اوتونوميا

منذ البداية شكَّل الفلسطينيون، ومجرد وجودهم، مشكله للحركة الصهيونية بداية، ولإسرائيل لاحقا (في فلسطين عموما)، التي أرادت “أرضا أكثر وعربا اقل” (كعنوان كتاب الزميل نور مصالحه).

المحاولة الاولى كانت التهجير عام ٤٨، والثانية كانت الحكم العسكري في الضفة والقطاع والتي كانت تعني تأجيل الموضوع الى امد غير محدود، والمحاولة الثالثة جاءت على إثر الانتفاضة بإنشاء السلطة وتوكيلها مهمه اداره السكان: اسرائيل تأخذ الارض والماء والهواء وتديرها وتترك للسلطة اداره السكان وقمعهم. بهذا المعنى فإن الاوتونوميا تعني ان يقوم الفلسطيني بقمع الفلسطيني والشكل الوحيد للسيادة. المحتل يوفر على نفسه الاعباء المادية والمعنوية للقمع. الحقيقة انه ليس من شيء جديد في هذا التحليل ابدا، قاله كثيرون وقلته انا من ضمنهم منذ توقيع اوسلو.

نموذج شبيه، لكن أكثر تركيبا وتعقيدا تطوره اسرائيل نحونا هنا في الداخل.  بداية كانت صناعه الاقصاء ابان الحكم العسكري ثم سياسة الاحتواء التي جاءت لاحقا الى ان اكتشفت اسرائيل بعدها ان فلسطينيي الداخل معضله وذلك بعد ان أصبح عددهم تقريبا مليونين، وبعد ان اثبتوا حضورهم السياسي حتى وان كان اداءهم متوسطا. والاهم انهم مواطنون ويخضعون لنوع اخر من موازين القوى، اي تلك التي تضبط علاقة المواطن بالدولة وتضع عليها قيودا قانونيه ودستوريه تختلف عن علاقة دوله بدوله، حتى ولو كانت المواطنة منقوصة.

ويمكننا ان نلاحظ ان اسرائيل تنسحب من المواطنة تدريجيا بما يتعلق بنا في الداخل وتنوي تحويل وتسليم عمليه ادارتنا الى قوى مجتمعيه داخليه تقوم بضبطنا داخليا: ثقافيا، اقتصاديا، ومجتمعيا. الاسباب لذلك عديده وهي مزيج من المنطق العنصري الكولونيالي والمنطق النيوليبرالي الذي يقوم على الخصخصة في كل شيء. وكي تقوم بذلك هي بحاجه الى قوى ماديه والى قوى معنويه تقوم بهذا الدور. كل الدلائل تشير ان الاجرام المنظم في طريقه الى لعب دور سياسي واجتماعي أكثر فأكثر وكعامل تفرقه وكعامل ضبط في نفس الوقت. راس المال الكبير واوساط كثيرة في الطبقة الوسطى بحاجة الى تعاون ورضى الوزارات، والجريمة المنظمة تحتاج تواطؤ الشرطة، وكلاهما يحتاج الى قوه معنوية تبرر هذا العناق مع المؤسسة الحاكمة.

في الداخل، الجريمة في طريقها لتلعب دورا سياسيا، وفِي الضفة فان هياكل السلطة السياسية الحاكمة مرشحة ان تتحول بمساعدة اسرائيل الى مزيج هجين من الأجهزة الأمنية المنفردة التي تقبض الخاوة وتتصرف كمنظمات الاجرام المنظم لكن بغطاء سياسي. وضمن برنامجها هذا تجند اسرائيل دولا عربية كي تمارس دورها في هذه اللعبة التي تهدف الى القضاء على اسم فلسطين وعلى سؤال فلسطين وشعب فلسطين. قد لا يكون هذا الامر تعبيرا عن مؤامرة محبوكة ومخطط لها، لكن اسرائيل تستفيد من اية ظاهرة تساعدها في التخلص من عبء الفلسطينيين وادارتهم وكل شيء يضمن لها الامن والنظام والهدوء لهو شرعي ومرحب به، وليقمع ويذبح العرب بعضهم بعضا.

هذا لا يعني ان هذا السيناريو حتمي او انه سيحصل غدا، ولا يعني او قوات الأمنية فقدت دورها الوطني، لكن هذه فكرة اعتقد انها ترشد الفكر العسكري -الامني الاسرائيلي، وهذه بنية يمكن ان تنشأ في ظروف معينة (خاصة بعد مرحلة ابو مازن)، ما يميزها وجود مؤسسة امنية مسلحة تتحكم بالشعب ولا تسترشد بمرجعية سياسية ولا انتخابات دوريه ولا محاسبة ومكاشفة، مع ولاءات محلية عشائرية. هذا مدخل لفهم طبيعة المخاطر والسيناريوهات الممكنة، وقد يتحقق جزء منها فقط، بعض الوقت، وفِي بعض المناطق وقد يكون أكثر من ذلك. هذا ليس قدرا طبعا لكنه خطر بدون شك.

عين الناصرة على رام الله وعين رام الله على الناصرة.

 

Author: رائف زريق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *