حين تنقلب المعركة: الغضب الرقمي وتآكل البوصلة الوطنية

في لحظة تاريخية يواجه فيها الفلسطيني واحدة من أقسى مراحل القمع والعدوان، لا تقتصر المواجهة على ميادين الاشتباك ولا على جغرافيا الضفة والقطاع، بل تمتد إلى فضاء آخر أكثر اتساعًا وتأثيرًا: فضاء الخطاب العام ووسائل التواصل الاجتماعي. هناك، تتفجّر موجات من الغضب، وتتعالى أصوات التخوين والتعميم، حتى يبدو المشهد وكأن الصراع الأساسي لم يعد مع الاحتلال، بل داخل البيت الفلسطيني نفسه. وبين حق النقد وواجب المساءلة والمطالبة بالاصلاح ، تضيع أحيانًا البوصلة، ويتحوّل الغضب من طاقة مقاومة إلى أداة إنهاك، ومن فعل وعي إلى حالة استنزاف جماعي . هذا الامر يستدعي  تفكيك هذه الظاهرة، ليس دفاعًا عن أحد، بل دفاعًا عن فكرة أن المعركة على الوعي لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض.

أولاً : النقد  في مواجهة التخوين والافساد  :

لم يكن النقد يومًا مشكلة في التجربة الوطنية الفلسطينية، بل كان جزءًا أصيلًا من حيويتها وقدرتها على المراجعة والتصحيح. غير أن ما نشهده اليوم على وسائل التواصل الاجتماعي يتجاوز حدود النقد المسؤول، ويتحوّل في كثير من الأحيان إلى حالة من التعميم والتخوين والافساد ، تُختزل فيها التجربة الوطنية بكل تعقيداتها في شعارات حادّة، وأحكام جاهزة، واتهامات لا تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن تصفيق افتراضي.

هذه الظاهرة لا تنشأ في فراغ. فالقهر المتراكم، وطول أمد الاحتلال، وخيبات الأمل السياسية، كلها عوامل تدفع الناس إلى الغضب والتعبير عنه. لكن الخطورة تكمن حين يُوجَّه هذا الغضب في الاتجاه الخاطئ، وحين يصبح الفضاء الرقمي ساحة لتفريغه بلا وعي بنتائجه، وبلا تمييز بين نقد يهدف للإصلاح، وخطاب يهدم ما تبقى من ثقة جماعية.

إن أكثر ما يلفت النظر في هذا الخطاب هو تغييب الاحتلال كفاعل مركزي. فبدل أن تبقى جرائمه اليومية في الضفة والقطاع وفي كل مكان يتواجد فيه الفلسطيني  في صدارة المشهد، ينزلق النقاش العام إلى صراعات داخلية، تُقدَّم فيها مؤسسات العمل الوطني وفصائله بوصفها العدو الأول، أو الخطر الأكبر، في معادلة مقلوبة تخدم – بوعي أو من دونه – الرواية التي يسعى الاحتلال إلى ترسيخها: تفكيك المجتمع من الداخل، وضرب ثقته بذاته وبقدرته على الفعل الجماعي.

ولا يعني هذا الدعوة إلى تبرئة أي جهة من الأخطاء أو الفشل او الفساد  فالمساءلة واجب، والنقد حق. لكن النقد الذي يفقد بوصلته، ولا يراعي السياق، ولا يفرّق بين التقصير والخيانة، يتحوّل من أداة إصلاح إلى أداة إنهاك. وحين يُختزل الخطاب السياسي في “الجميع فاسد” و”الجميع خائن”، لا يبقى مجال للبناء، ولا إمكانية لاستعادة زمام المبادرة.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب يترك أثره العميق على وعي الناس، خاصة الأجيال الشابة، إذ يزرع شعورًا بالعجز واللاجدوى، ويغذّي قناعة بأن أي عمل وطني منظم محكوم عليه بالفشل سلفًا. وبهذا، لا يُضرب فصيل أو مؤسسة بعينها، بل تُضرب فكرة العمل الوطني نفسها، وتُفتح الطريق أمام التفكك واللامبالاة.

في زمن تتكثف فيه محاولات تصفية القضية، لا تبدو المعركة محصورة في الميدان وحده، بل تمتد إلى الوعي والخطاب والكلمة. فالكلمة ليست حيادية، والمنشور ليس بريئًا، وما يُقال اليوم على الشبكات ينعكس غدًا على القدرة على الصمود والفعل.

لسنا مطالبين بالصمت، ولا بتقديس أي تجربة أو جهة، لكننا مطالبون بالمسؤولية. مسؤولية أن نوجّه غضبنا نحو مصدره الحقيقي، وأن نجعل من النقد جسرًا للإصلاح لا معولًا للهدم، وأن نبقي الاحتلال – لا سواه – في قلب الاتهام. فالشعوب لا تُهزم فقط بالسلاح، بل حين تفقد بوصلتها، وتخاصم ذاتها، وتنسى من هو عدوها الأول.

    لا يمكن فصل ما يجري على شبكات التواصل عمّا يجري على الأرض . فالكلمة موقف، والخطاب فعل، وما نكرّسه اليوم في وعينا الجمعي سيحدّد شكل قدرتنا على الصمود غدًا. إن توجيه الغضب نحو الداخل بلا تمييز، وتفريغه في خطاب تخوين وافساد  شامل، لا يضعف خصومنا بقدر ما يضعفنا نحن، ويفتح شقوقًا في جدار المجتمع الذي يحاول الاحتلال منذ عقود هدمه. المطلوب ليس إسكات الأصوات ولا تعطيل النقد، بل استعادته إلى مكانه الطبيعي: أداة وعي ومساءلة وبناء. ففي زمن الاستنزاف الطويل، تصبح حماية البوصلة الوطنية فعل مقاومة بحد ذاته، ويغدو الوعي ساحة لا تقل أهمية عن أي ميدان آخر .

ثانياً :الألم الواحد الذي يجمع الفلسطينيين يكفي ليكون أساسًا لوحدة الموقف :

في الضفة الغربية، لا يكاد يمرّ ليل من دون اقتحام مدينة أو مخيم، ولا صباح من دون اعتقال شاب أو تشييع شهيد. تُحاصر القرى، تُقطع الطرق، ويُترك الناس فريسة للخوف والانتظار. وفي قطاع غزة، وبعد حرب ابادة مستمرة منذ أكثر من عامين يعيش أكثر من مليوني إنسان في الخيام  ، تحت حصار خانق، وعدوان متكرر، وواقع إنساني يُدار بالحد الأدنى من الحياة، حيث يتحوّل البقاء نفسه إلى معركة يومية. أمّا في القدس، فالصراع مفتوح على الوجود والهوية، من هدم البيوت إلى سحب الهويات، في محاولة دؤوبة لاقتلاع الإنسان من مكانه ، وتهويد هذا المكان .

وإلى جانب عمليات القتل اليومية التي تجري تحت أعين الحكومة والأجهزة الأمنية، يتعرّض الفلسطينيون داخل إسرائيل أيضا لجملة من الممارسات التي تعكس تمييزًا بنيويًا ممنهجًا، حيث يسود تقاعس واضح في محاسبة الجناة وانتشار العنف المنظّم في المجتمع الفلسطيني .

ورغم هذا المشهد القاسي، ينزلق جزء كبير من الخطاب العام إلى معارك جانبية، تُستبدل فيها مواجهة الاحتلال بمواجهة داخلية، ويُختزل فيها الغضب الشعبي في تخوين شامل لمؤسسات العمل الوطني وفصائله. كأن الألم الواحد الذي يجمع الفلسطينيين في الضفة والقطاع والقدس، لا يكفي ليكون أساسًا لوحدة الموقف، بل يتحوّل  إلى مادة للانقسام.

ولا يختلف الحال كثيرًا في الشتات. فالفلسطيني في مخيمات لبنان، أو في الأردن، او في سوريا ، أو في المنافي البعيدة، يحمل الجرح ذاته وإن اختلف شكله: تهميش، حرمان من الحقوق، خوف دائم على القضية من التصفية والنسيان. ومع ذلك، يُستدرج هو الآخر إلى خطاب يخاصم التجربة الوطنية برمتها، ويُحمّلها وحدها مسؤولية كل ما آلت إليه الأوضاع، في تجاهل متعمّد لحقيقة أن الشعب الفلسطيني بأكمله مستهدف، أينما وُجد، وبأدوات متعددة.

ثالثاً : الشتات جسرًا وفضاءً لتقريب المسافات لا لتكريس القطيعة :

لم يكن الشتات الفلسطيني يومًا خارج المعركة، ولا مجرّد امتداد جغرافي بعيد عن مركز الفعل، بل كان – في لحظات مفصلية – صمّام أمان وطني حين اشتدّ الخطر على وحدة. الشعب ومؤسساته. فمن رحم المخيمات والجامعات والروابط الفلسطينية في الخارج، تبلورت محاولات مبكرة للحفاظ على الإطار الجامع، ولمنع ذوبان الهوية الوطنية أو اختزالها في وقائع فرضها الاحتلال بالقوة. وفي مراحل كانت فيها الأرض تحت قبضة الاحتلال المباشرة، لعب الشتات دور الحاضنة السياسية والرمزية لفكرة التمثيل الوطني، وحافظ على حضور القضية في الوعي العربي والدولي، حين كان تغييبها أحد أهداف المشروع الاستعماري.

هذا الدور لم يكن سياسيًا فحسب، بل وجدانيًا أيضًا. فالشتات حمل الذاكرة حين مُنع أهل الداخل من روايتها، وحفظ الحلم حين ضاق به الواقع، وأعاد وصل ما حاول الاحتلال قطعه بين الفلسطيني وأخيه الفلسطيني. ولذلك، لم تكن المؤسسات الوطنية، في لحظات ضعفها أو استهدافها، مجرد هياكل تنظيمية، بل تعبيرًا عن حاجة شعب مشرذم إلى مرجعية تحمي وحدته، ويجد فيها نفسه رغم اختلاف الأمكنة والظروف.

من هنا، فإن خطورة الخطاب التفكيكي حين يتسرّب إلى الشتات تكمن في أنه يضرب هذا الدور في الصميم. فالشتات، بما يمتلكه من مساحة حركة وصوت وتأثير، قادر على أن يكون رافعة للوحدة أو، لا قدّر الله، أداة لتعميق الشرخ. وحين يُستدرج الفلسطيني في المنفى إلى تبنّي خطاب يعادي المؤسسات الوطنية جملةً، أو يوسّع الخلاف السياسي ليغدو عداءً بين أبناء الشعب الواحد، فإن ذلك لا يُضعف طرفًا بعينه، بل يُضعف الفكرة التي حمت الفلسطينيين طويلًا من التحوّل إلى جماعات متفرّقة بلا عنوان جامع.

لقد كانت وظيفة الشتات، تاريخيًا، أن يكون جسرًا لا خندقًا، وفضاءً لتقريب المسافات لا لتكريس القطيعة. وفي زمن تتكثف فيه محاولات تفريغ القضية من مضمونها، تصبح هذه الوظيفة أكثر إلحاحًا: حماية وحدة السردية الوطنية، والدفاع عن فكرة العمل الوطني المشترك، وعدم السماح بتحويل الاختلاف المشروع إلى كراهية داخلية مدمّرة.

فالجرح الفلسطيني واحد، وإن تنوّعت أمكنته، والمؤسسات الوطنية – مهما أصابها من ضعف أو قصور – تبقى إحدى تجليات هذا الجرح ومحاولات تضميده. والشتات، بما يحمله من ذاكرة ومسؤولية، مدعو اليوم أكثر من أي وقت مضى لأن يكون صوت العقل والوجدان، وحارس الوحدة الداخلية، لا شاهدًا على تفككها.

وفي الختام فإن المشكلة ليست في النقد، فالنقد حق وضرورة، بل في تحوّله إلى فعل تفكيك. حين يُقال إن الجميع خونة، وإن كل المؤسسات فاسدة، دون تمييز أو تحليل أو بدائل، فإن النتيجة ليست الإصلاح، بل ضرب الثقة الجماعية، وتجفيف أي أمل بإمكانية الفعل المشترك. وهكذا، يتحقق أحد أخطر أهداف الاحتلال : شعب مشغول بذاته، يشكّ في نفسه، ويعجز عن توحيد بوصلته.

إن الاحتلال، الذي يمارس القتل والحصار والاستيطان والتجويع، هو المستفيد الأول من هذا المشهد. فكل دقيقة ينشغل فيها الفلسطيني بتخوين أخيه، هي دقيقة إضافية تُرتكب فيها جريمة على الأرض بلا ضجيج. وكل مرة تُنزَع فيها الشرعية عن أي إطار وطني جامع، تتقدّم مشاريع التفكيك خطوة أخرى.

في زمن تتكثف فيه محاولات تصفية القضية، تصبح المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض. الكلمة هنا ليست رأيًا شخصيًا عابرًا، بل موقف سياسي له أثره. والاختلاف، مهما كان حادًا، لا ينبغي أن يتحوّل إلى قطيعة مع الذات الجماعية، ولا إلى نفي لكل تجربة نضالية باسم الغضب أو الخيبة.

لسنا مطالبين بالصمت، ولا بتقديس أحد، لكننا مطالبون بأن نتذكّر أن الجرح واحد، والهدف واحد، والشعب واحد. وأن نوجّه نقدنا حيث يجب، وأن نُبقي الاحتلال في قلب الاتهام، لا على هامشه. فالشعوب لا تُهزم فقط حين تُقهر، بل حين تنسى من يقهرها، وتختلف على نفسها أكثر مما تختلف على عدوها.

About The Author

1 thought on “حين تنقلب المعركة: الغضب الرقمي وتآكل البوصلة الوطنية

  1. هذا نصٌّ مهم لأنه يلتقط عَرَضًا حقيقيًا من أعراض لحظتنا الفلسطينية، لكنه يظل – من زاويتي – عند مستوى الظاهرة أكثر مما ينفذ إلى بنيتها العميقة.
    ما يصفه المقال بوصفه “غضبًا رقميًا” أو “انفلات خطاب التخوين” لا يمكن فهمه فقط كخطأ في توجيه الغضب، أو كخلل أخلاقي في السجال العام، بل كنتاج مباشر لحالة أعمق: تفكك السياسة نفسها وتحولها إلى إدارة بلا أفق. حين تُغلق السياسة، ويتحوّل الفعل الوطني إلى جهاز عاجز أو مُدار، لا يعود الغضب فائضًا أخلاقيًا يمكن تهذيبه بسهولة، بل يصبح أحد الأشكال البديلة الوحيدة للتعبير، مهما كان مشوّهًا أو مدمّرًا.
    قوة المقال أنه يُذكّر بخطر تحويل النقد إلى تفكيك شامل يضرب فكرة العمل الوطني ذاتها، ويُصيب في تحذيره من أن الاحتلال هو المستفيد الأول من هذا الانزلاق. لكن الإشكال أن النص يفترض – ضمنيًا – إمكانية استعادة “البوصلة” عبر ضبط الخطاب، أو إعادة توجيه الغضب، دون مساءلة كافية لشروط إنتاج هذا الغضب أصلًا. فحين يشعر الناس أن السياسة لم تعد مجالًا للفعل، وأن المؤسسات لا تفتح أفقًا بل تدير العجز، يصبح الفضاء الرقمي ليس انحرافًا، بل ملاذًا.
    من هنا، فإن معادلة “النقد vs التخوين” لا تكفي وحدها. السؤال الأعمق هو: لماذا تحوّل النقد نفسه إلى لغة هدم؟ ولماذا لم يعد يُترجم إلى مسارات تنظيمية أو سياسية؟ الإجابة لا تكمن فقط في أخلاق الخطاب، بل في واقع تُنزع فيه السياسة من المجتمع، ويُطلب من الناس الصمود دون أفق، والوحدة دون مشروع، والضبط دون مشاركة.
    إشارة المقال إلى الشتات بوصفه جسرًا لا خندقًا دقيقة ومهمة، لكنها بدورها تصطدم بنفس المعضلة: لا يمكن للشتات أن يكون جسرًا دائمًا إذا لم يكن هناك على الضفة الأخرى مشروع سياسي قابل للحياة، لا مجرد رمزية أو إدارة أزمة. فالخطر ليس فقط في خطاب التفكيك، بل في تحويل الوحدة نفسها إلى شعار بلا مضمون سياسي فعلي.
    باختصار، المقال محقّ في تشخيص الخطر، وفي التحذير من أن تخوين الذات يخدم الاحتلال. لكنه يحتاج – برأيي – إلى خطوة إضافية: الاعتراف بأن الغضب المنفلت ليس سبب الأزمة، بل أحد أعراضها. وأن حماية البوصلة الوطنية لا تكون فقط بالدعوة إلى المسؤولية الخطابية، بل بإعادة فتح السياسة ذاتها، كصراع وأفق وخيار، لا كإدارة وصبر طويل.
    فحين تغيب السياسة، لا يبقى للناس إلا الغضب. وحين يُطلب من الغضب أن يكون عقلانيًا دون أن يُمنح أفقًا، يتحوّل – بالضرورة – إلى سلاح يرتد إلى الداخل .

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *