حماس على حافة الهاوية – لكن إسرائيل لا تزال عاجزة عن تغيير الواقع في قطاع غزة

على الرغم من نجاح اغتيال اثنين من أبرز قادة حماس ، محمد عودة وعز الدين الحداد ، فإن الواقع في غزة لم يتغير جوهرياً . فرغم انهيار قيادة حماس ، لم تُنشئ إسرائيل بعدُ بديلاً سلطويا للفلسطينيين في القطاع . والآن ، يجب أن ننتقل من ملاحقة الأسماء والشخصيات البارزة إلى صياغة مستقبل اليوم التالي .
إن اغتيال محمد عودة ليس مجرد عملية اغتيال آخرى تضاف إلى قائمة الاغتيالات . إنها نهاية دائرة مع أحد رجال الاستخبارات الذين رسموا صورة معركة 7 أكتوبر . عودة ، الذي شغل منصب رئيس جهاز استخبارات حماس خلال المجزرة ، والذي تم تعينه لاحقا لمنصب رئيس الجناح العسكري ، كان مسؤولا عن مركب أساسي في تهيئة الأرضية : جمع المعلومات ، وتحليل نقاط الضعف ، وبناء صورة استخباراتية شاملة لقطاع غزة ، والقواعد ، والكيبوتسات ، والمستوطنات ، ومنظومات الدفاع .
هو لم يكن مجرد قائد آخر في التسلسل الهرمي القيادي ، بل كان جزءا من النظام الذي مكّن حماس من تحويل سنوات من الدراسة والمراقبة والتحضير إلى خطة هجوم دموية .
تم اغتيال عودة في هجوم بشمال قطاع غزة ، بعد أن شغل منصب رئيس الجناح العسكري لمدة 11 يوما في اعقاب اغتيال عز الدين حداد ، وكان في الوقت نفسه رئيسا لجهاز استخبارات الحركة .
ليس فقط إغلاق حساب ، بل عرقلة إعادة التنظيم أيضاً :
الأهمية ليست شخصية فحسب ، فإسرائيل حددت بدقة خط القيادة والتخطيط الذي قاد حماس في غزة حتى السابع من أكتوبر ، واستهدفته بشكل ممنهج على مدار العامين الاخيرين : محمد عودة، رئيس جهاز المخابرات وخليفة حداد ، الذي أصبح أحد كبار القادة العسكريين المتبقين في غزة . ورافع سلامة ، قائد لواء خان يونس والمقرب من محمد ضيف ، ومحمد شبانة ، قائد لواء رفح الذي تمت تصفيته مع محمد سنوار .
إلى جانب هؤلاء ، تم القضاء على قادة ألوية وقادة مناطق وعناصر استخبارات ولوجستيات وموظفين أو تحييدهم .
هذه ضربة لم تستهدف كبار الكوادر فحسب ، بل تستهدف أيضاً طبقة المعرفة والخبرة والسلطة والأسطورة التي بنت قوة حماس العسكرية في غزة.
هذا نجاح عسكري واستخباراتي غير مسبوق . فقد تمكنت دولة تعرضت لأعنف هجوم في تاريخها ، مع مرور الوقت وبإصرار ، من الوصول إلى كل من خطط وقاد ونفذ ومكّن الهجوم تقريباً . أطاحت هذه العملية بسلسلة قيادة حماس في غزة ، وفككت النخبة العسكرية ، وألحقت الضرر أيضاً بمن حاولوا استعادة ما تبقى من قوة التنظيم . ويبدو أن عودة، على غرار حداد من قبله ، لم يسعَ فوراً إلى إعادة حماس إلى سابق عهدها عشية السابع من أكتوبر ، بل كانت مهمته أكثر تواضعاً وخطورة : جمع ما تبقى من السلطة ، وتفعيل الخلايا ، والحفاظ على السيطرة ، وإثبات أن حماس لا تزال موجودة . وبهذا المعنى ، فإن القضاء عليه ليس مجرد تصفية حسابات ، بل هو أيضاً إحباط لمحاولة أعادة تنظيم الحركة .
لكن في مقابل النجاح العسكري اللافت ، لا يزال هناك غياب لخطوة مكملة تترجم هذا النجاح إلى واقع مختلف في غزة . لقد تعرض الجناح العسكري لحركة حماس لضربة قاسية جدا كهيكل تنظيمي منظم ، لكنه ما زال موجودا على الأرض . ليس كجيش إرهابي منظم كما كان قبل الحرب ، بل بصيغة أكثر نحافة ، وأكثر سرية ، وأكثر محلية .
إنه يقوم على آلية من الخوف ، وتوزيع الموارد ، والسيطرة على الشارع ، والسلاح ، والمال ، والعلاقات العائلية والعشائرية والمحلية . هذه حماس أقل ظهورا ، وأقل هرمية ، وأقل اعتمادا على الرموز ، لكنها ليست بالضرورة أقل خطورة . فمثل هذا التنظيم لا يحتاج دائما إلى قيادة مركزية منظمة لكي يفرض سيطرته . ففي بعض الأحيان يكفي شخص مسلح ، ومستودع للغذاء ، وقائمة من الموالين ، وقدرة على معاقبة من يخرج عن الخط المرسوم .
في الوقت نفسه ، كلما تفكك هرم القيادة في غزة ، قد ينتقل مركز ثقل حماس إلى الخارج : إلى قيادة الحركة في الخارج ، وإلى مراكز التمويل والوساطة والدعاية والعلاقات الإقليمية . وبعبارة أخرى ، حتى إذا تعرضت حماس في غزة لضربة قاصمة ، فإن حماس كحركة لا تزال تبحث عن طريقة للبقاء . فقد تحاول استبدال القادة بالوسطاء ، والكتائب بشبكات التمويل ، والقيادة العسكرية بسيطرة غير مباشرة على المساعدات والولاءات والخوف . وهذا لا يعني عودة إلى حماس نفسها التي كانت موجودة سابقا ، بل محاولة للتكيف مع الواقع الجديد : سيطرة عسكرية علنية أقل ، واعتماد أكبر على ظهير سياسي ومالي واقليمي .
لذلك فإن مسألة الحسم لا تتعلق فقط بمن تمت تصفيته ، بل أيضا بمن سيحل محله . فإذا لم يوجد في غزة جهاز آخر قادر على توزيع الغذاء ، وفرض النظام العام ، والحفاظ على الأمن المحلي ، ومنع حماس من إعادة فرض سيطرتها على الشارع ، فإنه حتى التنظيم الضعيف يستطيع أن يعود . وهنا يكمن بالضبط خطر النجاح الذي لا يترجم إلى واقع مختلف.
لقد صفّت إسرائيل حسابها مع كثير من قادة السابع من أكتوبر ، لكنها لم تُنهِ بعد المنظومة التي مكنتهم من السيطرة . فقد أسقطت القيادة ، لكنها لم تُنشئ بعد بديلا حاكما . وألحقت ضررا بالغا بالهرم العسكري ، لكن الأرضية التي تقف عليها حماس والمتمثلة في الخوف ، والاعتماد عليها ، والمال ، والسلاح ، وغياب البديل لم تُفكك بالكامل بعد .
سيتعين على إسرائيل أن تثبت لنفسها أنها قادرة على إيجاد بديل :
يتمثل التحدي الآن في تحويل هذا الإنجاز إلى واقع مستقر : عبر فصل حماس عن مصادر قوتها ، ونقل مركز الاهتمام من ملاحقة الأسماء والأشخاص إلى تشكيل واقع ” اليوم التالي” .
إنها فرصة لم تكن متاحة حتى قبل عام . فحماس في غزة أصبحت أضعف وأكثر عزلة وأقل تنظيما . وإذا تمت ترجمة الإنجاز العسكري إلى مسار سياسي ومدني وأمني متماسك ، فقد يتحول من نقطة نهاية لحساب دموي إلى نقطة بداية لتغيير حقيقي .
إن اختبار إسرائيل لا يقتصر على إثبات قدرتها على الوصول إلى الأشخاص الذين خططوا أو أسهموا في أحداث السابع من أكتوبر ، فهذا أمر ترى أنها أثبتته بالفعل . أما الاختبار الحقيقي فهو أن تُظهر قدرتها على منع المنظومة التي بنتهم من النهوض مرة اخرى .
موقع واللا العبري