لا “الثورة القضائية” ولا “التمرد” : الرسالة المثيرة تكشف “حماس دخلت الحرب لسبب واحد “

بعد الكشف عن الرسالة الكاملة التي أرسلها يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى إلى حسن نصر الله صباح السبت 7 أكتوبر عند الساعة السادسة والنصف صباحاً، مع بدء الهجوم ، يأتي الآن دور التحليل .
وكما يمكن أن يُفهم من الموقّعين على هذه الوثيقة ، فإن التسلسل الهرمي داخل حماس يختلف عمّا كان متصوراً لدينا . فالعقل المدبّر ، والمخطِّط ، ورئيس الأركان الأعلى ، وأصل كل الشرور ، ليس السنوار ، بل الضيف . محمد الضيف . وليس عبثاً أن إسرائيل حاولت اغتياله مرات عديدة وفشلت . السنوار هو الرقم 2 ، فيما يُكمل مروان عيسى هذا “الثالوث” الحمساوي القاتل . الثلاثة يحترقون الآن في نار الجحيم ، والعالم من دونهم مكان أفضل بكثير .
أما الأمر الأبرز في الرسالة ، فهو بالطبع الكمّ الكبير من الكلام الذي يدور حول “ممارسات” إسرائيل في المسجد الاقصى . فهذه وفقا للرسالة هي السبب الرئيسي الذي دفع حماس إلى شنّ الهجوم الانتحاري المجنون على إسرائيل . كما أن مستوى التفاصيل الذي يصف به القتلة الثلاثة ما يجري في المسجد الاقصى يثير الدهشة .
على طول الرسالة ، يحاولون إقناع حسن نصر الله بالانضمام إلى هجومهم علينا ، بحيث يشكّل المسجد الاقصى الرافعة التي يعلّقون عليها مجمل حججهم . وهم يشرحون له أن من الضروري استغلال ما يحدث في القدس والأقصى لتوحيد جميع “الأمم” ضد إسرائيل . والمقصود هنا بالطبع ، هو ردم الفجوات والثغرات بين الشيعة والسنّة ، وبين المصريين والفلسطينيين ، واللبنانيين والسوريين ، وبين التنظيمات المختلفة نفسها ، ونسيان كل الخلافات والخصومات في العالمين العربي والإسلامي ، والاتحاد حول “الجرائم ” التي ترتكبها إسرائيل في المسجد الاقصى ، والانقضاض عليها معاً ، دفعة واحدة .
كل شيء يبدأ وينتهي بالأقصى ، ذلك الذي ربما يشكّل نقطة الإجماع الوحيدة في العالم العربي ضد إسرائيل .
وفي مقابل هذا التفصيل ، تبرز حقيقة مذهلة أخرى . فالرسالة تكاد لا تحتوي على أي كلمة بشأن الاضطرابات الداخلية في إسرائيل، أو “الانقلاب على النظام”، أو الاحتجاجات والمظاهرات ضده . ولا حتى كلمة واحدة عن تهديدات الطيارين المتطوعين بتعليق تطوعهم .
إن الرواية المختلقة التي تحاول “آلة السمّ ” بناءها ، والتي تزعم أن “التمرّد” أو “رفض الخدمة” هو ما دفع حماس إلى مهاجمة إسرائيل في ذلك التوقيت بالذات ، ليست سوى قصة لا أساس لها من الصحة .
لا توجد هنا تقديرات أو تفسيرات ، بل وثيقة أصلية كتبها المخططون أنفسهم إلى الشخص الأكثر أهمية بالنسبة لهم على وجه الأرض ، الشخص الذي كان من الممكن لانضمامه إلى الهجوم أن يساعد على نجاحه .
بعد أن ناقشوا ما يجري في المسجد الاقصى على مدى مئات الكلمات وبأدق التفاصيل ، ينتقل قتلة حماس الثلاثة إلى الأسباب الأخرى : ما تصفه الرسالة بممارسات إسرائيل في القدس ، ونواياها “لتهويد ” المدينة ، ثم ينتقلون إلى جنين ونابلس والخليل ، ومن هناك إلى هجمات إسرائيل وسلاح الجو في سوريا والعراق ، وبالطبع الهجمات في ايران ، بما في ذلك اغتيال علماء نوويين .
كل شيء موجود هنا ، ومكثّف في لائحة اتهام جهادية موحّدة ضد إسرائيل ، بهدف توحيد جميع أعدائها ضدها في لحظة الحسم : السابع من أكتوبر 2023 عند الساعة السادسة والنصف صباحا . وكان من المفترض أن تشكّل هذه الرسالة الشرارة الأولى لتفعيل “خطة الإبادة ” ، وإشعال “حزام النار ” الذي بُني حول إسرائيل طوال سنوات حكم بنيامين نتنياهو .
ومن المقاطع اللافتة بشكل خاص في الرسالة ، ذلك الذي يتناول قرارات المجلس الوزاري السياسي الأمني في حكومة بنيامين نتنياهو ، والتي اتُّخذت في جلسة خاصة يوم 22 آب 2023 . إذ يرى قادة حماس في تفويض الصلاحيات لتجديد عمليات الاغتيال المركّزة في غزة وفي أماكن أخرى، وفق قرارات نتنياهو ووزير الحرب يوآف غالانت ، تأكيدا لمخاوفهم من أن إسرائيل تنوي تصعيد خطواتها ضد أعدائها ، ولكن بصورة تدريجية ومنفصلة بين الساحات المختلفة .
هذا المقطع مهم ، لأنه يفسّر أيضاً الإخفاقات من جانبنا نحن . فمنذ السابع من أكتوبر تُطرح أسئلة حول سبب صدور أوامر في ليلة المجزرة بـ “الابتعاد عن السياج “، ولماذا كان رئيس الأركان وقائد المنطقة الجنوبية ورئيس الشاباك وسائر كبار المسؤولين متحفّظين إلى هذا الحد في قراراتهم ، رغم تراكم المؤشرات التحذيرية أمامهم .
السبب هو “سوء التقدير” الشهير . ففي إسرائيل أيضاً كانوا يعلمون أن حماس تفهم قرارات المجلس الوزاري وتخشى هجوما إسرائيليا . ولذلك كانت التحركات في الليلة التي سبقت الكارثة محسوبة ومدروسة ، حتى لا تدفع حماس إلى شن هجوم مضاد لإحباط هجوم إسرائيلي محتمل . اليوم يبدو ذلك غبياً بصورة مرعبة ، وهو بالفعل كذلك . لكن من المهم تذكر أن هذا جاء بعد سنوات طويلة منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى الحكم عام 2009 من سياسة ” الاحتواء ” ، و ” العصا والجزرة ” ، وإغداق الأموال والتسهيلات على حماس ، وهي سياسة جاءت كلها بتوجيه من القيادة العليا . وعندما تستمر هذه السياسة 14 عاماً ، فهذه هي النتائج . عندما تزرع الريح ، تحصد العاصفة أو الطوفان ، ” طوفان الأقصى ” .
وتفصّل الرسالة الجبهات المختلفة والمنفصلة التي كان يمكن لإسرائيل أن تضرب فيها أعداءها . ويشمل ذلك أيضاً عرب الداخل في إسرائيل ، الذين كان من المفترض “تصفية الحسابات ” معهم بسبب السلاح غير القانوني والبناء غير المرخّص ، لكن ليس هذا فقط : القدس ، ويهودا والسامرة “الضفة الغربية ” ، سوريا وحزب الله ، وتنظيمات فلسطينية أخرى داخل لبنان ، وبالطبع ايران وقطاع غزة .
وفي بعض الحالات يظهر يحيى السنوار ومحمد الضيف ومروان عيسى ، قدرة تنبؤ لافتة . فهم يكتبون عن الصواريخ الدقيقة ، وعن البرنامج النووي ، وعن كل ما يشغلنا اليوم . وقد تحقّق جزء غير قليل من “نبوءات” الوثيقة على أرض الواقع . فقد حاربت إسرائيل ايران وحزب الله وغزة ، وربما تعود للقتال مجدداً . كما ساهمت في سقوط النظام السوري وشنّت هجمات داخل سوريا .
وما الذي لم يتحقق ؟ عرب الداخل ، أي المواطنون العرب في إسرائيل ، لم ينجرفوا إلى الفوضى . وكذلك لم تشتعل الضفة الغربية بعد، رغم أن احتمال ذلك ما زال قائماً في أي لحظة . أما الأمل الأكبر لدى الضيف والسنوار بإشعال حرب أهلية داخلية بين عرب إسرائيل ودولتهم ، فقد تبدّد وتم دفنه بلا رجعة . ويجب الترحيب بذلك والعمل على أن يبقى الوضع كذلك .
أما عن أنفسهم في غزة ، فقد كتب الضيف والسنوار وعيسى جملة لافتة للغاية : ” إن العدو سيدخل المعركة ضد غزة بسبب دورها في التحريض والدعم والمساندة أو مشاركتها في جولات التصعيد . وسيدخل المعركة في غزة بمبادرته عبر الاغتيالات ، أو سيغريها ببعض التسهيلات الاقتصادية ” .
وبالفعل ، قبل أيام قليلة من المجزرة ، صادقت حكومة بنيامين نتنياهو على سلسلة من التسهيلات الاقتصادية لحماس . وكأن كل ما مُنح لها سابقاً لم يكن كافيا : توسيع مساحة الصيد ، والعمل على زيادة الأموال القطرية ، وزيادة عدد العمال الذين يُسمح لهم بالعمل داخل إسرائيل وهو عدد بلغ مستوى قياسيي في عهد حكومات بنيامين نتنياهو . لكن قبل تنفيذ هذه التسهيلات بالكامل، انفجر كل شيء في وجوهنا .
لقد تحولت سياسة المهادنة التي انتهجها نتنياهو إلى كارثة . فالرجل الذي أراد أن يكون مثل ونستون تشرشل ظهر في النهاية أشبه بـنيفيل تشامبرلين .
ومن اللافت للغاية أيضاً ما تكشفه الرسالة صراحة عن الاتصالات التي جرت في السابق بين مبعوثي حماس ومسؤولي حزب الله ، وكذلك ايران ، بشأن الهجوم على إسرائيل ، وعن الاتفاق على أن يتم تحديد توقيته لاحقا ، على أن يكون السبب المركزي له هو المسجد الاقصى .
وفي هذه المرحلة، يطلب الكتّاب الثلاثة الصفح والمغفرة من حسن نصر الله لأنهم لم يطلعوه مسبقاً على موعد الهجوم . ويقولون له: أنت تعرف قدرات العدو الاستخبارية، كان الأمر سيتسرب .
ثم، وفي جملة قصيرة من بضع كلمات ، تظهر إشارة وحيدة إلى الوضع الداخلي في إسرائيل . لقد كنتَ محقا ، يقولون لـحسن نصر الله عندما وصفت إسرائيل بأنها “بيت عنكبوت” . فهي بالفعل ، حسب الرسالة ، “بيت عنكبوت ممزق ومقسّم من الداخل ” .
لكن هذا الوضع ، وفقاً للرسالة ، لم يبعث فيهم الأمل ، بل على العكس تماماً أثار قلقهم . فهم يكتبون : “سيواصل جرائمه وسيهرب أكثر من أزماته الداخلية لكي يعيد ترميم ما يسميه حالة الردع ضدنا جميعا ” . وهذا يتقاطع مع مواد أخرى استولت عليها القوات الإسرائيلية في غزة ، حيث ورد في وثائق داخلية لحماس أن الجيش الإسرائيلي لم يفقد جاهزيته ، بل إن المظاهرات داخل إسرائيل قد تجعل الردود العسكرية ضد حماس أكثر قسوة .
ومع الاقتراب من النهاية يصبح النص أكثر إثارة للاهتمام . فالهجوم على إسرائيل ، بحسب الكتّاب الثلاثة ، كان من المفترض أن يقطع مسار التطبيع في المنطقة ، ويُفشل التطبيع مع المملكة العربية السعودية ، ويلغي اتفاقيات أوسلو ، والتنسيق الأمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ، وما يسمونه “أنظمة الخيانة والتطبيع” .
وفي هذا السياق ، يدخلون عبارات مديح لـروح الله الخميني ، الذي يُعد الرمز الأكبر لدى الشيعة ، بهدف استرضاء نصر الله ومرسليه في طهران . كما يشيرون الى نوعين من الانتصار الممكن : انتصار استراتيجي يؤدي إلى تدمير إسرائيل ، وإذا لم يتحقق ذلك ، فسيكتفون بانتصار تكتيكي ، أي هزيمة فرقة غزة ، وإلحاق خسائر وأضرار كبيرة بإسرائيل ، والسيطرة على أراضٍ ، وثم الدخول في مفاوضات تؤدي إلى إطلاق سراح جميع الأسرى . وبعد ذلك؟ “بعدها سنرى ” .
وهنا تأتي فقرة ذات طابع “تنبؤي” واضح :
“أخانا العزيز ، إن ثمن أي تردد سيكون باهظاً ولا يمكن تحمّله ، لا بالنسبة لمشروعنا جميعاً ولا بالنسبة لكم وللجمهورية الإسلامية . وذلك بسبب ضربات العدو ومحاولاته تحقيق صورة نصر واستعادة الردع ضد إيران وسوريا ، من خلال أسلوب عمله المعتاد ولكن بتركيز وكثافة أكبر ، وبسبب أن هذه الدول تُدار وفق قواعد مختلفة عن تلك التي تحكمنا نحن التنظيمات . إن نتائج التردد ستكون فوق ما يمكن احتماله ، وستتجاوز كل تصور ” .
نعم، إنهم يحذّرون نصر الله ويقولون له إنه إذا تردد ولم ينضم ، فإن إسرائيل سترد بحزم ، وستكون النتيجة قاسية عليه وعلى “الجمهورية الإسلامية” ، أي ايران .
وهم لم يكونوا يعلمون أن هجومهم على إسرائيل سيلحق بالفعل ضرراً هائلاً بالدولة العبرية ، لكنه في نهاية المطاف سيجلب الكارثة أيضاً عليهم هم أنفسهم . فسيُقتلون هم ، وسيُقتل شركاؤهم ، وسيُقتل قادة ايران وحزب الله ، وسيكون الثمن الدموي الذي ستجبيه إسرائيل على ما حدث لها رهيباً .
وفي الختام، يفصّلون طلباتهم “المتواضعة “. والمفاجئ أنهم يعترفون بأنه لا حاجة لأن تنضم ايران نفسها أو سوريا كدولتين إلى الحرب ، لكن جميع ” تنظيمات المقاومة” الأخرى ، بما فيها حزب الله ، يجب أن تشارك .
وماذا يُطلب منها أن تفعل ؟ أن تقصف بكل ما لديها ، وأن تشل سلاح الجو الإسرائيلي وتجمعات الجيش والأهداف الحيوية ، ثم بعد ذلك تندفع إلى داخل الدولة نفسها من أجل تدميرها. بهذه البساطة .
لكن معظم ذلك لم يحدث. المرحلة الأولى فقط ، المتمثلة في إسقاط فرقة غزة والسيطرة على أجزاء من غلاف غزة ، هي التي حدثت فعلا . أما ، حسن نصر الله الذي تمتّع طوال سنوات بصورة “الرجل الحكيم” في الشرق الأوسط ، والذي يعرف إسرائيل أكثر من الجميع ويعرف كيف يردعها ، فقد ارتكب خطأ حياته . لقد تردد . لم ينضم في اللحظة المناسبة ، أي عند الساعة السادسة والنصف صباحاً من يوم 7 أكتوبر . وحتى بعد ذلك لم يقرأ الخريطة جيداً ، ولم يفهم الوضع إلا بعد أن انهار مخبؤه فوقه . ويا لَحسن الحظ أن الأمور جرت على هذا النحو .
أما نحن، فقد عوقبنا بسبب الغرور ، والاطمئنان الزائف ، والإدمان على الاستخبارات السيبرانية السهلة على حساب الاستخبارات البشرية الشاقة والصعبة ، وبسبب سياسة ” الاحتواء ” الإجرامية التي استمرت عقدين ، وسمحت لحماس وحزب الله ببناء “وحوش إرهابية” على حدودنا .
لقد وجّهنا لهؤلاء “البرابرة” ضربات قاسية ، لكننا لم نهزمهم نهائيا . وبنيامين نتنياهو لا يعرف كيف ينهي الحروب ، وربما لأنه ببساطة لا يريد إنهاءها .
إن العقيدة الأمنية الإسرائيلية بحاجة إلى تحديث . فلا يجوز السماح لأي جهة ببناء هذا القدر من القوة على حدودنا . وفي الوقت نفسه ، يجب الاستمرار في السعي نحو الاتفاقات ، لأنه في النهاية، هذا هو الشيء الوحيد الذي يجلب الهدوء والأمن .
وكل ذلك لن يكون ممكناً إلا في “اليوم التالي” للرجل الذي تسبب بكل هذا ، وفقط بعد أن ننجح في اشفاء الجرح الداخلي .

المصدر: صحيفة معاريف

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *