ملاحظات حول فكرة الشطب الذاتي لمرشحينا في الكنيست

نوقشت في الأيام الأخيرة فكرة أن يسحب سامي أبو شحادة، رئيس التجمع الوطني الديمقراطي والمرشح الثالث في القائمة المشتركة، ترشيحه طوعًا من قائمة المرشحين، وذلك تجنبًا لشطبه بقرار من المحكمة العليا في إسرائيل.

ويبدو أن قرار الشطب هو الاحتمال الأرجح، في ظل الأجواء اليمينية الفاشية السائدة في إسرائيل، وتركيبة المحكمة العليا وعدم قدرتها على تجاوز الإجماع الصهيوني بمختلف مركباته، كما تكشّف أيضًا في توصية لجنة الانتخابات بشطب ترشيح أبو شحادة.

وتهدف فكرة الانسحاب، سياسيًا، إلى تجنب تحويل قرار المحكمة إلى سابقة قانونية يصعب تجاوزها مستقبلًا، وإلى الحفاظ على مكانة أبو شحادة السياسية المستقبلية، وتفادي ما قد تحمله السابقة من مخاطر على التمثيل السياسي العربي.

وقد نوقشت الفكرة بشيء من التوسع في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالأساس من قبل معارضيها، الذين قدموا حججًا مهمة في توضيح مخاطرها، خاصة في المقال المهم الذي نشرته هيئة تحرير موقع “عرب 48”. ولم تحظَ الفكرة، على حد علمي، بمقالات تدافع عنها. إلا أن النقاش نفسه يثير عددًا من الأسئلة. وما أريد أن أتساءل عنه هنا هو المزاج العام الذي شكّل حاضنة لهذا النقاش أصلًا، بصرف النظر عمن طرح الفكرة أو عارضها، علمًا بأن لي موقفًا واضحًا منها.

لماذا أثارت هذه الفكرة نقاشًا أصلًا، رغم الحجج القوية ضدها، والتي لن أكررها في هذه العجالة؟ ربما كان لدى معارضي الفكرة، ومنهم كاتب هذه السطور، خشية من أن تكون بعض الأوساط متقبلة لفكرة الشطب الذاتي بوصفها انسحابًا من ضرورة المواجهة مع ما يمثله المجتمع الإسرائيلي الإبادي ومحكمته العليا، بصرف النظر عن نوايا أصحاب الفكرة. وبالمقارنة مع الأجواء التي سادت عندما ناقشت المحكمة العليا شطب التجمع الوطني الديمقراطي ورئيسه عزمي بشارة، مثلًا، في بداية الألفية، لم تكن هناك تساؤلات جدية آنذاك حول ضرورة خوض المواجهة القضائية والفكرية والسياسية، والعمل على تجنيد أوساط دولية، صحفية وبرلمانية وأكاديمية، حتى وإن كانت الإمكانيات المتاحة متواضعة.

لماذا لم يصبح السؤال المركزي اليوم: كيف نواجه محاولة شطب تمثيل الفكر السياسي الديمقراطي الذي يحمله الفلسطيني ولا يحمله الصهيوني؟ لماذا لا يصبح السؤال: كيف نعمل على الساحة الدولية، بدل اللهاث وراء أكاديميين صهيونيين يدافعون عن حق أبو شحادة في التمثيل بشرط بقائه ضمن إطار “الدولة اليهودية والديمقراطية”، مثل باراك مدينا مثلًا؟ ولماذا نحصر المواجهة في المحكمة العليا، بعد أن اتضحت معالم (عدم) عدلها؟ وماذا عن تدويل القضية، الذي يستطيع خبراؤنا القانونيون والسياسيون العمل عليه؟ ولماذا لا نناقش دور لجنة المتابعة في هذه المواجهة؟ كيف تقلصت مساحة النقاش إلى المفاضلة بين الشطب الطوعي والشطب القضائي؟ ولماذا لا يدور النقاش، بدلًا من ذلك، حول إحياء لجنة المتابعة ودورها، ودورنا جميعًا في إعادة بنائها ودعمها ماديًا وسياسيًا، لتكون قوة تقف إلى جانب العمل السياسي الديمقراطي؟

من مخاطر عدم المواجهة، التي لم تحظَ بما يكفي من النقاش، خطر تعزيز الرقابة الذاتية على القول والسلوك؛ أي أن نستبطن نحن أنفسنا حدود ما تسمح به السلطة، فنراقب أقوالنا وأفعالنا وخيالنا مسبقًا

كانت إسرائيل، وأصبحت اليوم أكثر وضوحًا، ديمقراطية أسياد. فالسيد الصهيوني، يمينًا ويسارًا، لا يعمل فقط على تحديد مساحة العمل السياسي المتاحة للفلسطيني، بل يسعى أيضًا إلى تحديد حدود الخيال السياسي الديمقراطي والإنساني الذي أدخله إلى الساحة التجمع الوطني الديمقراطي برئيسه ومثقفيه وسياسييه، ومن تبنّى أفكارهم لاحقًا من الأحزاب العربية الأخرى. وحتى السيد الصهيوني “اليساري” الذي يريد أن يدافع عن سامي أبو شحادة يشترط أن تبقى مواطنته محكومة بسقف الدولة الصهيونية، أي “اليهودية والديمقراطية”.

وتكمن في الحجة التي تحذر من خطورة السابقة القانونية وتدعو أبو شحادة إلى الانسحاب فرضية ضمنية مفادها أن إسرائيل قد تتحسن مستقبلًا، وقد تنتج محكمة عليا مختلفة وأكثر تفهمًا للفكر الديمقراطي. لكن إسرائيل لن تتحسن ما لم تواجه حقيقتها الإبادية. وقد تكون السابقة الأخطر، بدلًا من قرار المحكمة نفسه، أن يشطب أبو شحادة نفسه، وأن يتعلم آخرون في المستقبل أن يشطبوا أنفسهم أيضًا. ومن المفارقة أن القوى السياسية الوحيدة القادرة، ولو باحتمالات ضئيلة، على الدفع في اتجاه مواجهة إسرائيل بحقيقتها الإبادية هي القوى العربية الديمقراطية، بمؤازرة قوى محلية وعالمية غير صهيونية، وليس من خلال الارتهان للتعاون مع قوى صهيونية.

ومن مخاطر عدم المواجهة، التي لم تحظَ بما يكفي من النقاش، خطر تعزيز الرقابة الذاتية على القول والسلوك؛ أي أن نستبطن نحن أنفسنا حدود ما تسمح به السلطة، فنراقب أقوالنا وأفعالنا وخيالنا مسبقًا، ونتجنب ما نتوقع أنها ستعاقبنا عليه بالشطب أو بغيره. وهذه هي، في جوهرها، آلية “البانوبتيكون”: أن تتحول رقابة السلطة الخارجية إلى رقابة يمارسها الخاضع للسلطة على نفسه، وهي ما عملت سلطات إسرائيل المختلفة على جعلنا نستدخله. وكانت، ولا تزال، إحدى وظائف القيادات الوطنية، السياسية والفكرية، مقاومة هذا الاستبطان، وممارسة التربية السياسية على التحدي والكرامة الوطنية. وليس من قبيل الصدفة أن التجمع شدد، ولا يزال يشدد، على الكرامة الوطنية التي تستدعي المواجهة السياسية والفكرية والديمقراطية والقضائية.

ومن هنا، لا مناص من أن يواجه التجمع وسامي أبو شحادة قرار الشطب، بوقفة شعبية مؤيدة، وبمواجهة سياسية وقضائية وفكرية، وبالعمل على تدويل القضية، وبالتفكير الجماعي منذ الآن في السؤال الأهم: ما العمل بعد الشطب؟

عن عرب48

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *