحية جنوب مدينة غزة. الاستيطان عطل حصول أي تنمية اقتصادية ضمن ظروف قطاع غزة الصعبة أصلاً، وشوه الفضاء الجغرافي للقطاع.

الاستيطان جلب العنف والخوف والتجريف والقتل والكوبنيات والأسوار والحواجز. الاستيطان أمعن في إذلال الناس. عدد سكان كفار داروم في 2005 بلغ 450 مستوطن. من أجل 450 مستوطن تحولت حياة أكثر من 50 ألف إنسان في دير البلح والمناطق المحيطة بها لجحيم. من أجل 450 مستوطن أقيمت الحواجز وأغلقت الطرق ونصبت الأسوار وأبراج المراقبة. من أجل 450 مستوطن جرفت بيارات الناس ودمر رزقها. لا أنسى الرعب الذي عشته كطفل بسبب كفار داروم، لا أنسى ليالي الرعب والخوف والإجتياحات من ذلك الوكر. هناك جيل كامل الآن لا يذكر أي من هذه التفاصيل، جيل لا يعرف حاجز محفوظة، ولا المشي على طريق البحر ناحية نتساريم، ولا أصوات الجرافات، ولا أضواء الفوانيس، ولا مشاهد نصب السواتر تحضيراً للاجتياحات.

قصة الاستيطان في قطاع غزة لم تنته، فلا زلنا نعيش آثارها. قصة الاستيطان في قطاع غزة قصة سادية وإجرامية، وقمة الإجرام في حق أنفسنا أن لا نرويها بتفاصيلها لكي يعرف الجميع معنى تلك التجربة والحمل الذي خلفته. وللمستوطنين: طريق الوداود. تودي ما تعاود.

Author: جهاد ابو سليم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *