سيغالوفيتش هو المنتهى الطبيعي لـ”نهج التأثير”

انتهاء “نهج التأثير” الذي تولى خلافته منصور عباس إلى النهاية التي انتهى إليها، بالتحالف مع يواف سيغالوفيتش، ضابط الاحتياط وقائد قسم التحقيقات والاستخبارات، ومؤسس وحدة “لاهف 433” في شرطة إسرائيل، ونائب وزير الأمن الداخلي لاحقا، بعد الرضوخ لشروطه بإدراجه في المكان الثاني في القائمة العربية الموحدة، والموافقة على الاعتراف بوضوح بإسرائيل دولة يهودية وديمقراطية “بما يتناسب مع قيم وثيقة الاستقلال”، ثم الانخراط في الخدمة الوطنية الإسرائيلية، من خلال “تطوير مسار للخدمة الوطنية-المدنية للشباب من المجتمع العربي، كجزء من سياسة تشجيع اندماج مدنية اكثر اتساعا في الدولة وصفوفها”، كما جاء في نصّها.

هذه النهاية البائسة ليس أنها تقطع القائمة العربية الموحدة عن جذورها العربية الإسلامية التي نبتت في التربة الفلسطينية فقط، بل تُحوّلها إلى نسخة مشوهه للقوائم العربية التي ارتبطت سابقا بـ”مباي” وحزب العمل في عهد الحكم العسكري.

ومن الواضح أن تأثير هذه الخطوة لا ينحصر في هذه القائمة ويتوقف عندها فقط، بل إنها ستترك تداعياتها على مجمل ما يسمى اصطلاحا “السياسة العربية في إسرائيل”، وخاصة الأحزاب والحركات التي تشارك في انتخابات الكنيست، لما تحدثه من صدع عميق في بنيانها المشترك، ومن أثر كبير في برنامجها السياسي الموحد وثوابتها الوطنية التي ترسخت عبر عقود من النضالات، وهي تعيدنا إلى عهد الانقسام الذي ساد الشارع العربي قبل كنس الأحزاب الصهيونية وتوابعها منه.

وفي هذا السياق نوافق مع تحليل رئيس المركز العربي اليهودي في جامعة حيفا، دورون نبوت، بأن خطوة ضم سيغالوفيتش للقائمة الموحدة لا تقتصر على ترسيخ الفصل بين القائمة الموحدة والحركة الإسلامية فقط… بل من شأنها أيضا أن تغير الخطاب السياسي في المجتمع العربي، وتنقله مما سماه “خطاب الهوية الاشتراطي” الذي أرساه عزمي بشارة في أواسط التسعينيات إلى ما وصفه بـ”خطاب الشراكة المسؤولة” الذي يقوده منصور عباس منذ عام 2020، والذي ينقل مركز الثقل، كما يقول، من المقاصد والظلم التاريخي وإبراز البعد المعادي للصهيونية في الهوية الفلسطينية، إلى ما يسميه “المسؤولية والنتائج وإبراز البعد الإسرائيلي في هوية الفلسطينيين في إسرائيل”.

وهو ما يترجم إلى لغتنا بأنه انسلاخ عن هويتنا الفلسطينية بما تحمله من إرث تاريخي، تجسّد النكبة أحد أحماله الثقيلة، وما تشترطه من تناقض وعداء تاريخي مع الصهيونية وملحقاتها، إلى الاندماج تحت يافطة المسؤولية وتحقيق الانجازات، بالهوية والواقع الإسرائيليين.

و الغريب في الأمر هو ما يحظى به هذا الخطاب الخطير من قبول وترويج لهذا النهج الذي أسفر عن هكذا خطوة، بين دوائر واسعة من المبشّرين والمستشرقين العاملين في “مؤسسات التعايش العربي اليهودي”، و”أقسام دراسات المجتمع العربي” في الجامعات ومراكز الأبحاث التي تدور في فلكها، وأوساط هامة من الأكاديميين والعاملين في مؤسسات المجتمع المدني العربية واليهودية، التي تحظى بالتمويل الأميركي والأوروبي، مما يحول جمهور الحركة الإسلامية والقائمة الموحدة وقاعدتها الشعبية إلى مجرد مصوتين صامتين، ويكشف عمن يقود ويسيّر هذا النهج، بل ويقود منصور عباس ذاته حقا.

والأخطر أن هذا النهج يُسوَّق على أنه السبيل الوحيد لإنقاذ المجتمع العربي الفلسطيني من خطر الفاشية المحدق، الذي باتت تمثله حكومة نتنياهو-بن غفير-سموترتش، والتخوبف من نكبة جديدة وتهجير محتمل سيحلان بنا إذا ما لم “نضع عقلنا في رأسنا”، ونهرع دون تفكير إلى صناديق الانتخابات الإسرائيلية ومن ثم نصوت بالضرورة لمنصور عباس رائد هذا النهج، كما يجب على الأحزاب الباقية أن “تتعقل” هي الأخرى، وتسير على هدى هذا الطريق قبل فوات الأوان.

ضمن هذه الأجواء، يصبح سيغالوفيتش برأي أستاذ جامعي معروف مثل رياض إغبارية “إنسانا متواضعا ويؤمن بالمساواة”، وذلك “بناء على معرفة شخصية”، و”الانفتاح عليه يخدم مصلحة شعبنا”، والانفتاح عليه هنا تجيء لتوصيف فعل التحالف الذي عقده معه منصور عباس، في حين يصبح انتقاد هذا الموقف ضربا من الانغلاق والجمود وربما التخلف السياسي والاجتماعي، ويتغطى الموقف الانهزامي الصريح بتأييد انضمام القائمة الموحدة لسيغالوفيتش بستار حرية إبداء الرأي، فأنا “لم أدْعُ إلى استسلام، ولم أطلب محوَ روايتنا، ولم أقل يوما إنّ علينا أن نبيع ثوابتنا مقابل مقعد أو منصب، كما أن الشهادة بنزاهة شخص ما ليست برنامجا سياسيا”، والاعتراف بإنسانية الآخر ليس تنازلا عن حقوقنا”، على حد قوله.

ولكن هذه الشهادة عندما تقدم شفيعا وإسباغا للشرعية على فعل مستنكر مثل التحالف مع سيغالوفيتش، وتنطق بموقف مؤيد لهذا التحالف ومبررا له، تصبح موقفا ساسيا يفترض أن يخضع هو وصاحبه للتشريح والنقاش، وإذا ما كان هذا الموقف خارجا عن المألوف السياسي فسيخضع حتما للتهجم والهجوم وإلى أبعد من ذلك في كثير من الأحيان.

هنا يقع نوع من التضليل تعمد إغبارية تمريره بالظهور كضحية قمع حرية إبداء الرأي، وليس كمن يجاهر بفعل علني ومكشوف بتأييد خطوة منصور عباس، وشرعنتها عبر تقديم شهادة شخصية بحق سيغالوفيتش، ويتقدم بذلك على أترابه الذين ينتمون إلى المدرسة نفسها، الذين برزوا بتعقيباتهم المؤيدة من أمثال ثابت أبو راس الذي قال: “كتبت واصبت ياصديقي ويا جبل ما يهزك ريح”، وسامر سويد: “مقالك يضع الاصبع على جرح نازف يمنعنا من خوض نقاش خارج التأطير”، وغيرهم الكثيرون ممن لا يتسع المجال لذكرهم، وذلك غير العشرات الذين لم يعقبوا.

واستمرارا في هذا التضليل يغالط إغبارية محتجا، على مسارعتنا قرن كلمة “شراكة” بأيّ شرط، أو بأيّ اسم يهودي، إلى وسمها بـ”الخيانة”، على حد قوله، في تجاهل تام لأن سيغالوفيتش ليس مجرد يهودي؛ بل هو ضابط احتياط كبير في شرطة إسرائيل ونائب وزير الأمن الداخلي السابق، ثم يفطن لاحقا إلى “أن الشراكة مع ’يهود صادقين’، على حد وصفه، ليست بدعة طارئة علينا، بل هي من أعرق تقاليدنا السياسية”، فيذهب إلى استذكار أسماء، “رفاق يهود دافعوا عن حقوقنا بلا تلعثم”، على حد وصفه؛ “مائير فيلنر، وتمار غوجانسكي، ودوف حنين، واليوم عوفر كاسيف”، دون أن يذكر أن أيا منهم لم يكن صهيونيا أو ضابط احتياط في شرطة إسرائيل أو نائبا لوزير أمن داخلي، وأنهم دافعوا عن قضية شعبنا الوطنية وحقه في إقامة دولته المستقلة في الضفة والقطاع على الأقل، ولم يشترطوا إسقاطها والتخلي عنها لهذا الدفاع، في حين أن سيغالوفيتش لا يمت إلى هذه المواقف بصلة.

عن عرب48

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *