نتنياهو وحرب الانتخابات المشتهاة

على خلفية طائرة عسكرية في القاعدة الجوية تل نوف، تحدث نتنياهو يوم 29\9عن امرين؛ الأول بأن “الإنجازات العظيمة” التي حققها الجيش في غزة لا تعني انهاء المهام؛ والثاني هو قوله بصدد وجود مؤشرات “أن أعداءنا سيحاولون مهاجمتنا قبيل الانتخابات” ليتبعها بالتهديد والوعيد.

ينجح نتنياهو في الانتقال بجدول الاعمال الإسرائيلي الانتخابي من قضية الى قضية وبشكل متسارع، فيوم يلتقي رئيس دولة الامارات العربية المتحدة في زيارة يسبغها بالطابع الأمني الطارئ إقليميا ويعلن عنها علنا خلال تواجده في مطار تبوك. 

 وينشر تحذيرات من قائد الأركان الليبي مفادها وجود معلومات بصدد مهاجمة إسرائيل عشية يوم الانتخابات، وفقا لمكتب رئيس الوزراء. في حين ان الزيارة تمت بالتزامن مع الفضيحة التي يواجهها نتنياهو بصدد تحذيرات إماراتية له قبل السابع من الكتوبر 2023 ودون ان يقوم باطلاع المستوى العسكري عليها.

بعد ذلك بيوم زار نتنياهو قاعدة تل نوف الجنوبية وأطلق منها تصريحاته الانفة الذكر. وفقا للقانون الإسرائيلي المتعلق بالانتخابات لا يجوز لأي مسؤول ان يستخدم مشهد مرافق عامة أمنية ويقوم بتجييرها لصالح معركته الانتخابية مما دفع ايزنكوت وحزبه الى رفع شكوى الى رئيس لجنة الانتخابات المركزية لحظر دعاية نتنياهو في هذا الصدد.  فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود براك للقناة 12 يوم 29\9 بأن نتنياهو يعدّ الذهنية الإسرائيلية في هذا السياق، ومن المتوقع أيام قبل الانتخابات ان يقوم باستخدام ذريعة أمنية لإشعال نار الحرب في غزة او لبنان او الضفة الغربية، وبأن روايته هذه فيها اعداد مسبق لما قد يقوم به عشية الانتخابات ان شعر بخسارته. من اللافت أن ايهود براك يحذر منذ أكثر من عام وبشكل متواصل من احتمالية قيام نتنياهو بافتعال حالة حربي لتأجيل الانتخابات والبقاء في الحكم.

لماذا هذه المشهدية؟

تشكل الانتخابات الحالية نقطة مفصلية في حياة نتنياهو السياسية، وهو لا يزال على قناعة بأن مصير إسرائيل سيكون مختلفا من دونه وبأنه الوحيد القادر على قيادتها وإدارة حروبها ووضعيتها الدولية وحصراً مقابل الولايات المتحدة. ومع ذلك يشير سلوكه السياسي الى ادراكه بأنه في المرحلة الأخيرة من حياته السياسية، وعليه فإنه منشغل في كيفية مغادرته للحياة السياسية وما هو ميراثه السياسي وكيف سيترك دون اغلاق ملفاته القضائية ومن دون وصمة إخفاق السابع من أكتوبر 2023. وهو ما يعكسه إصراره على الحرب المستدامة واستبعاد الحلول السياسية لصالح تسويات أمنية على حافة الانفجار وتتيح استخدامها سياسياً لصالحه.

في المقابل فإن إسرائيل عشية السابع من أكتوبر لا تزال تعيش ثلاث سنوات من الإخفاق والحرب متعددة الجبهات، فيما ينشغل الراي العام الإسرائيلي راهناً بما يطلق عليه الاعلام فضيحة عدم الاكتراث بالرسائل الاستخباراتية الإماراتية في العام 2023 واسابيع قبل وقوع الإخفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل، والتي لم ينقلها الى المستوى الأمني، لتعود وتتسع في السابع من أكتوبر المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق رسمية يرفضها نتنياهو وائتلافه مقابل استخلاص العرب والتنحي من قادة الأجهزة الأمنية. فعليا فإن السيطرة من قبل نتنياهو على جدول الاعمال الإسرائيلي تمنحه القدرة على المناورة السياسية مقابل المطالبة الشعبية.

في هذا الصدد يندرج تحذيره وهو يزور قاعدة تل نوف الجوية من احتمالية ان يقوم أعداء إسرائيل بشن حرب عليها عشية الانتخابات، وهو تحذير أثار حفيظة قادة المعارضة الذين شكّكوا في مدى صدقية تصريحات نتنياهو، وحصريا لكون الجيش لم يقم بأي تحرّك يشير الى تقديرات بهجوم محتمل على إسرائيل.

تأتي حادثة طائرة “فلاي دبي” المتجهة الى تل ابيب والتي يكتنف الغموض ما حصل فيها، وقد سارعت حكومة نتنياهو الى الترويج لاحتمالية عملية، بينما لا يؤكد هذه الرواية أي مصدر اماراتي او خليجي بعد هبوط اضطراري في مطار تبّوك السعودي فيما الركاب جميعا سالمين. اختطفت الحادثة الأضواء وجدول الاعمال الإسرائيلي، فيما ينحو المستوى الأمني نحو الشك في اعتبارها حدثاً أمنياً ومسعى من أحد الطيارين (العُماني والاماراتي) اختطافها وتفجيرها في الجو، وفقا للرواية الإسرائيلية المشكِّكَة.

فعليا، وفي حال اتضح انه كانت محاولة لعملية من هذا القبيل، فإنها ستصبّ سياسياً بالمطلق في صالح نتنياهو وائتلاف أقصى اليمين، اذ ستؤكد على صدقية تحذيرات نتنياهو في أعين الإسرائيليين، وتشكل ضربة للمعارضة التي شككت في اقوال رئيس الوزراء. كما يتيح الامر لإسرائيل المطالبة بتعزيز التنسيق الأمني مع الامارات ودول خليجية أخرى وسيطرة الامن الإسرائيلي على تفتيش الركاب المتجهين الى تل ابيب.

في الخلاصة؛ لا تزال الحملة الانتخابية الإسرائيلية في طور التصعيد بين القوى المتنافسة فيما يبدو أن نتنياهو يتحكم، أيضا بحكم موقعه الوزاري، بجدول اعمال الرأي العام وبما يخدم أجندته وتجاوز مناسبة حلول السابع من أكتوبر. وفي حال صدقت تقديرات نتنياهو يكون فعليا في انذاره وتحذيراته من هجوم معادٍ على إسرائيل عشية الانتخابات بمثابة نوع من إعفائه لذاته من مسؤولية اخفاق 7 أكتوبر 2023، وتأكيدا على روايته بأن المستوى الأمني كان المسؤول. كما سيتيح انشغال الراي العام الإسرائيلي نحو قضية طائرة فلاي دبي في حال ثبتت تكهنات نتنياهو ما يعزز من شعبيته ويتجاوز الاهفاق الأكبر في تاريخ إسرائيل.

التحقيقات الإماراتية والإسرائيلية والسعودية والتي لم تكتمل بعد، بصدد طبيعة حادثة الطائرة، قد تكون مصيرية سياسيا وتحسم الانتخابات في إسرائيل.

عن مركز تقدّم للسياسات

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *