كيف نكسر الصمت: التعليم بين وهم الحياد ومسؤولية الوعي

إدوارد طفل في الصف الرابع الأساسي، يبلغ من العمر 9 سنوات. يجيد جمع الكسور العادية، بل وأيضاً يتجاوزها متمكناً من جمع الأعداد الكسرية؛ يوحد المقامات بطلاقة، ويبسط الكسر الناتج بسهولة… مَن يراه وهو يُجري عملية الجمع بهذه الطلاقة يشعر للوهلة الأولى بأنه يمتلك فهماً عميقاً للكسور.

كان هذا انطباعي الذي سرعان ما تلاشى قبل أيام؛ إذ وضعت أمامه كأساً فارغاً وطلبت منه ملء ثلاثة أرباع الكأس بالماء. فأجاب ببراءة: “ما بعرف، ما تعلمنا.” نظرت إليه متسائلةً: “بس إنت بتعرف تجمع كسور، مش عارف شو يعني ثلاث أرباع” توقفت متأملة، هل أسأله أم أسأل نفسي، أنا التي أدرّس الرياضيات منذ عشرة أعوام، أي كارثة نمارس!؟ وكيف سمحنا لأن تصبح الرياضيات مادة إجرائية بحتة، يُتقنها الطلبة من دون أن يفهموا معناها، ومن دون أن يقدروا على ربطها بحياتهم اليومية؟

تكشف حادثة بسيطة أزمة أعمق من مجرد خلل في طريقة الشرح أو الضعف في مثال تطبيقي. إننا أمام منظومة تعليمية كاملة تُفرغ المعرفة من معناها الإنساني، وتختزل التعلم في حفظ خطوات، وإعادة إنتاجها في الاختبارات بغية الوصول إلى ما ندّعي أنه “النجاح”؛ ألم يتم “إجبار” طلبة قطاع غزة على الرغم من الفقد والدمار والألم على تقديم “اختبارات” لحصولِهم على “ترفيع” وبالتالي “نجاحهم”!

لا تتوقف الأزمة عند التركيز على الإجراءات فحسب، بل تمتد أيضاً إلى ما هو أعمق، إلى قناعات راسخة فحواها أن الرياضيات -وربما المعرفة عموماً- مادة محايدة تُدرس بمنأى عن السياق الاجتماعي؛ ألم نكبر على مقولة لطالما ترددت على لسان معلمي ومعلمات الرياضيات: “الرياضيات رياضيات، لو فتحت كتاب صيني، انكليزي، ألماني، راح تشوفها نفسها، راح تفهمها!” لقد غُرس فينا هذا الفكر، الذي غدونا للأسف الشديد نزرعه في نفوس طلبتنا وننقله إليهم. ومع كل أسف، يُعمق منهج الرياضيات هذه القناعات الراسخة بوضعه المعرفة الرياضية في قالب مجرد كما ومعارف مطلقة لا مجال للشك فيها.

 أستند هنا إلى ما أظهره التحليل النقدي للكتب المدرسية في الرياضيات الذي أجراه جهاد الشويخ وهاوكي بول،[1] وخلصا عبره إلى أن الرياضيات تُقدّم كمعرفة مطلقة مجردة وغير مرتبطة بالواقع، فحتى في البرهان الرياضي يقتصر دور الطلبة على تقليد الإجراء بدلاً من التفكير أو الاكتشاف.

والأخطر أن بعض المسائل الرياضية توظّف لتبرير سياسة ما من دون إتاحة أي مجال للنقاش، أو للنقد؛ إذ تُدرَس المشكلات الرياضية (المسائل اللفظية) بصورة أساسية عن طريق مطالبة الطلبة “بترجمة” الكلمات المفتاحية ذات الصلة إلى إجراءات رياضية، وفق ما أورده الباحثان،[2] وذلك من دون إتاحة أي مجال لمناقشة سياق المسألة وأبعادها. وقد أكدا على الحاجة الماسة لضرورة إعادة التفكير في ماهية الرياضيات نفسها؟ فهل هي مجموعة قوانين أزلية منفصلة عن البشر، أو مادة سياقية حياتية؟ إن إعادة التفكير في ماهية الرياضيات ينعكس مباشرةً على صوغ المناهج: فإمّا أن تبقى أداةً للتدريب الآلي، وإمّا تغدو وسيلة للفهم النقدي.

إن التأمل في واقع تدريس الرياضيات في المناهج الفلسطينية والتأمل في ماهيتها، يقودنا إلى تساؤل جوهري: من أين جاءت هذه القناعات الراسخة بفصل الرياضيات (المعرفة) عن السياق الاجتماعي؟ يُجيب الشويخ[3] مستنداً إلى خبرته في التدريس الجامعي، بأن الخطاب السائد حول التعليم كونه مجرد إلقاء معلومات ينبغي على الطلبة إظهار معرفتهم لها عبر الاختبارات متجذر منذ عقود طويلة، ومتأصل في جميع أشكال الحكم التي تناوبت علينا، فضلاً عن التقاليد الاجتماعية والثقافية التي رسخت بطريقة أو بأُخرى هذه النظرة للتعليم. وإن كنتُ أخصص كلامي عن الرياضيات، فإن هذا ينطبق على المعرفة بصورة عامة، فقد بيّن الشويخ[4] كيفية تشكيل الاستعمار البريطاني -على وجه التحديد- للخطاب التربوي الفلسطيني، وشكل المدارس وطريقة بنائِها وإدارتِها، أي أننا ورثنا نهجاً كاملاً من دون محاولة منا لمساءلتِه أو تغييره.

تتقاطع هذه الرؤية وأفكار مايكل آبل[5] الذي رأى أن المناهج لا تنقل معارف وحقائق فقط، بل تحمل أيضاً أيديولوجيا سياسية وثقافة مهيمنة. لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال الجوهري: “ما هي المعرفة المهمة” إنما “معرفة ما هي المعرفة المهمة أو المشروعة”؛ فالمناهج في جوهرها ليست منفصلة عن السلطة وسياسة الدولة.

وهنا، يحضر باولو فريري[6] بقوة، في رؤيته أن التعليم لا يمكن أن يكون محايداً. فإمّا أن يكرس التبعية عن طريق أساليب الحفظ والتلقين، فيغدو المتعلم منغمساً في الواقع عاجزاً عن نقده أو تغييره، وإمّا أن يكون حوارياً نقدياً، يربط المعرفة بالتجربة، فيصبح المتعلم فاعلاً في بناء المعنى. من منظور فريري، الفهم لا يكتمل إلاّ حين يستطيع المتعلم توظيف المفهوم في حياته، بعيداً عن الاكتفاء في إعادة إنتاجه في ورقة الامتحان سعياً وراء “النجاح”. تتقاطع رؤية جون ديوي وأفكاره،[7] الذي يرى أن التعليم تجربة حياتية؛ إذ يتفاعل فيه الطلبة مع بيئتهم، بحيث يقوم على الحوار، وحل المشكلات الواقعية، والتجريب، من دون الاقتصار على التلقين والإجراءات.

يكمن التحدي أمام تعليمٍ فلسطيني لا يزال تقليدياً، ومناهج مجردة تكرس التبعية وتكاد أن تخلو من الحوار الناقد: هل التحول نحو تعليم أفضل ممكن في قلب هذا الواقع المأساوي المتجذر؟

حاولت خلال الإبادة على قطاع غزة: -بقدر ما أستطيع- إيصال بعض الرسائل إلى طلبتي عبر ربط المسائل اللفظية (المشكلات الحياتية) والواقع المأساوي، ومثال ذلك سؤال جاء على النحو الآتي: “فلسطين طفلة يبلغ وزنها 18 كيلوغراماً، إلاّ إنه نتيجة سياسة التجويع المفروضة على قطاع غزة منذ سنة 2007، والتي أخذت شكلاً أعمق وأشد منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، انخفض وزنها إلى 12 كيلوغراماً في أقل من شهر. أوجِد النسبة المئوية للانخفاض في الوزن، معلقاً عليها؟”

لم تمر تجربتي مرور الكرام، فما زلت أذكر إحدى أولياء الأمور وقد اتصلت بي غاضبةً وقالت بنبرة صارمة: “صار عند بنتي كآبة من أسئلتك… هي غزة بدها تلحقنا في الرياضيات كمان!” اعتراض ليس على الحساب، إنما على السياق.

إن حادثة كهذه كفيلة بأن تكشف حجم التحديات التي تواجه أي محاولة للتغيير: أهل يخشون مواجهة أبنائِهم للواقع، ويصممون على أن الرياضيات مادة تقيس الذكاء وتعليمها يقتصر على خطوات وقوانين ومعادلات… وإدارات تُلزم بمعايير تصحيح وجداول اختبارات حتى تكاد تفرض علينا كمعلمين ومعلمات استراتيجيات تدريس ومناهج مكتظة يجب “إنهاؤها” في موعدها، محشوة بالمعلومات. بالإضافة إلى تحديات لا تقتصر على المدارس فقط، ففي الجامعات أيضاً يواجه الشويخ[8] مقاومة من الطلبة أنفسهم راغبين في الدور التقليدي للأستاذ، بل ويحدث معه تقريباً في كل فصل أن يحتجّ بعض الطلبة على طريقة تعليمه منتظرين منه القول الفصل.

يعتمد الشويخ نهجاً يرفض تقديم معلومة جاهزة كمنتج نهائي. ويرى أن التعلم هو تكوين معنى للخبرات التي يعيشها المتعلمين عبر الانخراط في البحث، وبناء الحجج.[9] يفتح بذلك آفاقاً متنوعة للعملية التعليمية، لكنه يصطدم بثقافة اعتادت الطاعة لا التساؤل، وعادات وتقاليد حددت ما يسمح بالسؤال عنه وما يجب قبوله بلا نقاش أو جدال.

فما المطلوب اليوم أمام كل هذه السوداوية!

بل وكيف نواجه واقعاً سوداوياً يبدو فيه كل شيء محسوماً كما يقول شاعرنا ابن البروة:[10] “كل شيء مُعد سلفاً، مَن سينزع أسماءنا عن هويتنا: أنتم أم هم؟[11]” فهل ننتظر مناهج جديدة تتطلب منا نزع كل ما هو فلسطيني أو نختار أن نقف بوعيٍ وإصرار؟!

نحن كمعلمين ومعلمات أمام خيارين: إمّا أن نستمر في إعادة إنتاج هذا الواقع التعليمي المأزوم، وإمّا نحاول -ولو بجهد فردي- كسره. لنبدأ إذن كلٌ من موقعه النظرَ إلى التعلّم كمحاولات لتكوين معانٍ خاصة وخبرات جديدة نتعرض لها بدلاً من النظر إليه كاكتساب معلومات ومعارف. والجدير بالذكر أن هذا لا يتنافى مع وجود قضايا “معرفية” ينبغي على الطلبة الإلمام بها، فهذه القضايا هي نقطة البداية، لكن المطلوب هو تصميم مفتوح أو استكشافي يتيح المجال لمعانٍ أُخرى، ولتفسيرات مغايرة، ولوجهات نظر متعددة، تؤدي بالمحصلة إلى فتح باب النقاش والجدال والنقد.[12] 

اليوم، وبعد الإبادة التي تعرضت لها غزة الحبيبة ولا تزال (وتلك التي تتعرض لها كل فلسطين؛ إذ إن الضفة الغربية تحت وطأة أزمة مالية تقلص عدد أيام التدريس، والقدس تحت أزمة أسرلة المناهج، وفلسطين التاريخية تحدياتها جمة)، يفرضُ سؤال آخر نفسه: “ماذا يعني أن نُعلّم بعد الكارثة؟ وأي تعليم يمكن أن يكون صادقاً مع هذا الواقع، وليس متواطئاً مع إنكاره؟”[13] 

لا يمكننا الاستمرار في تدريس المناهج وكأن إبادةً لم تقع؛ إذ إن إنكار الواقع يفرغ المعرفة من معناها الإنساني، بدلاً من أن يصنع وعياً ويقاوم الجهل الذي يعزز الصمت والإنكار والانفصال عن السياق المأساوي الذي نعيشه يومياً.

لا أدعو بهذا إلى تسييس الصفوف، ولا أطالب بمدارس سياسية حزبية، بل أطالب بتعليم يُعلي التفكير على الحفظ، والتعبير على الصمت، والنقد على الامتثال. أطالب بتعليم يشجع الطلبة على طرح الأسئلة: مَن كتب هذا النص؟ ولماذا؟ ومَن الغائب عنه؟ تعليم نقدي، ومغاير، يفتح آفاق التفكير والحوار.

اليوم لا يكفي أن نقاوم الجهل: علينا أن نقاوم التزييف.

في زمن يطالب فيه الجميع بالتغيير، نحتاج إلى مبادِر يقرع جدار الخزان، ويسمع صرخة غسان كنفاني ابن عكا[14] ويبدأ من نفسه طارقاً على الجدار محاولاً أن ينهض بطلبته من تحت الركام، فليس الخطر الحقيقي أن يدفع الإنسان ثمن الحرية، إنما أن يعيش بلا حرية؛ وأن يذوب بلا أثر، وأن يختفي قبل أن يكون قد حاول واجتهد… إنها رسالة شهيدنا كنفاني: “لا تمُت قبل أن تكون نِدّاً”. لذلك، لنترك أثراً وذكرى في قلوب طلبتنا، ولنكن لهم قدوة ومثالاً حقيقياً في العزيمة والتحدي.

هذا، وأختم باقتباس لا بُد لكل مَن يقرأ هذه السطور أن يتأمله، اقتباس يدعو للتأمل الذاتي، أستعين بكلمات حسين البرغوثي:[15] “قلت لنفسي، خسارة أن تمر على سطح الأرض، ولا تغير شيئاً، أو تترك أثراً، خسارة، يا ابن هذا الإرث العظيم! خسارة أن تولد وتموت في زمن مهزوم، بوعي مهزوم، وخائف… خسارة أن تفقد نفسك إلى هذا الحد…”

[1] Jehad Alshwaikh & Hauke Straehler-Pohl, “Interrupting Passivity: Attempts to Interrogate Political Agency in Palestinian School Mathematics” In: The disorder of mathematics education (Switzerland: Springer International Publishing, 2017), pp. 193-208:

https://doi.org/10.1007/978-3-319-34006-7_12

[2] Ibid.

وظف الباحثان سؤالاً من كتاب الصف السادس، الجزء الثاني، صفحة 74 من النسخة التي تم تحليلها وقت كتابة المقالة، وليس من الكتب الحالية المعتمدة. وقد كان المثال ينص على: “اضطرت الدولة إلى رفع سعر الخبز بسبب ارتفاع سعر القمح عالمياً وقلة الإنتاج المحلي منه بمقدار الربع، فما النسبة المئوية للارتفاع؟”؛ إذ إن الجوانب السياسية المتمثلة في رفع سعر الخبز هنا تُطرح كحقيقة ضرورية وبالتالي تبرر سياسة رفع السعر.

[3] جهاد الشويخ، “التعلُّم والتعليم ودور الجامعة الاجتماعي“، “مدونة جامعة بيرزيت”، 2021.

[4] جهاد الشويخ، “التعلّم والتعليم في سياق استعماري: إنثوغرافيا تعلم الرياضيات في فلسطين” (بيرزيت: معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان، 2021).

[5] Michael W. Apple, The state and the politics of knowledge (New York & London: Routledge Falmer, 2003).

[6] Paulo Freire, “Pedagogy of the oppressed” In: Toward a sociology of education (United Kingdom: Routledge, 2020) pp. 374-386.

[7] John Dewey, “Experience and education”, Educational forum. Vol. 50, No. 3 (September 1986), pp. 241-252.

[8] جهاد الشويخ، مصدر سبق ذكره، 2021.

[9] المصدر نفسه.

[10] قرية فلسطينية في قضاء عكا، هُجرت ودمرت سنة 1948.

[11] محمود درويش، “رسالة إلى ملك الاحتضار“، “بوابة الشعراء” 13/01/2007.

[12] جهاد الشويخ، “التعلّم كنهج للتحرّر: نحو انتفاضة معرفية” الجنوب: المجلة الفلسطينية للدراسات التحررية، العدد 2-3، (خريف – شتاء 2025)، ص 489 – 504.

[13] ياسر أبو بكر، “التعليم الفلسطيني: أي معرفة نُعيد بناءها في العام الجديد؟“، “شبكة راية الإعلامية”، 25/12/2025.

[14] غسان كنفاني؛ روائي وصحافي فلسطيني، ولد سنة 1936، واستُشهد في بيروت مع ابنة اخته لميس في انفجار سيارة مفخخة سنة 1972. في روايته رجال في الشمس التي تدور أحداثها حول ثلاثة فلسطينيين من أجيال مختلفة جمعهم حلم واحد -الهروب من واقعهم الفلسطيني البائس والمزري- ونظراً إلى أوضاعهم المادية الصعبة فقد قرروا الهروب إلى الكويت عبر خزان ماء صدئ يقوده فلسطيني يُدعى “أبو الخيزران”… يتأخر أبو الخيزران في تخليص الأوراق على الحدود تاركاً الثلاثة في لهيب شمس آب/أغسطس داخل الخزان، وما إن قاد خزّانه بعيداً عن أنظار موظفي الشرطة الحدودية، يجد الثلاثة قد لفظوا أنفاسهم الأخيرة، فيصيح صرخة تردد صداها في الصحراء: ” لماذا لم يدقّوا جدران الخزان ؟! لماذا؟! لماذا؟!”

[15] حسين البرغوثي، “سأكون بين اللوز” (بيروت: دار رياض الريّس للكتب والنشر)، 2009.

سالي شطارة: طالبة دكتوراه في برنامج التطوير التربوي – جامعة بيرزيت، ومعلمة رياضيات في مدرسة الفرندز. 

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *