حتى تستقيم المصالحة الفلسطينية

مرّت ثلاثة عشر عامًا على الانقسام الفلسطيني، تعثرت فيها محاولات المصالحة الممتدة ما بين ظلال الأهرام وستار الكعبة وساحل غزة وتلال رام الله وسخونة الدوحة وصقيع موسكو وجبال صنعاء وشواطئ بيروت. استمرّت خلالها مفاوضات حل الدولتين ثم تراجعت، وتعزّز فيها التنسيق الأمني مع العدو، قبل أن تعلن السلطة الفلسطينية وقفه أخيرًا، بعدما لوّحت بذلك أعوامًا طويلة، وتعرّضت غزة لاجتياحات مدمّرة، وخاضت معاركها منفردةً وسط حصار قاسٍ، وأُعلن عن صفقة القرن التي تضمنت الرؤية التوراتية للرئيس الأميركي دونالد ترامب، ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وظهرت مقدّماتها باعتراف ترامب بالقدس عاصمة موحدة للكيان الصهيوني، وإيقافه تمويل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، ومن ثم وضع تفصيلات خطة ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية، الأمر الذي أغلق الباب أمام حل متوهَّم لجزءٍ من الشعب الفلسطيني على قسم من أرضه.

ضمن هذا السياق، عقد أمين السر للجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب، ونائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صالح العاروري، مؤتمرًا صحافيًا مشتركًا، عبر تقنية الفيديو كونفرنس، أعلنا فيه عن فتح صفحة جديدة، من دون أن تُطوى صفحة الانقسام، وكأنّ الطرفين اتفقا على إدارة الانقسام لمواجهة تحديات “صفقة القرن” واستحقاقاتها، على قاعدة الوحدة على أرض المعركة. والمعركة هنا هي الحراك الشعبي المقاوم لقرارات الضم الصهيونية، ما يتيح مجالًا أوسع لأنصار حركة حماس، في الضفة الغربية، للمشاركة في العمل السياسي والجماهيري، من دون الخضوع لمضايقات الأجهزة الأمنية. وفي المقابل، يتيح لكوادر حركة فتح، في قطاع غزة، المشاركة في تحرّكات مماثلة، من دون التعرّض لملاحقات أجهزة “حماس”.

لا يطوي هذا اللقاء صفحة الانقسام، وإنما يتيح إدارته بشكل أفضل، بانتظار تطورات المستقبل. ستبقى “حماس” محتفظة بسلطتها كاملة في غزة، بل ولعلها نالت اعترافًا بها، ولن يكون سلاحها موضع نقاش في هذه المرحلة، في حين كان شرطًا مسبقًا في مباحثات المصالحة السابقة، وستُتاح لعناصرها حرّية تحرك سياسي وجماهيري أوسع في الضفة، ضمن النضال الشعبي المشترك، في وقتٍ احتفظت فيه بحقها في ممارسة أشكال المقاومة الأخرى.

من الواضح أيضًا أنّ الطرفين لم يزعما الوصول إلى برنامجٍ سياسيٍّ موحد، وهو الذي شكّل عقبة كأداء أمام محاولات المصالحة في الماضي، واكتفيا بالإعلان أنهما سيعملان على بناء رؤيةٍ استراتيجيةٍ كاستحقاق لمواجهة التحدّيات، أي أنّ هذا الموضوع ما زال ضمن النقاش والحوار الدائر، على الرغم من حجم التنازلات التي قدّمتها “حماس” في هذا المؤتمر، إذ أشادت بالموقف الصلب والثابت للرئيس محمود عباس من خطة إسرائيل ضم أراض واسعة في الضفة الغربية، وأعلنت تأييدها للخطوات السياسية والدبلوماسية التي تقوم بها قيادة منظمة التحرير الفلسطينية، مشيدةً بقدرتها على مخاطبة المجتمع الدولي. كما أكّدت على أنّ الحديث عن دولة بحدود عام 1967 يشكّل برنامج حدٍّ أدنى مقبول منها، أي أنّ جوهر هذا الاتفاق يتمثل في رفض الصفقة، والموافقة على حل الدولتين، واعترافٍ ضمنيٍّ بسلطة كل فريقٍ على المنطقة التي يسيطر عليها، مع محاولة تعزيز النضال الشعبي المشترك في مواجهة إجراءات الضم.

من اللافت أنّ موقف حركة حماس من حل الدولتين ليس جديدًا، فقد تضمّنه، بشكل أو بآخر، الميثاق المعدّل لها، لكنّ قيادة “فتح” لم تلتقط، في حينه، تلك البنود التي وردت في الميثاق، ورأت فيها محاولةً من قيادة “حماس” لتقديم نفسها بديلًا عنها في المفاوضات من أجل حل الدولتين، ونزاعًا على تمثيلها، وليس خطوةً باتجاه برنامجها السياسي.

ناشد العاروري والرجوب الشعب الفلسطيني تصديقهما هذه المرّة، حيث لاحظا ضعف ثقة الشعب بأي إعلان جديد، وعدم تصديقه أي حديثٍ عن اتفاقات بين الطرفين، بعد تجارب عديدة مماثلةٍ تجاوزت بنود هذا الإعلان إلى اتفاقاتٍ تضمنت تشكيل حكومات وفاق، وتأليف إطار قيادي موحّد، وإعادة بناء منظمة التحرير، وانتهت جميعها قبل أن يجفّ الحبر الذي وُقّعت به. ولعل السبب وراء هذا الفشل المزمن يعود إلى غياب اتفاق سياسي حقيقي، وإلى اضطرار كل طرفٍ إلى الظهور بمظهر الحريص على المصالحة أو التلويح بها، إما نتيجة للضغط الشعبي، أو لاستخدامها ورقةً يمكن التلاعب بها ردّا على، أو استجابة لشروط أطرافٍ عربية ودولية.

تأخّر هذا الإعلان للأسباب ذاتها، فالضم ليس حدثًا طارئًا بقدر ما هو واقعٌ معاشٌ مزامن للاحتلال، منذ بدأ ضم الأراضي وبناء المستوطنات، والذي يتعمق باستمرار منذ توقيع قيادة منظمة التحرير مع الكيان الصهيوني اتفاق أوسلو في العام 1993، كما أن صفقة القرن تم الإعلان عنها منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وأعلن نتنياهو عزمه على تطبيقها خلال الحملة الانتخابية، والجزء الأكبر منها مُطبّق عمليًا على الأرض، وما يجري اليوم ليس إلا إضفاء للصفة قانونية عليها. ويُفترض بهذه التفصيلات ألّا تفاجئ أحدًا، بينما كان يفترض أن تُتّخذ إجراءات عملية لمقاومتها، والوقوف في وجهها، منذ أعوام. ولكن مثل هذه الإجراءات لم تُتّخذ لسبب بسيط، أنّ وهم العودة إلى المفاوضات كان ماثلًا في الذهن، وكان ثمّة خشية من أن تؤدي أي خطوة باتجاه المصالحة الفلسطينية إلى إيجاد مبرّر لإعاقة ذلك، وهو السبب نفسه الذي منع تطبيق قرارات إنهاء الاتفاقات مع العدو، وسحب الاعتراف، ووقف التنسيق الأمني، المتخذة منذ أعوام. وهو أيضًا السبب الكامن الآن وراء عدم وضوح القرارات المتعلقة بالتحلّل من الاتفاقات حتى اللحظة، مع إدراكنا أهمية القرارات وضرورتها، لكنها ما زالت تُبقي الباب مواربًا وقابلًا للفتح في اتجاهات عدّة، منها المقاومة الشعبية وتصعيدها، ومنها العودة إلى دائرة المفاوضات.

نؤيد أي اتجاه نحو الوحدة، مهما كان بسيطًا، ولا نذهب مذهب من يطالب بالمحاسبة والاعتذار، لكننا ننشد الوضوح، فمن حق شعبنا أن يفهم، وأن يدرك، إلى أين يُقاد. وحتى نصدّق، وحتى تستقيم المصالحة الفلسطينية، يجب أن تكون الخطوة الأولى باتجاه تحديد طبيعة المرحلة بأنها ليست مرحلة البحث عن حلول، مهما كانت، سواء حل الدولة أم حل الدولتين أم حل نصف الدولة، فهذا كله ليس مطروحًا ضمن أي سياق. المطروح هو تصفية القضية الفلسطينية، ولأجل ذلك، المطلوب، أولًا وأخيرًا، هو السير باتجاه مقاومة هذه التصفية، ويتم ذلك عبر تصعيد الهبّات الشعبية، والسير باتجاه انتفاضةٍ لها شروطها وظروفها ووسائل نضالها وأدواته التي تكتشفها عبر سيرورتها. ولعل هذا الإعلان يوفر بعضًا منها، ومن ثم ينبغي فصل منظمة التحرير عن السلطة الفلسطينية فصلًا تامًا، وإعادة بنائها على أسسٍ تمثيلية، بحيث تمثّل القيادة السياسية للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة، وتأتمر بأوامرها السلطة الفلسطينية، أكانت في الضفة الغربية أم في قطاع غزة، بعد أن تتحوّل إلى سلطةٍ خدمية. فالمطلوب إذن: تصعيد النضال، وإعادة بناء المنظمة، وفصلها عن السلطة الفلسطينية، شرطا لازما لاستقامة المصالحة، ومقاومة الصفقة والضم، وتوحيد الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.

(المصدر العربي الجديد)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *