“لا تخافوا منهم ” : حين تصبح تربية الطفل فعل مقاومة

هناك كلمات تُقال في لحظة عابرة ، ثم تمضي . وهناك كلمات تولد من قلب الخوف فتتحول إلى شهادة ، ومن قلب الألم فتتحول إلى مقاومة . ولعل صرخة الأب الفلسطيني في وجه أطفاله : ” لا تخافوا منهم ، من جنود الاحتلال ، وخافوا من ربنا ” ، واحدة من تلك الكلمات التي تختصر في لحظات قليلة حكاية شعب بأكمله .
هذه ليست ، مجرد محاولة لتهدئة أطفال مذعورين . إنها قبل كل شيء صرخة صمود فلسطينية في وجه التغول الاحتلالي ، صرخة أب يدرك أن الاحتلال لا يكتفي بالسيطرة على الأرض ، وإنما يسعى أيضا إلى زرع الخوف في الإنسان ، حتى يصبح الخوف جزءا من تربيته ووعيه وذاكرته .
وهنا تبدأ مسؤوليتنا الكبرى : ماذا نزرع في نفوس أطفالنا ؟
هل نزرع فيهم الخوف حتى يكبروا وهم يرون المحتل قوة لا تُرد ؟ أم نزرع فيهم الانتماء إلى الأرض ، والاعتزاز بالهوية ، والتمسك بالكرامة ، والإيمان بأن الوطن ليس مكانا نسكنه فحسب ، بل ذاكرة وحق ومسؤولية ؟
إن الطفل الذي يتعلم أن يخاف من البندقية أكثر مما يؤمن بإنسانيته ، يكبر وهو يحمل الهزيمة في داخله . أما الطفل الذي يتعلم أن الاحتلال ، مهما امتلك من قوة ، لا يستطيع أن ينتزع منه اسمه وذاكرته ولغته وانتماءه ، فإنه يحمل في داخله بذرة الصمود . وهنا تكمن المقاومة الوطنية الحقيقية في أحد أعمق معانيها : أن تمنع الاحتلال من احتلال الوعي .فالمحتل يستطيع أن يهدم بيتا ، لكنه لا ينبغي أن يهدم معنى البيت في وجدان الطفل . يستطيع أن يغلق طريقا ، لكنه لا ينبغي أن يغلق طريق الذاكرة . يستطيع أن يفرض حاجزا على الأرض ، لكنه لا ينبغي أن يقيم حاجزاً في عقل الجيل الجديد بينه وبين وطنه .

ومن هنا فإن تربية أطفالنا على حب فلسطين ليست مجرد ترديد للشعارات . إنها مسؤولية وطنية تبدأ من الأسرة والمدرسة والكتاب والحكاية والصورة واللغة .
أن يعرف الطفل اسم قريته ومدينته . أن يعرف تاريخ أرضه . أن يسمع حكايات أجداده . أن يتعلم احترام الإنسان والتمسك بالحق . أن يفهم أن فلسطين ليست خبرا عابراً في نشرة الأخبار ، بل وطنا له ذاكرة وشعب وتاريخ . وأن يدرك أن الدفاع عن الوطن لا يكون فقط في ساحات المواجهة ، بل أيضا بحفظ الهوية ، والعلم ، والثقافة ، واللغة ، والذاكرة، والتكافل ، والإصرار على الحياة .لذلك تبدو عبارة ” لا تخافوا منهم ” شديدة العمق . الأب لا يقول لأطفاله إن الجنود غير قادرين على إيذائهم ، فهو يعرف حجم الخطر أكثر من أي أحد . لكنه يحاول أن يمنع شيئا أخطر : أن يتحول الجندي الصهيوني من شخص يقف أمام الطفل إلى صورة تسكن داخل الطفل .
إنه يريد أن يقول لهم : لا تمنحوا المحتل انتصارا إضافيا . لا تسمحوا له بأن يأخذ الأرض ثم يأخذ معها شجاعتكم . لا تجعلوا الخوف من سلاحه يتحول إلى خوف من هويتكم ، ومن أحلامكم ، ومن حقكم في أن تعيشوا أحرارا بكرامة .
أما عبارة ” وخافوا من ربنا ” ، فإنها في هذا السياق تمنح الصرخة بعدها الأخلاقي : هناك سلطة أعلى من سلطة السلاح ، وهناك ميزان للحق لا تحدده القوة العسكرية . إنها إعادة ترتيب لمفهوم القوة ، فالقوة ليست فقط فيمن يحمل السلاح ، وإنما أيضاً فيمن يستطيع أن يحافظ على إنسانيته وكرامته وحقه في مواجهة الظلم .
وهذا بالضبط ما نحتاج إلى أن نغرسه في أطفالنا : الشجاعة لا تعني غياب الخوف ، وإنما أن لا يتحول الخوف إلى استسلام .والمقاومة التي نريدها في نفوس أبنائنا يجب أن تكون أوسع من لحظة الغضب وأعمق من رد الفعل . نريد طفلا يحب وطنه ، لكنه يحب الحياة أيضا . يعتز بتاريخه ، لكنه لا يكره الانسان . يتمسك بحقه ، لكنه يعرف أن الحق لا يحتاج إلى التخلي عن الأخلاق لكي يكون حقا . يرفض الاحتلال والظلم ، وفي الوقت نفسه يتعلم العلم والعمل والإبداع والتضامن باعتبارها أدوات لحماية المستقبل .فالأرض لا يحميها من يعرف كيف يموت فقط ، بل يحميها أيضاً من يعرف كيف يبني ويعلّم ويحفظ الذاكرة ويصون الهوية ويصر على البقاء .
ولذلك فإن المعركة على وعي الطفل ليست معركة هامشية . إنها ربما واحدة من أهم المعارك الوطنية. فإذا فقد الجيل الجديد علاقته بأرضه وذاكرته ، فقد الوطن جزءا من مستقبله . وإذا بقي الطفل متعلقاً بوطنه ، عارفا تاريخه ، معتزا بلغته ، مؤمنا بكرامته ، وقادرا على تحويل ألمه إلى معرفة وعمل وصمود ، فإن الاحتلال مهما طال لن يكون قادرا على كتابة النهاية وحده .
لقد أراد الأب الفلسطيني ، في تلك الصرخة ، أن يحمي أبناءه من الخوف . لكنه ، من حيث يدري أو لا يدري، كان يفعل شيئًا أكبر : كان يحاول أن يحمي فلسطين في داخلهم .وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى كل أطفالنا : فلسطين ليست فقط أرضا ندافع عنها ، إنها ذاكرة نحفظها ، وهوية نصونها ، وكرامة نعيش بها، ومستقبل نبنيه . فحين نقول للطفل : ” لا تخف ” ، لا نعني أن الخطر غير موجود ، بل نعني : لا تسمح للخطر أن يصنع منك إنسانا مهزوما.وحين نعلمه أن يحب وطنه ، لا نزرع فيه الكراهية بل نزرع فيه الانتماء .وحين نعلمه الصمود ، لا نعدّه للموت ، بل نعدّه للحياة بكرامة . وهكذا تصبح تربية الطفل الفلسطيني على حب الأرض والتمسك بالهوية والحق والكرامة مقاومة وطنية تبدأ من البيت ، وتكبر في المدرسة ، وتستمر في الذاكرة ، وتصل إلى المستقبل .
وفي النهاية ، ربما كان المعنى الأعمق لتلك الصرخة هو :قد يستطيع الاحتلال أن يخيف الطفل للحظة، لكنه لن ينتصر ما دام الطفل لا يسمح للخوف بأن يسرق منه فلسطين.