إسرائيل… الدولة الخيال

يقول تيودور هرتزل في كتاب الدولة اليهودية:

“إن الأمر يتوقف على اليهود أنفسهم أن يبقى هذا الكتيب السياسي خيالا سياسيا. فإذا كان هذا الجيل أغبى من أن يفهمه على حقيقته، فإن جيلا قادما  أفضل وأكثر استنارة سينهض ليفهمه”

أخذت هذا المقطع أثناء إعادتي لقراءة بدايات القضية الفلسطينية والتي قادتني لهذا الكتاب “الدولة اليهودية “الدولة الخيال التي باتت كابوساً يسمم حياة الفلسطينيين اللاجئين أينما كانوا، والصامدين منهم في أراضي 1948، والمحاصرين في قطاع غزة أو المقتولين بين جدار وحاجز في الضفة الغربية.

قد تكون العودة لهذا الكتاب رفاهية لم أكن أملكها سابقا في ظل الركض وراء المتغيرات الآنية ومحاولة فهم تطورات الأحداث المتلاحقة، لكن سؤالاً واحداً ظل يطاردني وأنا أتابع القراءة، كم ابتعدنا نحن الفلسطينيون عن حلمنا الأول وروايتنا الاولى ونحن نطارد معادلات الربح والخسارة ومتغيرات الواقع اليومية وربما اللحظية؟؟!!!

الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين وحتى الاقتصاديين منهم يربطون رسم ملامح القادم و المستقبل أو شكل خططهم الاستراتيجية بموازين القوى المتاحة في تلك اللحظة التي يرسمون أو يخططون لها للمستقبل، وربما يتوقعون ما ستكون عليه تلك الموازين أو المعطيات في المستقبل القريب وكم ستكون متساوقة مع ما يرسمونه أو يخططونه.

ربما كان هذا صحيحا أو متماشيا مع المنطق العام أو الشكل التقليدي لبناء الاستراتيجيات وخطط المستقبل لذلك نرى المحللين وراسمي الاستراتيجيات في مرحلة ما يدورون في نفس الزاوية ويتطلعون لنفس الهدف لكن بزوايا مختلفة لأن معطيات الواقع تفرز بشكل أو بآخر هذه الرؤية المبنية على ضوابط وإيقاع الموجود ويُتهم كل من يخرج من هذه الرؤية أو هذا المنظور بأنه غير واقعي وغارق في عالم الأحلام.

ربما تكون هناك تباينات بين المحللين والمخططين الذين يعالجون الواقع بهذه الطريقة بالمعنى الشكلي لكنها بالجوهر والمضمون قريبة إلى بعضها إلى حد كبير، وهذا التباين ناتج عن أدوات دراسة الواقع ومعطياته والمنهج المتبع في تحليل القوى والتوازنات؛ ذلك المنهج الذي ينبع من الخلفيات الثقافية والسياسية والفكرية للدارسين أو المختصين أو المحللين.

قد يبدو هذا الكلام عامّاً جداً وينطبق على حالات كثيرة في هذا العالم لكنه في الحالة الفلسطينية أكثر وضوحا وجلاء…

فمنذ النكبة وربما قبل ذلك مازال رسم استراتيجيات التحرير والعودة منطلقا من هذا المنهج بالتفكير، رصد الواقع.. تحليل المعطيات..وبالتالي دراسة موازين القوى ومن ثم تُرسم الاستراتيجيات بشكل يبدو للوهلة الأولى علميا ولا يأتيه الباطل لا من تحته ولا من فوقه معتمدين على اللحظة التاريخية وما أفرزته من معطيات.

قد تبدو هذه العملية صحيحة من حيث المعالجة وسيرورة الوصول إلى نتائج وخاصة إذا كانت معتمدة على مناهج تحليل علمية دقيقة لكنها بالضرورة محكومة بالشكل التقليدي لمعالجة المشاكل واتخاذ القرارات، وضمن هذا السياق كان صناع القرار الفلسطيني دائما يفتخرون  بهذا النمط من التحليل والاستراتيجيات والذي على أساسه رُفعت شعارات كثيرة محاكية المعطيات الذاتية والإقليمية والدولية سواء طالبت بفلسطين  من البحر إلى النهر أو وصلت لفكرة المرحلية ومن ثم اوسلو أو غيرها من الشعارات التي حاكت مرحلة بعينها اعتمادا على موازين القوى التي  افرزتها تلك اللحظة .

وهكذا ابتدأت التنازلات الفلسطينية مستجيبة للواقع وموازين القوى التي افرزتها حالة التراجع العربي والوضع الدولي والاقليمي وأصبح التكتيك بديلا عن الاستراتيجية، بل هو الاستراتيجية، وطمست المبادئ الأساسية التي قام على أساسها النضال الفلسطيني من حيث استرجاع الحقوق التي تتقاطع مع الرواية الفلسطينية الحقيقية، من حيث إنها قضية شعب طرد من أرضه وله الحق في العودة إليها واسترجاعها بكل الوسائل التي يضمنها القانون الدولي وحقوق الإنسان والأمم المتحدة.

ربما يكون الحفاظ على المبادئ ورسم الاستراتيجيات التي تضمن إعادة كامل الحقوق صعب جدا، ويقع في نطاق الأحلام والرغبات غير المستندة إلى الواقع، ولكن بنفس الوقت فإن رسم الاستراتيجيات والاهداف النهائية بناء على الواقع وموازين القوى المتغيرة دائما للأسف لصالح الطرف الآخر هو ما أوصلنا إلى ما نحن عليه من تنازلات وضياع للحق وتوهان للرؤية.

هذه الطريقة بالتفكير يمكن أن توصلنا إلى آخر النفق المغلق وبالتالي إلى الإحباط  والاستسلام، وكي لا يكون كذلك ولكي تبقى الرواية الفلسطينية سيدة الموقف وعلى أساسها ومنها تستمد مشروعية الهدف من المفيد أن ننظر كيف تحققت دولة الاحتلال.. أو دولة الخيال وكيف رُسم لها…

“إن الخطة قد تبدو بطبيعة الحال غير معقولة إذا حاول معالجتها شخص بمفرده، ولكن إذا توفر عليها عدد من اليهود المتعاونينين فقد تبدو معقولة تماما ولن ينطوي إنجازها على صعوبات تستحق الذكر. إن نجاح الفكرة يعتمد فقط على عدد مؤيديها”

هذا ما قاله هرتزل وهو يحلم بدولة لليهود وتوقع أن خطته قد تكون على أبعد تقدير “قطعة أدبية”، لكنه منذ نسج الخيال الأول لهذه الدولة “الدولة اليهودية”، لم يعرض حال السكان الاصليين إن كان في الارجنتين أو في فلسطين، بل لم يلق بالاً لهم، فهم بالنهاية خارج حسابات الربح والخسارة، وحتى خارج موازين القوى التي لم يعرها اهتماماً إلى درجة أنه أسقط اصحاب الأرض من حساباته!!

إذاً، هرتزل بنى للدولة وخطط لكيفية الهجرة وبناء المجتمع بتؤدة وبروح الحالم، حيث إن ما شغل باله وأولوياته في بناء الدولة الخيال هو الإجابة عن سؤال ما العمل، وما هي التفاصيل التي سوف يستند عليها في قيام الدولة وليس الدولة في حد ذاتها كهدف نهائي.

ما شغل باله قضايا عن شركات وجمعيات وهجرة، ومواضيع مثل نقل ملكيات وأراض لليهود في أوروبا واستبدالها في الأرض الجديدة، ساعات العمل التي تمتد لسبع ساعات يوميا، كيفية بناء مصالح مشتركة مع الدول الكبرى…

كانت الدولة بالنسبة لهرتزل حلما بعيد المنال ربما لم يره يتحقق حتى في أشد الساعات استسلاما للنوم وكان يكتب كلمات ربما يطويها النسيان كما عبّر هو بنفسه عن عدم ثقته بأن يكون هذا المشروع واقعا يوما ما؛ استند على ما سماه “بؤس اليهود” وإن “كل شيء يعتمد على قوتنا الدافعة.. ولكن ما هي قوتنا لدافعة؟ إنها بؤس اليهود؟ فمن يجرؤ على إنكار وجوده؟”

وبناءً على هذه الرؤية وهذه “المظلومية التاريخية” التي كرستها محارق النازية نمت وترعرت  الفكرة الصهيونية والدولة اليهودية حيث يقول: “إن الدولة اليهودية ضرورية للعالم ولذلك فسوف تقوم”، وهنا نرى الإيمان المطلق عند هرتزل بالهدف النهائي بغض النظر عن الأساليب التي سوف يتبعها لتحقيق هذا الهدف وبغض النظر عن موازين القوى التي كانت تحكم العالم في تلك اللحظة اي أنه لم يجزأ الهدف النهائي اعتمادا على امكانية الوصول إليه أم لا.

كتيب هرتزل أثار فيّ أسئلة عن القضية الفلسطينية والنضال الفلسطيني منذ الانتداب البريطاني حتى يومنا هذا أهمها كيف نواجه الاحتلال وخطط الضم والسلب والقضم والاستيطان…

في كتاب هرتزل، إننا أمام حلم… أمام خيال لا تبرره لا موازين قوى ولا كل المعطيات الموجودة على الأرض في تلك اللحظة…

أما نحن الفلسطينيون فقد كسرنا الحلم وتناسينا برغم أنه أكثر من سبعين عاما مرت على النكبة                          ومازال الطفل الفلسطيني في دول الشتات وفي أرض فلسطين يكنى بفلسطينيته..

وبناء عليه يجب على الفلسطينيين أن يخرجوا من ما يسمى الواقعية السياسية المستندة على موازين قوى ليست لصالحنا  ويرجعوا القضية لأساسها من حيث هي احتلال وشعب يعيش تحت الاحتلال، والكف عن مناقشة أرض هنا وأرض هناك ويعودوا لسرد الحكاية منذ البداية: أرض واحدة، وشعب واحد،  وقضية واحدة…ولتكن الإجابة على سؤال ما العمل، هي الحفاظ على الإيمان بهذا الثالوث رغم تعرجات الطريق وعدم وضوح المآلات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *