لو طُرح هذا الواقع بجدية داخل مؤتمر فتح… كيف كانت ستبدو المخرجات؟

في الضفة الغربية حيث جرت اعمال المؤتمر الثامن لحركة فتح يسود واقع اصبح فيه
الإرهاب الاستيطاني الصهيوني سياسة يومية ممنهجة ، تُمارَس علناً وتحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي ، وبدعم من الحكومة ، بهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية ، والاستيلاء على الارض بالقوة والتخويف والاقتلاع التدريجي . أكثر من خمسة آلاف اعتداء نفذها ارهابيون مستوطنون خلال أقل من ثلاث سنوات ، عشرات الشهداء ، آلاف الجرحى ، آلاف المهجرين ، عشرات التجمعات السكانية الفلسطينية التي أُفرغت بالكامل من سكانها ، وعشرات آلاف الأشجار التي اقتُلعت أو أُحرقت ، كل ذلك لا يعكس “ارهاب مستوطنين متطرفين” فقط بل يكشف عن مشروع متكامل يسعى إلى جعل الحياة الفلسطينية مستحيلة تمهيداً لإفراغ الأرض من أصحابها . الأخطر أن هذه الجرائم لم تعد تُرتكب في الظل ، بل أصبحت جزءا من مشهد اعتيادي يتعايش معه العالم بصمت بارد ، فيما تتحول القرى الفلسطينية إلى خطوط مواجهة يومية مع عصابات مستوطنين ارهابيين مدعومة سياسياً وأمنياً، تعمل على فرض وقائع جديدة بالقوة ، بينما يُترك الفلسطيني وحيداً يدافع عن بيته وشجرته وحقه في البقاء على أرض وطنه .
لو دخل المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني ” فتح ” أعماله وهو يضع أمامه فعلا هذا المشهد الدموي في الضفة الغربية ، ناهيك عن حرب الابادة في غزة ، باعتباره الخطر المركزي على القضية الفلسطينية ، لكان من الممكن أن نشهد مؤتمراً مختلفاً تماماً في اللغة والنتائج والأولويات .
حينها، ربما لم تكن النقاشات ستدور حول الأسماء والمقاعد والتوازنات الداخلية بقدر ما كانت ستتمحور حول سؤال واحد : كيف نمنع اقتلاع الفلسطيني من أرضه ؟
كان يمكن للمؤتمر أن يتحول من مناسبة تنظيمية إلى حالة تعبئة وطنية شاملة ، وأن يخرج بوثيقة سياسية جديدة تعتبر أن المعركة الأساسية اليوم ليست فقط على “إدارة السلطة” ، بل على حماية الوجود الفلسطيني نفسه في الضفة الغربية ، في مواجهة مشروع استيطاني انتقل من التوسع إلى الطرد الفعلي والتهجير المنهجي للسكان أصحاب الارض .
في مثل هذا السيناريو ، كان من الممكن أن تصدر عن المؤتمر قرارات من نوع مختلف، مثل:
- إعلان حالة استنفار وطني لحماية القرى والتجمعات المستهدفة.
- إعادة تعريف وظيفة الحركة باعتبارها حركة تحرر قبل أن تكون سلطة أو مؤسسة إدارية.
- تشكيل لجان ميدانية دائمة لدعم صمود المناطق المهددة بالمصادرة والتهجير.
- إطلاق خطة اقتصادية وتنظيمية لإسناد الأغوار والبلدات والتجمعات البدوية .
- إعادة بناء العلاقة مع الشارع الفلسطيني على أساس الشراكة في المواجهة لا الإدارة البيروقراطية.
- تحويل ملف جرائم المستوطنين إلى معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية يومية أمام العالم.
بل ربما كان المؤتمر سيضطر أيضاً إلى مراجعة كثير من المسلمات السياسية التي حكمت المرحلة السابقة ، وعلى رأسها السؤال الصعب : هل ما يزال ممكناً التعامل مع ما يجري باعتباره ” عملية سلام متعثرة ” ، أم أننا أمام مشروع ضم وتهجير مفتوح ؟
ولو طُرحت هذه الأسئلة بعمق ، لكان من الطبيعي أن تنعكس حتى على شكل القيادة المنتخبة نفسها ، بحيث ترتفع أسهم الشخصيات المرتبطة بالميدان والاشتباك الشعبي والرمزية الوطنية، لا فقط التوازنات التنظيمية التقليدية.
وربما لهذا السبب تحديداً برز الحضور الرمزي القوي لأسماء مثل مروان البرغوثي وزكريا الزبيدي في المزاج الفتحاوي العام ، لأن جزءاً واسعاً من القاعدة يشعر أن المرحلة لم تعد تحتمل خطاباً سياسياً باردا ، بينما الأرض تُقتلع يوميا تحت أقدام الفلسطينيين .
لكن المشكلة الأعمق ليست فقط فيما ناقشه المؤتمر أو لم يناقشه ، بل في الفجوة القائمة بين حجم الخطر الذي يواجهه شعبنا الفلسطيني ، وبين طبيعة الأدوات السياسية والتنظيمية المستخدمة لمواجهته.
فالاستيطان اليوم لا يعمل بعقلية إدارة نزاع ، بل بعقلية حسم تاريخي . بينما ما تزال الحياة السياسية الفلسطينية تتحرك أحياناً بإيقاع داخلي أبطأ بكثير من التحولات الجارية على الأرض .
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي بعد المؤتمر ليس فقط : من فاز ومن خسر ؟
بل: هل نجحت الحركة في إنتاج رؤية بحجم اللحظة الفلسطينية الحالية ؟ وهل تشعر القرى المحاصرة والمهددة بالمحو أن هناك قيادة تعيش معركتها فعلاً ، أم أن الفجوة بين الميدان والسياسة ما تزال تتسع؟
واضح بأنه في لحظةٍ تتعرض فيها الضفة الغربية لأوسع عملية استنزاف وتهجير صامت منذ سنوات، كان يفترض أن يشكل انعقاد مؤتمر محطة مراجعة وطنية كبرى، لا مجرد استحقاق تنظيمي داخلي. فالأرض التي تُقتلع يومياً تحت أقدام أصحابها، والقرى التي تُحاصر بالخوف والعنف، والناس الذين يدافعون وحدهم عن بيوتهم وحقولهم ، لا ينتظرون بيانات تهنئة ولا سجالات حول المواقع، بل ينتظرون مشروعاً وطنياً يشعرهم أن هناك من يرى ما يحدث ويستعد لمواجهته. لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي سيبقى بعد انتهاء المؤتمر ليس من صعد ومن تراجع، بل: هل استطاعت الحركة أن ترتقي إلى مستوى الخطر الذي يهدد فلسطين اليوم؟ وهل نجحت في استعادة روحها الأولى كحركة وُلدت للدفاع عن الإنسان والأرض والهوية، أم أن الوقائع على الأرض باتت تتحرك أسرع من قدرة السياسة الفلسطينية على إدراكها ومواجهتها؟