وقف إطلاق النار في لبنان : المخاطر والفرص

إن عملية ” زئير الأسد ” ، التي بدأت في 2 مارس 2026 وانتهت ، على الأقل مؤقتا ، بوقف إطلاق نار في 16 أبريل 2026، تُعد فصلا إضافيا في الحرب المستمرة بين إسرائيل ومنظمة حزب الله المصنفة إرهابية ، لكنها هذه المرة تأتي في سياق إقليمي أوسع ، كجزء من حرب إيران 2026 . وقد تم التوصل إلى الاتفاق الأولي ، لمدة 10 أيام ، في نيسان / أبريل 2026 بوساطة أمريكية ، بهدف إتاحة أول مفاوضات مباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ عقود . وبالطبع ، فإن هذا الاتفاق هشّ ومليء بالتحفظات ويعكس المصالح المعقدة لجميع الأطراف .
من حرب اسناد غزة إلى حرب اسناد إيران
قبل نحو عامين ونصف اندلعت المواجهات على الجبهة الشمالية في 8 تشرين الاول / أكتوبر 2023، بعد يوم من مجزرة 7 أكتوبر (السيوف الحديدية) ، عندما انضم حزب الله كجزء من ” جبهة اسناد ” حماس وغزة . وقد تصاعدت المواجهات واستمرت لفترة طويلة ، وشملت أيضا دخولا بريا إلى جنوب لبنان .
ويُذكر أن اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه قبل نحو عامين ، في تشرين الثاني / نوفمبر 2024 ، استنادًا إلى القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن ، أدى إلى وقف مؤقت لإطلاق النار، وانسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي لم يُستكمل بالكامل ، وانتشار جزئي للجيش اللبناني في بعض مناطق جنوب لبنان ، مع التزام بنزع سلاح حزب الله وانسحابه حتى نهر الليطاني . إلا أن حزب الله لم ينزع سلاحه ولم ينسحب إلى شمال الليطاني كما نص الاتفاق.
وكأن ما تعرض له حزب الله من خسارة آلاف من مقاتليه وما تسبب به من دمار شبه كامل لجنوب لبنان لم يكن كافيا ، فقد عاد مؤخراً لفتح حرب جديدة ضد إسرائيل . وكانت الذريعة هذه المرة الانتقام لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي ، الذي قُتل في غارة جوية إسرائيلية .
وهكذا ، فهذه حرب اسناد جديدة ، ولكن هذه المرة دعما لإيران . ففي أواخر شباط / فبراير 2026 اندلعت حرب إيران ، حيث هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافا إيرانية ، بما في ذلك اغتيال خامنئي . ودخل حزب الله ، باعتباره وكيلا لإيران ، والذي تم تأسيسه وتمويله وتسليحه ودعمه من قبلها ، إلى ساحة المواجهة في 2 اذار / مارس 2026 ، مطلقاً 6 صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه إسرائيل . وكانت تلك المرة الأولى منذ تشرين الثاني / نوفمبر 2024 ، وذلك انتقاما لعملية الاغتيال .
وردّت إسرائيل بعملية جوية واسعة ، شملت ضربات في بيروت وسهل البقاع والجنوب ، إضافة إلى توغل بري في جنوب لبنان حتى بنت جبيل . وأعلنت إسرائيل أن أهدافها تتمثل في إنشاء ” منطقة أمنية عازلة ” ، وتدمير بني حزب الله التحتية ، والقضاء على قدراته العسكريةو.
أما حزب الله فلم يُخفِ دوافعه ، وادعى أن عمليته تأتي في إطار “الدفاع عن لبنان” والانتقام لاغتيال خامنئي ، وكذلك ردا على الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل خلال فترة وقف إطلاق النار الطويلة.
المطلب الإيراني بوقف إطلاق النار :
إن وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في لبنان جاء نتيجة ضغط مارسته إيران على الرئيس الأمريكي دونالد ترامب . فإيران تدرك جيدًا حجم الضرر الذي تسبب به حزب الله للبنان ، ولذلك تحركت بسرعة لإنقاذه . ومن هنا ربطت المفاوضات التي كانت تجريها مع ترامب بشأن الملف النووي ومضيق هرمز بوقف إطلاق النار في لبنان ، وبالفعل رضخ ترامب لهذا المطلب .
وفي الواقع ، أُعلن مجددا عن وقف لإطلاق النار ، وهذه المرة على شكل “وقف مؤقت للأعمال العدائية” ، الذي دخل حيّز التنفيذ في 16 نيسان / أبريل 2026 ، الساعة الخامسة مساءً بتوقيت الولايات المتحدة ، لمدة أولية تبلغ 10 أيام ، كبادرة حسن نية .
وقد أعلن الرئيس الأمريكي ذلك بعد أول محادثات مباشرة منذ عقود بين ممثلين عن إسرائيل ولبنان في واشنطن ( 14 نيسان / أبريل ) . وشمل الاتفاق:
• وقفًا متبادلًا للعمليات العسكرية.
• الالتزام بإجراء محادثات مباشرة حول تسوية أمنية دائمة ، والسيادة ، والحدود .
• الحفاظ على حق إسرائيل في الدفاع عن النفس .
• إمكانية تمديد وقف إطلاق النار إذا تقدمت المفاوضات بشكل إيجابي .
أما الحكومة اللبنانية الجديدة، برئاسة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام ، فقد بدأت العمل على إعادة إعمار لبنان بعد الانتخابات ، وتعهدت بتعزيز سيادة الدولة وحصر السلاح بيدها فقط.
لكنها سرعان ما وجدت نفسها بين المطرقة والسندان : ضغط داخلي من حزب الله من جهة ، وضغط دولي باتجاه التسوية من جهة أخرى .
ومن المهم الإشارة إلى أن اللبنانيين أبدوا ، بالفعل منذ بداية مارس / اذار ، أي بعد أسابيع قليلة من الحرب ، استعدادهم لإجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ، إلا أن إسرائيل لم تستجب لهذا العرض .
الدبلوماسية بدلًا من المدافع :
عُقدت المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان لأول مرة منذ أكثر من 40 عامًا، منذ فشل اتفاق 17 أيار/مايو 1983. وقد جرت المحادثات في الولايات المتحدة ، وانطلقت على خلفية حرب لبنان 2026 ، وكانت نتيجة ضغط أمريكي مكثف من إدارة دونالد ترامب ، التي رأت فيها وسيلة لتحقيق وقف إطلاق النار ودفع تسوية أمنية أوسع في منطقة الخليج .
ومن الجانب الإسرائيلي، شارك يحيئيل لايتر ، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة ، الذي ترأس الوفد الإسرائيلي في الاجتماع الذي انعقد في واشنطن . أما من الجانب اللبناني ، فشاركت ندى حمادة معوض ، سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ، التي ترأست الوفد اللبناني . وقد أُديرت المحادثات بوساطة ماركو روبيو ، وزير الخارجية الأمريكي، الذي استضاف الاجتماع في واشنطن .
وكانت أبرز القضايا التي نوقشت خلال المحادثات :
1 – نزع سلاح حزب الله:
وهو المطلب الإسرائيلي الرئيسي والأكثر تعقيدا . إذ تطالب إسرائيل بتفكيك كامل للقوة العسكرية التابعة لحزب الله جنوب نهر الليطاني ، بما في ذلك تدمير الصواريخ بعيدة المدى ومستودعات أسلحة التنظيم .
2 – ترسيم الحدود البرية وتنظيمها :
بما يشمل 13 نقطة خلافية على الحدود ، خاصة في منطقتي مزارع شبعا ورأس الناقورة.
3 – انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان :
إسرائيل مستعدة لانسحاب تدريجي فقط مقابل انتشار كامل للجيش اللبناني داخل “منطقة أمنية عازلة” تبقى خاضعة لإشراف دولي/أمريكي مؤقت .
4 – إعادة النازحين:
إعادة نحو مليون نازح لبناني من جنوب لبنان ، فرّوا مع بداية الحرب إلى بيروت وشمال لبنان .
5 – انتشار الجيش اللبناني وتعزيز السيادة :
تعهد لبنان بنشر ما بين 15 ألفًا و20 ألف جندي في الجنوب ومنع أي وجود لحزب الله في المنطقة.
6 – إقامة اتفاق سلام شامل:
وهو البند الأكثر طموحا، ويشمل إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وإنهاء حالة الحرب ، على غرار “اتفاقيات أبراهام” .
ما هي دوافع الأطراف ؟ :
لا شك أن إسرائيل وافقت على وقف إطلاق النار المؤقت وعلى بدء المفاوضات المباشرة مع لبنان نتيجة ضغط أمريكي مارسه عليها الرئيس دونالد ترامب .
فالرغبة داخل إسرائيل ، وخاصة لدى سكان الشمال ، تتمثل في إنهاء جولات القتال المتكررة مع حزب الله وهجماته ، والقضاء عليه نهائيا ، بما في ذلك التقدم حتى نهر الليطاني لمنعه من تنفيذ هجمات بالصواريخ المضادة للدروع ضد بلدات الشمال .
أما بالنسبة للبنان ، فقد كان اللبنانيون أول من طلب إجراء مفاوضات مباشرة . وكان هدفهم واضحاً : التوصل إلى وقف لإطلاق النار يضع حدا للقصف الإسرائيلي . فقد كان لمشاهد تدمير المباني في بيروت والتهديدات الإسرائيلية باستهداف منشآت استراتيجية أثرٌ كبير .
أما حزب الله ، فقد كان بحاجة إلى وقف إطلاق النار كما يحتاج الإنسان إلى الهواء . فبعدما أصبح تنظيما منهكا وضعيفا ، بينما كان العشرات من مقاتليه محاصرين في بنت جبيل ، شكّل وقف إطلاق النار بالنسبة له طوق نجاة حقيقي .
لكن ، وكما هي عادة إيران والتنظيمات المسلحة التابعة لها ، فإن الموقف العلني لحزب الله كان مختلفاو. فهو رسميا يعارض بشدة المحادثات المباشرة ولا يعترف بشرعيتها .
فعلى سبيل المثال ، وصف نعيم قاسم ، الأمين العام لحزب الله ، المفاوضات بأنها “استسلام مخزٍ” و”هدية مجانية لإسرائيل” . ودعا الحكومة اللبنانية إلى إلغاء المحادثات فورا ، محذرا من أنها “ستعمّق الانقسام اللبناني” .
ويزعم التنظيم أن وقف إطلاق النار يُعد “انتصارًا” له بفضل ” المقاومة ” ، وليس نتيجة للمفاوضات .
كما أعلن حزب الله أنه لن يلتزم بأي اتفاق لا يتضمن انسحابا كاملا وفوريا للجيش الإسرائيلي و”هدوءًا تاما ” على الحدود . وعلى أرض الواقع ، واصل التنظيم تنفيذ هجمات محدودة حتى في الأيام الأولى لوقف إطلاق النار ، مهددا بأنه “مستعد للعودة إلى الحرب في أي لحظة” .
المفاوضات المباشرة عام 1983 :
كما ذُكر، فإن المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل ليست أمرا جديدا . ففي السابق عُقدت سلسلة من اللقاءات بين الجانبين ، وتم التوصل إلى اتفاق تاريخي عُرف باسم “اتفاق 17 أيار” ، نسبة إلى تاريخ توقيعه .
وكان هذا الاتفاق ثمرة محادثات بدأت في 28 ديسمبر 1982 ، بمشاركة ووساطة الولايات المتحدة . ومنذ البداية كانت هناك خلافات عديدة بين الطرفين : فقد أصرّ لبنان على أن تأخذ المحادثات طابعا عسكريا لا سياسيا ، بينما أصرت إسرائيل على أن تكون سياسية .
كما أرادت إسرائيل أن تُعقد المحادثات في القدس بحضور وزيري خارجية البلدين ، في حين طالب لبنان بأن تكون على مستوى قادة الجيشة. كذلك طلب لبنان أن يستند الاتفاق المستقبلي إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الموقع في 23 اذار / مارس 1949 ، بينما طالبت إسرائيل بإلغاء ذلك الاتفاق وإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين ، أي التوصل إلى اتفاق سلام حقيقي شبيه بالاتفاق الذي وقعته مع مصر عام 1979 .
وأرسلت الإدارة الأمريكية إلى الشرق الأوسط مبعوثين لمتابعة المحادثات والمساعدة فيها : الوسيط فيليب حبيب ومساعده موريس درايبر . وبمساعدتهما تم التوصل إلى تسوية تقضي بأن تُعقد المحادثات بالتوازي في خلدة ، في أحد فنادق ضواحي جنوب بيروت ، وفي كريات شمونة ، بمشاركة مسؤولين كبار من وزارات الخارجية والدفاع والجيش .
وترأس الوفد اللبناني السفير أنطوان فتّال ، وهو خبير لبناني معروف عالميا في القانون الدولي، وضم الوفد القاضي أنطوان بارود ، والسفير إبراهيم خرما ، والجنرال عباس حمدان ، والمقدم سعيد كعكور ، والمقدم منير رحيم .
أما الوفد الإسرائيلي فترأسه دافيد كمحي ، المسؤول السابق في الموساد والمدير العام لوزارة الخارجية آنذاك ، وضم إليكيم روبنشتاين ، والسفير شموئيل ديفون ، وأفراشا تامير ، وقادة عسكريين آخرين .
وترأس موريس درايبر الوفد الأمريكي ، الذي ضم كريستوفر روس ومساعدين آخرين .
وكانت أبرز القضايا الملحّة التي نوقشت : إنهاء حالة الحرب بين الطرفين ، ووضع ترتيبات أمنيةو، وتنظيم العلاقات الثنائية ، وتقديم ضمانات متبادلة .
“اتفاق 17 أيار 1983” :
عُقدت عشرات جولات التفاوض بين الجانبين ، لكن الجولة الرابعة والثلاثين بين إسرائيل ولبنان أنهت المسار الصعب والمعقد الذي استمر نحو نصف عام . وفي نهاية المطاف تم توقيع اتفاق بين الدولتين .
وفي 17 ايار / مايو 1983 ، اجتمع ممثلو الأطراف الثلاثة ، الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان ، في أجواء احتفالية في خلدة ، ثم في كريات شمونة ، للتوقيع على الوثيقة التي كان يُفترض أن تحقق الأمن وتُظهر ملامح تطبيع في العلاقات بين لبنان وإسرائيل ، وأن تؤدي في نهاية المطاف، خلال ثلاثة أشهرة، إلى انسحاب إسرائيل من لبنان .
وحمل الاتفاق الجديد عنوان “اتفاق بين حكومة إسرائيل وحكومة الجمهورية اللبنانية” ، وقد أقرّته المؤسسات اللبنانية رسميا .
وفي الواقع ، عُقد الاجتماع الأخير ضمن إطار المفاوضات في 13 ايار / مايو، وفي 14 ايار / مايو أُبلغت الحكومة اللبنانية سرا بمضمون الاتفاق ، وفي 16 ايار / مايو عُرض الاتفاق على البرلمان اللبناني وتمت المصادقة عليه بأغلبية 80 نائبا .
وقد تم تمرير الاتفاق بسهولة نسبيا بفضل التعاون الاستثنائي بين رئيس البرلمان اللبناني كامل الأسعد والرئيس أمين الجميل . وتعرض الأسعد، وهو مسلم شيعي ، لانتقادات حادة بسبب هذا التعاون ، الذي أثار بلا شك غضب سوريا وبعض الأطراف الإسلامية في بيروت .
أما المعسكر المسيحي بأكمله ، الذي ضم شخصيات مثل بيار الجميل وكميل شمعون وإتيان صقر وفادي أفرام وغيرهم ، فقد دعم الاتفاق ورحب به .
كما رحبت صحيفة “العمل” التابعة لحزب الكتائب بالاتفاق “التاريخي” ، كما وصفته ، ووجهت انتقادات حادة للدول العربية بسبب عدم تقديمها الدعم الكافي للبنان .
وبالإضافة إلى مصادقة لبنان على الاتفاق ، فقد أقرّه أيضًا الكنيست الإسرائيلي بأغلبية كبيرة .
وكان الاتفاق في جوهره أقرب إلى اتفاق أمني منه إلى اتفاق سلام كامل ، وبالتالي شكّل نوعا من التسوية التي أتاحت توازنا دقيقا بين طموحات الطرفين وقيودهماو.
وقد عكست البنود السياسية في الاتفاق تغييرا جوهريا في طبيعة العلاقات بين إسرائيل ولبنان ، رغم أن هذه العلاقات لم تُوصف رسميا بأنها “سلام” ، كما لم ترد فيه كلمة “اعتراف” . ومع ذلك، فقد انتهت حالة الحرب بين إسرائيل ولبنان .
وشمل الاتفاق العناصر التالية :

  • الالتزام باحترام السيادة والاستقلال والحدود .
  • إعلانا مشتركا بإنهاء حالة الحرب .
  • التزاما بحظر الإرهاب والتحريض ومنعهما .
  • وسلسلة من الترتيبات الهادفة إلى تطبيع العلاقات المدنية والثقافية والاقتصادية بين البلدين .
    كما نص الاتفاق على ترتيبات أمنية في المنطقة الواقعة جنوب نهر الأولي ، والتي عُرفت باسم “المنطقة الأمنية” ، وتم الاتفاق على بذل جهود خاصة لمنع الإرهاب عبر لواءين من الجيش اللبناني :
  • “لواء إقليمي” يعمل من الحدود الدولية حتى نهر الزهراني ، ويُدمج فيه عناصر قوات الرائد حداد .
  • ولواء نظامي ينتشر من نهر الزهراني حتى نهر الليطانية.
    وكان من المفترض أن تتيح هذه الترتيبات الأمنية انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان بالتوازي مع خروج جميع القوات الأجنبية الأخرى ، أي القوات السورية و”العناصر المسلحة” التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية .
    لكن ” نقطة الضعف ” الأساسية في الاتفاق تمثلت في تجاهل المصالح السورية ، ومكانة النفوذ السوري في الساحة اللبنانية ، وتأثير سوريا القوي على نظام أمين الجميلة.
    وقد كانت هذه “الثغرة” السبب الرئيسي في خضوع أمين الجميل للضغوط السورية الشديدة ، إذ رفض في نهاية المطاف التصديق النهائي على الاتفاق .
    وفي 5 اذار / مارس 1984 أعلنت الحكومة اللبنانية ، من جانب واحد، إلغاء الاتفاق، وذلك بعد عشرة أشهر فقط من توقيعه .
    وهكذا وجد الجيش الإسرائيلي نفسه “عالقًا” في لبنان ، في ظل تصاعد الضغوط والهجمات المسلحة التي جرت بتشجيع سوري ، ومن دون وجود اتفاق سياسي يرافق إنهاء الحرب .
    الخلاصة والاستنتاجات :
    منذ عام 1975، خضع لبنان لإملاءات قوى أجنبية على أراضيه . ففي البداية كان ذلك من قبل ياسر عرفات والفصائل الفلسطينية ، ثم من قبل سوريا التي سيطرت على معظم الأراضي اللبنانية ، وفي العقود الأخيرة أصبح لبنان خاضعا لسيطرة حزب الله الذي يتلقى أوامره من إيران .
    لذلك ، ليس واضحا ما إذا كان اللبنانيون اليوم قادرين على اتخاذ قرارات مصيرية مثل نزع سلاح حزب الله أو توقيع اتفاق مع إسرائيلة، حتى لو كان مجرد اتفاق أمني ، فضلا عن الحديث عن تطبيع أو سلام على غرار “اتفاقيات أبراهام” .
    ومن الجانب الإسرائيلي ، سمعنا خطاب رئيس الوزراء الذي أعلن عن بدء المفاوضات ، بل وتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام شبيه باتفاقيات أبراهام . أما من الجانب اللبناني، فقد سمعنا خطاب رئيس لبنان في 17 نيسان / أبريل ، الذي تحدث عن اتفاق وقف إطلاق النار وعن انسحاب إسرائيلي . وهنا تحديدا تكمن الفجوة في الرؤى بين الطرفين .
    ومهما يكن ، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي فُرض على إسرائيل من قبل دونالد ترامب يشكل «
    “نقطة الدخول” إلى محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان . فقد ربط الإيرانيون مصير وكلائهم بمصيرهم في الحرب مع الولايات المتحدة .
    والاتفاق لا يزال هشا، وحتى الآن لا يوجد حديث عن انسحاب فعلي . فإسرائيل ما زالت تحتفظ بمواقع ونقاط عسكرية في جنوب لبنان، وفي المقابل لم يتم نزع سلاح حزب الله ولم يستسلم.
    بل إن التقديرات تشير إلى أن الحزب سيعيد التسلح مجددا، وسيحصل على أسلحة وصواريخ جديدة ، وسيزداد قوة خلال فترة وقف إطلاق النار ، كما فعل في السابق.
    كما أن التوتر الداخلي في لبنان ، بين مؤيدي حزب الله ومعارضيه ، قد ينفجر في أي لحظة . أما مصير مئات آلاف النازحين فما زال غير محسوم ، وقد بدأ بعضهم بالفعل بالعودة إلى الجنوب رغم تحذيرات الجيش الإسرائيلي من القيام بذلك .
    وإذا نجحت المفاوضات، فقد تؤدي إلى تسوية تاريخية بين إسرائيل ولبنان . أما إذا فشلت، فمن المرجح أن يشهد الوضع تصعيدا جديدا قد يصل حتى نهر الليطاني.
    وتؤكد حرب لبنان الأخيرة مرة أخرى أن التهديد القادم من حزب الله لا يختفي بمجرد إعلان وقف إطلاق النار ، بل يتطلب إجراءات أمنية صارمة تشمل نزعا حقيقيا لسلاح حزب الله، ودعما دوليا ، وسيادة لبنانية فعليةو.
    وفي الوقت الراهن، تمنح الهدنة بصيص أمل صغير، لكن الواقع على الأرض هو الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة.

المصدر: معهد الاستراتيجيات الكبرى لاسرائيل

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *