النكبة في ثلاث مشاهد

في ذكرى النكبة سأحدثكم عن خالي الذي اسمه محمود

كان لقبه “الشحرور”

سأحدثكم عمّا روته لي أخته حليمة ( والتي أصبحت أمي فيما بعد والتي تعيش الآن منفاها الثاني أو الثالث بعيداً عن الطنطورة و عن اليرموك). حين عاشت تفاصيلها عبر تتداخل الذكريات الهشة مع بنى واقعية أضيفت لاحقاً لتعزز الرواية.

خالي هذا كان شخصية طريفة و مربكة بآن معاً، فهو ليس بكر أبيه من الذكور و ليس أصغرهم، وربما هذا سبب الإرباك الذي حمله معه ولازمه طيلة حياته.

مشهد 1)

تقول حليمة، أنه بعد سقوط الطنطورة و احتلالها من قبل العصابات الصهيونية تم تجميع أهالي القرية على شط البحر و فصلت النساء عن الرجال و الفتيان، وكان جدي مرشد أبو ماضي و ابنه البكر محمد علي من عداد الرجال الذين كان مقدراً إعدامهم ميدانياً يومذاك، لم ينتبهوا لمحمود لأنه كان مازال فتىً يافعاً في الخامسة عشر من عمر،….

المهم، تدخل مختار “زمارين” و بعض اليهود من موشاف معيان ميخائيل:” شلومو سكّر” و “موسى الطنطوري”  الذين “تشفعوا” للرجال ” ع أساس بينهم خبز وملح وشغل” وتم اقتيادهم إلى “أم خالد” ليبقوا في الأسر هناك.، أما بقية أهل البلدة فتم ترحيلهم قسراً إلى بلدة “الفريديس” المجاورة، ومعهم كانت ستي حلوة فرحات و ابنتيها عائشة وحليمة و ابنيها محمود، وأحمد ( توفي أحمد قبل اشهر قليلة في منفاه في تركيا).

بعد عدة أيام طلبت ستي حلوة من محمود أن يذهب إلى الطنطورة ليحضر لها بعض الأشياء، ويأتيها بمصاغها من هناك لتصرفه في هذه المحنة، طبعاً لم يعثر محمود على شيء ، كانت البلدة مليئة باليهود، وهم -على حد قوله- يهوداً يختلفون عن اليهود الذي يعرفهم، فهؤلاء لم يكونوا يتكلموا العربية، فضلاً عن أنه نسي أين طمر ذهب حلوة، وهكذا عاد محمود إلى الفريديس بلا ولاشي.

مشهد 2)

انتقل أهل الطنطورة بعد ذلك إلى الخليل، وأسكنوا في المسكوبية، وذات يوم طلبت حلوة من محمود أن يأخذ حليمة ذات الأعوام الخمس إلى المدينة ليشتري لها حذاء، كانت حليمة طفلة شقراء، ممتلئة، وشقية، حتى أن أبيها  أطلق عليها لقب “حنا عصفور” على اسم محامي مشهور في حيفا لطلاقة لسانها وحدتها وعنادها، وطبعاً هذه الصفات لا تتناسب مع نزق الشحرور، لكنه قبل طلب حلوة على مضض، إذ لا كبير غيره الآن للعائلة. وصل محمود وحليمة إلى وسط مدينة الخليل، وهناك، وأمام أحد المحلات شاهدت حليمة “كندرة” حمراء لامعة ،ذات إبزيم فضي عريض لامع أيضاً ( تقسم حليمة أن الكندرة كانت حمراء لامعة ذات إبزيم فضي عريض، ومن يسمعها وهي تصفها يظن أنها رأتها بالأمس فقط وليس قبل سبعين أو يزيد ). طلبت حليمة من أخيها أن يشتري لها تلك الكندرة الحمراء اللامعة، لكنها كانت غالية نوعاً ما، فاقترب منه صاحب المحل وقال له سأعطيك حذاء جديد لك وبعض المال لو أعطيتني أختك، فانتفض الفتى، وخطف وضم حليمة بين ذراعيه كن يريد أن يخطفها وهرب بها بعيداً عن المحل، وبدأ يشتم صاحبه ثم ولى هارباً مع حليمة إلى المسكوبية، دون أن ينظر خلفه ظناً منه أن أحداً يطارده..

مشهد 3)

انتقلت العائلة مع أهل البلد إلى سوريا في خريف العام 1949، ومازال رجالهم و شبابهم في الأسر عند اليهود، واستقروا في قلعة “بصرى أسكي شام”، وبدؤوا العمل في المقالع والمحاجر القريبة، وكانت حليمة و أختها الكبرى عائشة تتسولان من البيوت، علّهم يحصلون على ما يسد قوتهم، ونظراً لأن حليمة كانت “كثيرة غلبة” فقد كانت تطلب منها عائشة أن لا تتكلم ” حتى لا تفضحهم”، كما كانت تطلب منها أن تدعي أنها خرساء وكما  كانت تقول عائشة كان هذا حلاً  وجيهاً كي  “تشفق الناس علينا  أكثر”.. وفي وقت البرد الشديد والثلج كان محمود يتبعهما، وما إن تراه حليمة الصغيرة حتى تلقي بنفسها على الأرض من شدة التعب، على حد زعمها، فيضطر محمود أن يحملها على ظهره، ويتابع سيره إلى القلعة الرومانية برفقة عائشة.

في ذلك العام، خرج الرجال من الأسر والتحقوا بعوائلهم، ثم انتقلوا إلى الشام، وسكنت العائلة في جوبر (لم يكن اليرموك قد بني بعد).

عاش محمود مراهقته، وفتوته الأولى في جوبر ثم تزوج، وانتقل إلى المخيم، وبعد النكسة بقليل سافر إلى ليبيا مثل كثيرين غيره للعمل وأمضى أزهى سنوات عمره في ليبيا وحيداً دون أسرته، ” كان يعود لدمشق بين فترة و أخرى”..

مات خالي محمود، قبل عام من الآن في دمشق الشام، في ذكرى النكبة.

هذا فصل مختصر من حياة محمود مرشد أبو ماضي اللاجئ الفلسطيني الذي سوف يرقد هناك، قرب أبيه مرشد و أخيه محمد اللذان سبقاه و غادرا حياتنا

ماتوا ، ولكن هناك ثمة من يحفظ حكايتهم

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *