قانون إعدام الأسرى…إسرائيل تُعيد تعليق المشانق الاستعمارية لفرض سيادتها

تُمثل المصادقة النهائية على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في آذار/مارس 2026 نقطة تحوُل بنيوية وغير مسبوقة في العقيدة الجنائية والسياسية للاحتلال الإسرائيلي؛ إذ تخلت إسرائيل بموجبه عن سياسة التجميد التي استمرت لعقود، لتنتقل إلى مرحلة القتل تحت مظلة القانون. وهذا التشريع لا يشكِّل مجرد تغليظ للعقوبات على الفلسطينيين، بل أيضاً هو تجسيد قانوني لمشروع حسم الصراع الذي يتبناه اليمين الإسرائيلي المتطرف، ويهدف إلى تجريد الفلسطيني من حمايته كأسيـر حـرب، وتحويله إلى هدف للتصفية الجسدية تحت غطاء القضاء.
وتأتي خطورة هذا القانون في توقيته وسياقه؛ إذ يشرعن ممارسات التصفية التي بدأت فعلياً داخل السجون، كسياسات الإهمال الطبي والتعذيب والتجويع، ويمنحها صبغة الشرعية القضائية، والأهم من ذلك أن القانون يكرس نظاماً مزدوجاً من الأبارتهايد القضائي، إذ يتم الحكم على الأسرى بناءً على الهوية الوطنية والعرقية، الأمر الذي يجعله أداة لتثبيت السيادة الاستعمارية عبر سلب الحق في الحياة.
وتبحث هذه الورقة في الجذور الاستعمارية الموروثة لهذا القانون، وتفكك بنوده الاستعمارية التي تستهدف الفلسطينيين حصراً، مع تحليل تبعاته الأمنية والسياسية على القضية الفلسطينية، وتقديم تحليل وتقييم التبعات الأمنية والسياسية، إلى جانب كشف جوانب القانون التي تستهدف ضم الضفة الغربية.
قانون إعدام الأسرى: موروث الاستعمار البريطاني
لم تبدأ الإجراءات العقابية على الشعب الفلسطيني منذ سنة 1930، إنما مرت القوانين الجزائية في فترة الانتداب بسلسلة من التغيرات، فقد اعتمدت سلطات الانتداب البريطاني منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي استراتيجيا قانونية تقوم على مأسسة العقاب الجماعي، والعمل الشرطي الوقائي لقمع التنظيم السياسي الفلسطيني، وتجلى ذلك في مرسوم منع الجريمة (1920) ومرسوم الشرطة الفلسطينية (1921) وقانون العقوبات (1929)، الأمر الذي منح صلاحيات واسعة لاحتجاز الأفراد وفرض غرامات جماعية على المناطق “المضطربة”.[1]
وقد عُززت هذه المنظومة بـمرسوم المسؤولية الجماعية (1921) ومرسوم المناطق القبلية والقروية (1924)،[2] إذ وظف الاستعمار ذريعة احترام التقاليد المحلية لتبرير إجراءات استبدادية تهدف إلى تجنيد وسطاء محليين وتحميل المجتمعات الريفية تكلفة القمع الأمني، وهو ما أدى إلى تحوير القانون الجزائي العثماني بالتدريج ليتطابق مع النماذج الاستعمارية البريطانية الصارمة.[3]
وعقب الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939)، غُلظت الأنظمة القمعية، فأعادت سلطات الانتداب تفعيل المرسوم الملكي للدفاع (1931)، وأتبعته بـمرسوم الأحكام العرفية (1936) الذي منح المندوب السامي صلاحيات عسكرية مطلقة لمحاكمة المدنيين. ومع إصدار المرسوم الملكي للدفاع لسنة 1937، استُبدلت بقايا القانون العثماني بنظام جزائي استعماري شَرعَن تدمير المنازل، والاعتقال الجماعي بلا محاكمة، وزيادة الإعدامات، وفرْض نظام تصاريح خانق، وهي إجراءات لم تهدف فقط إلى قمْع الثورة، بل أيضاً إلى فك كينونة المجتمع الفلسطيني سياسياً واجتماعياً قبيل النكبة.[4] واعتمدت السلطات البريطانية على منظومة القضاء العسكري كأداة لقمع الثورة، عبر محاكم عسكرية صورية، وصدرت أحكام إعدام بلغت حصيلتها الرسمية لمن شُنقوا 148 شخصاً.[5]
وتسنتد المساعي الإسرائيلية الحالية لفرض قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين على أرضية قانونية تُعرف بأنظمة الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945، والتي سنها الانتداب البريطاني في إبان استعماره لفلسطين كمحاولة لقمْع المقاومة الفلسطينية وضرْب حاضنتها الشعبية، وهو القانون الذي على أساسه عكفت إسرائيل على مدار الأعوام الماضية على تمرير قانون مكافحة الإرهاب.[6]
وتتذرع الأحزاب اليمينية المتطرفة للاحتلال بالمادتين 57 و71 من الفصل الثالث لأنظمة الطوارئ لسنة 1945، واللتين تتناولان الإعدام كعقوبة على التهم المذكورة في المواد السابقة،[7] فقد أتاح وجود هاتين المادتين لبريطانيا، وبعدها إسرائيل، حرية الإعدام كوسيلة لردع الثورة الفلسطينية، الأمر الذي جعل من الإعدام عقوبة مطاطة تشمل حيازة السلاح، والتدريب، والتحريض، أو حتى المساعدة بالإيواء. وبما أن الاحتلال الإسرائيلي حل محل الاستعمار البريطاني سنة 1948، فقد استنسخت إسرائيل القانون البريطاني وعملت به. ويعتبر العديد من المؤرخين أن استبقاء الاحتلال الإسرائيلي لأنظمة الدفاع (الطوارئ) الموروثة عن الانتداب البريطاني يؤدي إلى تحويل القانون إلى وسيلة لترسيم الحدود السياسية والاجتماعية داخل الدولة الجديدة؛ إذ تتيح هذه القوانين الاستثنائية للسلطة تصنيف السكان، وتهميش فئات معينة عبر إخراجها من دائرة الحماية القانونية المدنية ووضْعها تحت طائلة “أنظمة الطوارئ”.[8] وعن طريق مأسسة هذه الإجراءات كعمليات إدارية روتينية، اكتسبت إسرائيل غطاءً يمنحها “الشرعية” في المساس بحقوق المواطنة بالنسبة إلى الفلسطينيين، الأمر الذي يجعل من الإرث التشريعي الاستعماري أداةً لحكم المناطق المحتلة، وتكريس التمييز ضد المجتمع الفلسطيني، وظلت أنماط العقاب الاجتماعي أساساً للقانون الذي عاش تحت وطأته الفلسطينيون بعد انتهاء الانتداب.[9]
الإعدام في القانون الإسرائيلي (1948–1967)
تبنَّت إسرائيل أنظمة الدفاع (الطوارئ) البريطانية لسنة 1945 بموجب قانون سنة 1948 لشرعنة العقوبات ضد الفلسطينيين، ووسَّعت نطاقها ليشمل الضفة الغربية وقطاع غزة عقب نكسة 1967 بذريعة عدم إلغائها من جانب الإدارتين الأردنية والمصرية.[10] وعلى الرغم من استخدام هذه الأنظمة كغطاء قانوني دائم لفرض الحكم العسكري، فقد اتجه الاحتلال لاحقاً إلى استبدال عقوبة الإعدام بالسجن المؤبد، إذ صدر الأمر العسكري رقم 60 سنة 1968 في قطاع غزة محوِّلاً الإعدام من عقوبة وجوبية إلى جوازية،[11] وجُمد تطبيقه في الضفة الغربية بموجب الأمر العسكري رقم 268 في السنة نفسها، فتحول إلى حبس مؤبد وجوبي.[12] ومع أنه لم تسجَل حالات إعدام رسمية لأسرى فلسطينيين منذ صدور هذه الأوامر،[13] باستثناء حكمين عسكريَين صَدرا بحق الأسيرَين ماهر وكريم يونس، ثم خُفِّفا إلى المؤبد،[14] فإن سلطات الاحتلال تعوض ذلك باللجوء إلى سياسة التصفيات والاغتيالات الميدانية للمطارَدين خارج نطاق القضاء والقانون الدولي.
مشروع قانون إعدام الأسرى (2015–2024)
علت الأصوات الإسرائيلية المنادية بمأسسة عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين سنة 2015 بقيادة أفيغدور ليبرمان (رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”)، وذلك بذريعة “مكافحة الإرهاب” ومنْع صفقات التبادل.[15] وعلى الرغم من إسقاطه مبكراً، فقد عاد المشروع إلى الواجهة سنة 2017 بعدما اشترطه ليبرمان للانضمام إلى حكومة بنيامين نتنياهو الذي دعمه علناً،[16] ليجتاز القانون القراءة التمهيدية الأولى سنة 2018، مستفيداً من المناخ السياسي المؤيَد بوجود إدارة ترامب، وبتعديل يكتفي بأغلبية قاضيَين بدلاً من الإجماع في المحاكم العسكرية.[17] وتكررت محاولات الطرح عبر ميكي زوهر من حزب الليكود سنة 2020،[18] ثم عاد إيتمار بن غفير (وزير الأمن القومي) لفرضه كشرط ائتلافي في حكومة اليمين المتطرف في أواخر 2022، متجاوزاً القراءة التمهيدية مجدداً في آذار/مارس 2023 بأغلبية 55 صوتاً.[19]
واصطدمت هذه المسارات التشريعية المتكررة برفض الأجهزة الأمنية الإسرائيلية (الشاباك والجيش) والمستشارة القضائية، خشية تآكُل صورة إسرائيل الديمقراطية دولياً، وحفاظاً على حياة الجنود الأسرى، وتجنُّباً لخسارة المعلومات الاستخباراتية.[20] وسياسياً، يخشى الجانب الإسرائيلي من تآكُل صورته كـ “دولة ديمقراطية” أمام المجتمع الدولي، وخصوصاً في ظل تصاعد الانتقادات الدولية للسياسات المتطرفة وأعمال العنف التي يمارسها المستوطنون.[21]
وانتقلت السياسات التنكيلية بحق الأسرى الفلسطينيين خلال حرب 2024 من الإطار التشريعي إلى مرحلة التصفية الجسدية الممنهجة والتحريض العلني على الإبادة؛ إذ دعا وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بوضوح إلى “إعدام الأسرى بطلقات في الرأس” بدلاً من توفير الحاجات الأساسية كالطعام.[22] وقد تزامن هذا الخطاب مع تحويل السجون إلى مراكز للتنكيل الفعلي، شملت جرائم التجويع، والتعذيب المفضي إلى الموت، والإخفاء القسري، والإهمال الطبي المتعمد، وهو ما أسفر عن استشهاد العشرات تحت التعذيب. ومع تجاوز أعداد المعتقَلين منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 حاجز الـ 9600 أسير في الضفة والقدس، والآلاف غيرهم من غزة،[23] باتت المنظومة الأمنية الإسرائيلية تستخدم الأسرى كأداة انتقامية ضمن حرب الإبادة، محوِّلةً المقترحات التشريعية لإعدام الأسرى إلى واقع ميداني يُمارَس يومياً بعيداً عن الرقابة الدولية.
المصادقة على قانون الإعدام لسنة 2026
شهد 30 آذار/مارس 2026 تحولاً جذرياً في المنظومة الجنائية الإسرائيلية بمصادقة الكنيست لأول مرة بالقراءتين الثانية والثالثة (النهائية) على قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، بأغلبية 62 صوتاً في مقابل 48 صوتاً معارضاً، وبدعم مباشر من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو،[24] أي أن القانون أصبح قانوناً ناجزاً.
وقد جاء هذا القانون نتاج تحالفٍ سياسيٍ قاده وزير الأمن القومي ورئيس حزب قوة يهودية اليمني المتطرف إيتمار بن غفير، وعضو الكنيست نسيم فاتوري من حزب الليكود؛ إذ تم تسريع مسار التشريع وتجاوُز العقبات التي قدمتها جهات حقوقية ومعارضة، لتكريس عقوبة الإعدام كأداة رسمية ضمن سياسة “مكافحة الإرهاب” الموجهة ضد الفلسطينيين.[25]
واتسمت أجواء المصادقة النهائية على قانون إعدام الأسرى في الكنيست بنزعة احتفالية من جانب تيار اليمين الإسرائيلي، إذ دخل عدد من أعضاء الكنيست وهم يعلِّقون على ملابسهم دبابيسَ صفراء على شكل مشانق، واحتفلوا بشرب الشمبانيا بعد المصادقة على القرار.[26] ووصف بن غفير الحدث بأنه تاريخي، متوعداً ببدء التنفيذ الفوري للأحكام، بينما أشارت عضو الكنيست سون هار-ميلخ إلى أن “أي شخص يقتل يهودياً لكونه يهودياً يفقد حقه في الحياة”، معتبرةً القانون يهودياً وأخلاقياً،[27] وأداروا نقاشات جادة بشأن أساليب الإعدام الممكنة، مع التفاخر والتباهي بأن كثيرين من أبناء المجتمع الإسرائيلي سيتطوعون بكل سرور للقيام بدور الجلاد.[28]
وبهذا، تكون إسرائيل قد انتقلت إلى مرحلة مأسسة الإعدام كسياسة رسمية ونهائية، بإقرار قانون عقوبة الإعدام الذي صُمم بآليات عنصرية تستهدف الفلسطينيين حصراً في المحاكم العسكرية. وتأتي هذه الخطوة لشرعنة عمليات القتل التي بلغت أرقاماً غير مسبوقة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 (أكثر من 72,329 شهيداً[29] في غزة، و1148 في الضفة)،[30] وفي ظل تحول السجون إلى معسكرات تعذيب استشهد فيها العشرات. وبذلك، وإذ تُضاف عقوبة الإعدام كأداة رسمية في صندوق الأدوات الاستعماري، تكتمل حلقة نظام الأبارتهايد القانوني، لتتوج مساراً بدأ بأنظمة الطوارئ لسنة 1945، ووصل إلى شرعنة التصفية الجسدية الممنهجة تحت غطاء القانون.
هندسة الأبارتهايد القضائي: التمييز العرقي في نصوص إنفاذ القانون وآلياته
جاء في نص القانون “إيقاع عقوبة الموت بحق كل شخص يتسبب عن قصد أو بسبب اللامبالة بوفاة مواطن إسرائيلي بدافع عنصري أو كراهية ولإلحاق الضرر بإسرائيل”،[31] وتتيح هذه الصيغة للحكومة الإسرائيلية إعدام الفلسطينيين، لكن لا يمكن في أي حال من الأحوال تطبيقها على أي إسرائيلي يقتل فلسطينياً.
كما تتيح الصيغة الفضفاضة للنص ملاحقة الفلسطينيين وإعدامهم، بينما توفر حصانة قانونية وممنهجة للمستوطنين واليهود الإسرائيليين؛ إذ يُطبَق التشريع في الضفة الغربية على المسجَلين في سجلات السلطة الفلسطينية حصراً، مستثنياً المستوطنين بصفتهم مواطنين إسرائيليين، بينما يستهدف فلسطينيي الداخل (الخط الأخضر) بموجب محددات أيديولوجية، كـ “معاداة الدولة أو الشعب اليهودي”، ويعفي اليهود حتى في حالات القتل العنصري.[32] وبذلك، ينتهك هذا القانون الحق في الحياة والمواثيق الدولية، ويحول المنظومة القضائية إلى أداة انتقام سياسي وتصفية مباشرة.
ويقضي قانون عقوبة الإعدام لسنة 2026 في تعديلاته النهائية بفرض الإعدام شنقاً كحكم إلزامي على كل من يُدان بالتسبب عمداً بمقتل إسرائيلي في عمل يُصنَف “إرهابياً”، أو بدافع “إنكار وجود الدولة”، مع حظر العفو أو تخفيف الحكم سياسياً. ولتسهيل التنفيذ، استحدث التشريع معايير إجرائية استثنائية لا تشترط الإجماع القضائي لإصدار الحكم، ولا تتطلب إذناً من النيابة العامة، مع إلزام مصلحة السجون بتنفيذه خلال 90 يوماً، وتُفرض هذه العقوبة في المحاكم العسكرية المخصصة للفلسطينيين، والتي تفتقر لضمانات العدالة، وتعتمد على اعترافات تُنتزع تحت التعذيب. كما يمنح القانون صلاحيات استثنائية لوزير الأمن ورئيس الحكومة بالتدخل في توقيت التنفيذ وتأجيله، محولاً المنظومة إلى أداة أمنية مُقوننة، ويفرض عزل المحكومين فوراً في زنازين انفرادية تحت الأرض مع حظر كامل للزيارات حتى لحظة الإعدام.[33]
الإعدام والتحديات القانونية
يمر تشريع القانون في إسرائيل بمسار معقد يبدأ بالقراءة التمهيدية، ثم الإحالة إلى اللجان المختصة للتحضير لثلاث قراءات متتالية قبل نشره في السجلات الرسمية كقانون نافذ. وعلى الرغم من الدعم السياسي الواسع في الحكومة الحالية، فقد واجه المشروع عقبات إجرائية وقانونية على الصعيدين المحلي والعالمي، إلاَّ إنه تجاوزها.
ويُعد قانون الإعدام الإسرائيلي قانوناً غير رجعي، إذ يقتصر تطبيقه حصراً على العمليات التي تُنفَذ بعد تاريخ المصادقة النهائية عليه في 31 آذار/مارس 2026. وبناءً عليه، يقتصر تطبيق القانون حصراً على العمليات المنفَذة بعد تاريخ المصادقة النهائية عليه، بينما يُستثنى الأسرى الحاليون في السجون، بما في ذلك “أسرى النخبة” من قطاع غزة أو الأسرى العرب (من لبنان وسورية) المعتقلون قبل هذا التاريخ. ومن الناحية الإجرائية، يُتوقع أن تستغرق أول حالة تنفيذ ممكنة بين عامين و3 أعوام، نظراً إلى طول فترات التحقيق والمحاكمة والاستئناف، وصولاً إلى مهلة الـ 90 يوماً المحددة للتنفيذ.[34]
وعلى الصعيد الدولي، وضع التشريع إسرائيل في تَعَارُضٍ مباشر مع المنظومة الجنائية الدولية، إذ تملك المحكمة الجنائية الدولية صلاحية النظر فيه كجريمة ضد الإنسانية تندرج ضمن ممارسات الأبارتهايد المحظورة في نظام روما الأساسي.[35] وعلاوة على ذلك، فإن محاولة فرض تشريعات البرلمان الإسرائيلي على السكان في الضفة الغربية، باعتبارها أرضاً محتلة تخضع قانوناً لسلطة القائد العسكري وليس للكنيست، يُعد انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني يرتقي إلى مستوى الضم الفعلي المكتمل الأركان وإنهاء الحالة الموقتة للاحتلال، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام المحاكم والمؤسسات الدولية لتعطيل هذا القانون وملاحقة تداعياته.[36]
أمَّا على الصعيد المحلي، فقد واجهت المحكمة العليا الإسرائيلية سيولاً من الالتماسات العاجلة التي قدمتها منظمات حقوقية مركزية كعدالة، وبتسيلم، وجمعية حقوق المواطن، معلنةً عدم دستورية التشريع من أساسه، ومخالفته للقوانين الأساسية وسلبه الحقوقَ الجوهرية.[37]
وتستند الالتماسات القانونية المرفوعة أمام المحكمة العليا إلى 4 دفوع رئيسية ومحددات دستورية:
- كون عقوبة الإعدام انتهاكاً مطلقاً وغير قابل للإصلاح للحق في الحياة والكرامة الإنسانية، وتفريغاً للعملية القضائية من جوهرها عبر تحويلها إلى أداة انتقامية وجعل العقوبة إلزامية مع تجريد القضاء من صلاحيات العفو والتخفيف.
- الدفع بالعنصرية البنيوية للتشريع الذي صيغ ليوفر حماية ممنهجة للمجرمين اليهود، ويستهدف الفلسطينيين حصراً، الأمر الذي يكرس نظام أبارتهايد قضائي يُنشئ منظومتين قانونيتين منفصلتين على أساس عرقي وقومي.[38]
- غياب المشروعية التشريعية للكنيست في الأراضي المحتلة، إذ تؤكد الالتماسات عدم امتلاك البرلمان الإسرائيلي سيادة تشريعية على سكان الضفة الغربية، وأن فرْض عقوبة الإعدام هناك يمثل ضماً قانونياً وإدارياً[39] يتنافى مع المادة 43 من لائحة لاهاي التي تقيد صلاحيات القوة المحتلة.[40]
- الطعن في موثوقية الأحكام الصادرة عن المحاكم العسكرية؛ إذ تحذِّر المنظمات من أن تنفيذ الإعدام بناءً على اعترافات تُنتزع تحت وطأة التعذيب والضغط النفسي في زنازين الشاباك يحوِّل هذه الأحكام إلى تصفية جسدية مغطاة قانونياً، ويجعل الخطأ القضائي حتمياً، ولا يمكن تداركه.[41]
ويكشف تحليل هذا القانون عن أبعاد جوهرية تؤكد خطورته الوجودية، وتتمثل في تكريس الأبارتهايد القانوني عبر إنشاء منظومة قضائية مزدوجة تمنح اليهود الحصانة، وتعدم الفلسطينيين بناءً على الهوية، إلى جانب تبييض الجريمة الميدانية، بمنح غطاء قانوني لعمليات القتل الممنهج داخل السجون، وتحويلها إلى أحكام ناجزة. وأخيراً، يفرض القانونُ الضمَّ القانونيَّ والسياديَّ (De jure Annexation)[42] للضفة الغربية عبر فرْض تشريعات الكنيست عليها.
خاتمة: القانون كجزء من مشروع حسم الصراع
تتجاوز المصادقة النهائية على قانون الإعدام لسنة 2026 اعتبارات الردع الأمني، لتمثل أداة سياسية لتصفية القضية الفلسطينية ومأسسة لخطة حسم الصراع التي يتبناها اليمين الصهيوني الديني التي تفترض أن “أرض إسرائيل للشعب اليهودي.”[43]
استراتيجياً، سيفضي القانون إلى نتائج أمنية عكسية؛ إذ سيحول الاعتقالات الميدانية إلى مواجهات دامية حتى الموت، ويحرم الاستخبارات من المعلومات لغياب دافع الاعتراف لدى الأسرى.[44] وسياسياً، يكرس التشريع سياسة الضم الزاحف، ويضع حلفاء إسرائيل في مأزق أخلاقي يعمق عزلتها الدولية.[45]
وبناءً عليه، لا يمثل هذا التشريع تعديلاً جنائياً، إنما هو استدعاء لبنية استعمارية تسلب الفلسطيني صفته كأسير حرب لإحلال صفة المجرم العرقي محله وشرعنة تصفيته. وعليه، فإن مواجهة هذا القانون تتطلب تجاوُز الالتماسات القانونية المحلية نحو بناء استراتيجيا دولية شاملة تُجرِّم التشريع كجريمة ضد الإنسانية، وتُفعِّل آليات المحاسبة والملاحقة الدولية لمنع تحويل السجون إلى مقاصل لشرعنة الإبادة الجماعية.
[1] “القانون الجزائي في فلسطين الانتدابية: نظام قمعي ذو أثر طويل الأمد“، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، تم الاطلاع في 8/4/2026.
[2] المصدر نفسه.
[3] المصدر نفسه.
[4] المصدر نفسه.
[5] “‘سجل المحكومين بالإعدام في فلسطين‘.. دراسة ثرية ومثيرة“، “القدس العربي”، 1/10/2017.
[6] نقابة المحامين-مركز القدس، “نظام الدفاع: الطوارئ لعام 1945“، تاريخ الإصدار 1945، فضا–جامعة بيرزيت، تم الاطلاع في 7/4/2026.
[7] “نظام الدفاع (الطوارئ) لسنة 1945” (صادر: القدس 22/8/1945)، الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية، تم الاطلاع في 7/4/2026.
[8] ياعيل بيردا، “التحكّم بـ ‘مجموعات الخطر‘: من ممارسات الطوارئ الكولونيالية إلى قوانين مكافحة الإرهاب في الهند وإسرائيل”، ترجمة نيروز ساتيك، “قضايا إسرائيلية”، العدد 63 (2016)، ص 103.
[9] محمد غازي الجمل، “ملف الأسرى…معادلة التحرير وجبهة الصراع الطويل مع الاحتلال“، “الجزيرة نت”، 29/1/2024.
[10] “القانون الجزائي في فلسطين الانتدابية…”، مصدر سبق ذكره
[11] عمار الدويك، “عقوبة الإعدام في فلسطين بين التشريعات السارية والمعايير الدولية”، سلسلة مشروع “تطوير القوانين” (7)، (رام الله: الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن)، ص 29، 30.
[12] المصدر نفسه.
[13] المصدر نفسه.
[14] “ماهر يونس.. من الإعدام إلى المؤبد“، “وكالة قدس نت للأنباء”، 14/5/2017.
[15] “ليبرمان: إعدام الأسرى أول اقتراح قانون في الكنيست القادمة“، “عرب 48″، 17/2/2015.
[16] المصدر نفسه.
[17] “ماذا يعني المصادقة على قانون ‘الإعدام بحق أسرى فلسطينيين‘؟“، كلية القانون والعلوم السياسية-جامعة النجاح الوطنية-نابلس، 8/1/2018.
[18] عوض الرجوب، “يحتاج مصادقات إضافية لتنفيذه… هذه بنود قانون إسرائيلي لتشريع إعدام أسرى فلسطينيين“، “الجزيرة نت”، 2/3/2023.
[19] عبد الناصر فراونة، “التطرف الإسرائيلي وقانون ‘إعدام المناضلين الفلسطينيين‘“،” مدونة الدراسات الفلسطينية”، 11/1/2023.
[20] الرجوب، مصدر سبق ذكره.
[21] فراونة، مصدر سبق ذكره.
[22] “بن غفير: يجب إطلاق الرصاص على رؤوس الأسرى الفلسطينيين“، “ألترا فلسطين”، 30/6/2024.
[23] “مؤسسات فلسطينية: 9600 أسير بسجون إسرائيل بينهم مئات من غزة“، “الجزيرة نت”، 7/4/2026.
[24] زين خليل، “إسرائيل تقر قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين“، وكالة الأناضول، 30/3/2026.
[25] المصدر نفسه.
[26] “إعدام الفلسطينيين يُصبح سياسة إسرائيل الرسمية” (بالعبرية)، بتسيلم-مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، 30/3/2026.
[27] “قانون إعدام الأسرى.. اليمين الإسرائيلي يحول خطاب الانتقام إلى تشريع مكتمل الأركان“، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 25/3/2026.
[28] “إعدام الفلسطينيين يُصبح سياسة إسرائيل الرسمية”، مصدر سبق ذكره.
[29] “ارتفاع حصيلة الشهداء في قطاع غزة إلى 72,329 والإصابات إلى 172,192 منذ بدء العدوان“، وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا)، 12/4/2026.
[30] “8 شهداء بغزة والضفة اليوم وحماس تدعو لردع المستوطنين“، “الجزيرة نت”، 11/4/2026.
[31] أحمد عبد القوي، “سؤال وجواب…ماذا نعرف عن قانون ‘إعدام الأسرى‘ الفلسطينيين؟“، “الجزيرة نت”، 31/3/2026.
[32] محمد وتد، “الزمان والمكان والحوامل والقصر…14 سؤالاً حول قانون إعدام الأسرى“، “الجزيرة نت”، 8/4/2026.
[33] “إعدام الفلسطينيين يُصبح سياسة إسرائيل الرسمية”، مصدر سبق ذكره.
[34] وتد، “الزمان والمكان…”، مصدر سبق ذكره.
[35] الأمم المتحدة، “نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية“، الأمم المتحدة، تم الاطلاع في 14/4/2026.
[36] وليد حباس، “الحكم العسكري في الضفة الغربية: من سياسة العصا والجزرة إلى سياسة العصا الغليظة وحسب!“، مركز المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية-مدار، ملحق المشهد، العدد 585 (2023)، 10/7/2023.
[37] “مشروع قانون يكرّس عقوبة الإعدام بحق الفلسطينيين يتقدّم نحو القراءة النهائية في الكنيست“، المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل-عدالة، 30/3/2026.
[38] المصدر نفسه.
[39] المصدر نفسه.
[40] “اللائحة المتعلقة بقوانين وأعراف الحرب البرية” (اتفاقية لاهاي 1907)، جامعة منيسوتا، مكتب حقوق الإنسان.
[41] “مشروع قانون يكرّس عقوبة الإعدام…”، مصدر سبق ذكره.
[42] “Questions and Answers: Israel’s De Facto Annexation of Palestinian Territory”, Al-Haq, 25/5/2021.
[43] محمد وتد، “كيف يؤثر التطرف الديني والسياسي في تشريعات الكنيست؟“، “الجزيرة نت”، 7/6/2024.
[44] وتد، “الزمان والمكان…”، مصدر سبق ذكره.
[45] المصدر نفسه.
عن المؤلف: جنى حسان: باحثة متدربة في مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وكاتبة صحافية.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية