تطبيع دون توقيع لماذا لا تحتاج إسرائيل إلى معاهدة سلام مع السعودية

مقدمة: الجائزة الكبرى

شكلت  زيارة ولي العهد السعودي الى واشنطن في الشهر الماضي مناسبة لتكرار سؤال قديم- جديد عما إذا كان الكيان الصهيوني قد اقترب من قطف  ما يسميه الإعلام الصهيوني “الجائزة الكبرى”ثم أتى الخلاف الإماراتي السعودي الأخير حول اليمن لتبدو (او هكذا ظن البعض) ان الرياض تتصدى لمحاولة تطويقها شمالا وجنوبا،  ولهذا وجب بيان الحقيقة  التي يتجاهلها كثيرون، هي أن إسرائيل لا تلهث خلف أي توقيع مع الرياض، لأنها ببساطة حصلت على معظم (إن لم يكن كل) المكاسب التي تمنحها المعاهدة من دون أن تدفع أي ثمن، وهنا تكمن المفارقة الكبرى: السلام يُمارس دون أن يُكتب ويكفي أن يتحقق كسياسة أمر واقع؛ تُمارس بهدوء، وتُشرْعن بالوقت، وتُنسي قضية القدس (المركزية كما يصفوها) تدريجيًا في ذاكرة الشعوب.

إن أخطر ما قد يواجه الشعوب ليس الهزيمة الصريحة، بل الهزيمة التي تُغلَّف في الصمت، وبعناوين براقة مثل التنمية والاستقرار والتحديث الاقتصادي والرؤيه “الثاقبه” للمستقبل.

 سنحاول في هذا المقال تفكيك هذا الامر الذي لا يخلو من التعقيد وبيان أن الحديث عن اشتراط سعودي ورفض إسرائيلي هو إخراج مسرحي لواقع حال يستفيد منه كل من الكيان الصهيوني ونظام الحكم في الرياض

 مساران مختلفان: “وإذا خلوا إلى شياطينهم

 لا يمكن فهم ما يجري في السياسه العربيه الا بالفصل بينما يقال وما يجري فعلا؛ وهذا وقع شاذ ومرير برز في ايام ملوك الطوائف و أعيد انتاجه في القرن العشرين، ولذلك لا ينبغي الالتفات كثيرا الى ما يقال (للاستهلاك المحلي) وإنما النظر الى السياق العام ومجريات الأحداث بالنظر الى مسارها عبر عقود وليس ايام وشهور.

والمؤلم في الامر ان وصلنا الى مرحلة طبّعنا مع هذا الوضع الشاذ الذي انفصم فيه الخطاب عن الواقع وصرنا نصدق الخطاب لأننا لا نريد أن نصدق الواقع.

تعاون في كل المجالات

حقيقة الامر يجب ان نتحدث عن تعاون كمرحلة تتجاوز التطبيع. إن التعاون العربي بشكل عام والسعودي بشكل خاص مع الكيان الصهيوني هو في مراحل متقدمة في كل المجالات التجارية والسياسية  الأمنية والاستخباراتية  بشكل لا يمكن أن يقع إلا بين الحلفاء، و قد لا يكون من المبالغة أن يقال إن هذا التحالف  للاسف لا يوجد بين أي دولتين عربيتين. وتجنبا للاستطراد فإننا نحيل القارئ الكريم الى المراجع في نهاية هذا المقال للاستزادة والاطلاع، ولكن ما يهمنا هنا ان نؤكد ان هذا التعاون لا يمكن أن يكون إلا بين دولتين تتمتعان بسلام دافئ لذلك فان الحديث عن معاهدة سلام يصبح  ضمن لزوم ما لا يلزم.

تاريخ طويل من الخذلان: “يسارعون فيهم

 ان الناظر الى السياسه السعوديه الرسميه يجد خطابا رسميا يشترط إقامة دولة فلسطينية كشرط للتطبيع مع الكيان الصهيوني وان كان هذا الاشتراط قد خف كثيرا وصار الحديث عن مسار (حقيقي) لدولة فلسطينية دون حديث عن امور اخرى اهم مثل القدس واللاجئين، ولكن الحقيقة المرة أن السياسات الفعلية هي متماهية مع المشروع الصهيوني ونفصل:

فقد شكلت مبادرة فهد للسلام التي بدأ الحديث عنها عام 1981 ثم أعلنت رسميا في خريف 1982 في حقيقه الامر هدية مجانية كسرت الحاجز الرسمي للاعتراف بالكيان الصهيوني ولا ننسى انها اتت بعد اجتياح لبنان واحتلال بيروت وهذه المبادرة لو نظرنا لها بتجرد فهي مبادرة خارج السياق،  ثم كان أن أتت مبادرة عبد الله التي سميت المبادرة العربية للسلام عام 2002 في سياق الهروب السعودي من تبعات 11 سبتمبر وكان الثمن الأمثل (والأكبر) هو على حساب حقوق الأمة في فلسطين،  وهذه المبادرة فإنها (رغم رفض العدو الصهيوني لها) أتت بمثابة هدية اخرى غير منتظرة وظهرت في قراءتها الاولى ممعنة في التفريط فلم تكتف بالاعتراف بالكيان فقد تجاهلت حق العودة والمستوطنات والقدس، وان صدرت ترقيعات لاحقا. ثم كان أن شهدنا تقزيماً لقضية فلسطين والقدس في عهد الملك الحالي وابنه كما لم نرى من قبل، حتى انه قال بصراحة في 2022 ان انه يريد السلام مع الكيان الصهيوني لأنه حليف (محتمل).  ولا ننسى في هذا السياق تصريحات كاشفة من السفير السعودي في بريطانيا في 2018 في اكسفورد حيث بيّن انها دولة لا علاقة لها بالدين وإنما مجموعة من البدو الذين قهروا القبائل الأخرى وحكموهم. وحتى لا يكون هناك شك (في نفوس من يريدون أن يصدقوا أن السعودية هي حامية السنة الشريفة ومأرز السلفية النقية) فإنه أكد ذلك مرة أخرى في حديث مع البي بي سي في 2024.

طرفان فائزان

 نحن إذا امام كيان صهيوني يتمدد ويتوسع بدعم عربي سري وبعضه علني وهذا يحقق للكيان الصهيوني ما يريد وفي نفس الوقت يحقق لنظام الحكم في الرياض علاقه متميزه مع مع امريكا التي هي حليفه الاستراتيجي والاوحد  منذ 80 عاما مع تطوير الشعار من النفط مقابل الحماية إلى (النفط وخدمة المصالح الأمريكية مقابل حماية)!

 أما الرواية التي تسوق للشعب فهي التي تُظهر نظام الحكم بالعصي على الضغوط  ووضع شرط  اقامة دولة فلسطينية ولم يلتزم بها العدو؛ لذلك لا سلام (علني) معه!

 والسؤال الآخر هو ما الذي سيخسره الكيان الصهيوني إذا لم يتم توقيع اتفاق علني وتبادل سفراء ورفع علم الكيان في الرياض؟ الحقيقة ان الخسائر محدودة وقد يظن البعض أن عدم وقوع ذلك يمنع دول إسلامية كثيرة من إقامة علاقات مباشرة مع الكيان الصهيوني وهذا قد يكون صحيحا اذا صدقنا ما نسميه مسار التصريحات، لأن التطبيع مع معظم الدول العربية والإسلامية هو واقع حال ومن لم يطبع فإن ذلك هو خشية ردود فعل داخلية فقط.

يسارعون إلى الإثم

 لا تكتمل الصوره في هذا المقام دون استذكار الأوراق الكثيرة التي يمتلكها النظام السعودي والذي يستخدمها فقط عندما يوجه نقد له (وهو شديد الحساسية للنقد كما يعرف القارئ الكريم) لأسباب مختلفة مثل انتقاد سجل السعودية في حقوق الإنسان أو فتح ملفات فساد على أعلى المستوى مثل بريطانيا  2006 (وقف التعاون الاستخباري وإلغاء عقود تسليحية مستقبلية)، والسويد 2015 (تجميد علاقات)، وألمانيا 2017 (تعليق عقود)، وكندا 2018 ( طرد سفير، عقوبات) ، قطر 2017–2021 (حصار شامل) الخ. لكن هذا النفوذ لم يُستخدم يومًا ضد  الكيان بل لم يستخدم ضد من دنّسوا القرآن الكريم وشتموا الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وليتهم توقّفوا عند ذلك ففي ذات الوقت تجري ملاحقة والتنكيل بكل من يقوم بأي نشاط مؤازر للقدس والاقصى في أرض الحرمين لضمان التطبيع دون مقاومة او معارضه شعبيه.

ولا نحتاج أن نتحدث كثيرا في المليارات التي تنفق من قبل الرياض وأبو ظبي لإجهاض أي تحول ديمقراطي في أي دولة عربية .

خاتمة

اتت عملية طوفان الاقصى وما تبعها من مجازر وإبادة جماعية لتسقط ورقة التوت عن النظام الرسمي العربي ولتطرح تساؤلات مهمة أي من هذه الأنظمة هو ليس في صف الأعداء؟ كذلك السؤال المصيري والوجودي عن مستقبل الإنسان العربي وكرامته

لم يكن العجز يومًا هو المشكلة، بل القرار؛ فالسلطة التي أوقفت تحقيقًا جنائيًا في قلب لندن، وابتزّت حكومات، وخنقت دولًا، قررت أن تفقد ذاكرتها ونفوذها أمام إسرائيل وحدها. هنا لا تُدار دول بل تُدار أنظمة تشتري بقائها بثمن فلسطين.

المراجع

تعاون استخباري عربي شامل مع الكيان الصهيوني خلال الحرب على غزة.

https://www.icij.org/news/2025/10/arab-states-deepened-military-ties-with-israel-while-denouncing-gaza-war-leak-reveals

 تعاون استخباري سعودي صهيوني

https://www.alestiklal.net/ar/article/dep-news-1599773927

المزيد عن التعاون الاستخباراتي

https://www.alaraby.co.uk/politics/هآرتس-السعودية-والإمارات-وإسرائيل-تتقاسم-المعلومات-الاستخبارية-بانتظام

تحليلات أكاديمية تشير إلى أن العلاقة تجاوزت الفرضيات التقليدية إلى تنسيق أمني وتقني واقتصادي عملي

https://www.inss.org.il/publication/normalization

اعتراف وزير الطاقة الصهيوني بمحادثات مباشرة مع السعودية

دراسات تحليلية تشير إلى أن العلاقات السعودية–الإسرائيلية تشمل إمكانيات للتعاون في:الاقتصاد والطاقة

والتكنولوجيا:

https://www.ynetnews.com/opinions-analysis/article/hksavmyaxe

تحليل أكاديمي يتضمن توثيقات سرّية عن توسع التعاون الاستخباراتي والمشاورات الأمنية بين السعودية وإسرائيل منذ بداية الربيع العربي، خصوصًا في مواجهة إيران والتهديدات المشتركة

مركز أبحاث INSS الإسرائيلي يشير إلى أن السعودية تمضي ببطء نحو “تطبيع زاحف” مع إسرائيل، بما في ذلك في مجالات الأمن والتعاون الاستراتيجي، رغم عدم وجود علاقة رسمية حتى الآن.

https://www.inss.org.il/publication/normalization

عن الطريق البري

https://www.bloomberg.com/news/articles/2024-02-02/land-routes-via-uae-saudi-arabia-tested-to-bypass-houthi-menaced-red-sea?embedded-checkout=true

 شركات صهيونية تعمل في السعودية

https://www.newsrael.com/posts/5o16fcm69l7

شركات تعمل بدون معاهدة سلام

https://en.globes.co.il/en/article-under-the-radar-israeli-cyber-cos-operating-in-saudi-arabia-1001511844

مبادرة فهد 1982 – أول كسر عربي لجدار الرفض. نص المبادرة – وثائق الأمم المتحدة:

https://www.un.org/unispal/document/auto-insert-209344

في مقابلة مع The Atlantic بتاريخ 3 مارس/آذار 2022، قال ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بوضوح: «إسرائيل ليست عدواً، بل حليفًا محتملاً» ،المصدر:

https://www.theatlantic.com/international/archive/2022/03/mohammed-bin-salman-interview/623363

الازمة مع كندا

https://www.theatlantic.com/international/archive/2018/08/two-words-from-canada-just-made-saudi-arabia-furious/566870

تصريح كاشف – الحكم بالقوة لا بالشعار الديني. في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، قال سفير السعودية  في بريطانيا آنذاك خالد بن بندر بن سلطان في مقابلة  في اكسفورد: «العائلة المالكة في السعودية تحكم لأنها انتصرت في صراعها مع قبائل أخرى، وليس لأنها قامت على أساس ديني أو شعار إسلامي»..

تقرير حول تصريح خالد بندر بالعربيه.

https://arabi21.com/story/1428842

دراسة عن السلام بين الكيان الصهيوني والرياض:

https://www.allstudyjournal.com/article/840/4-3-37-133.pdf

عن الخط البري المار عبر السعودية رغم الحرب:

https://www.jns.org/uae-israel-land-corridor-operating-despite-war

تحليل لمبادرة السلام العربية من مركز القدس (صهيوني) للأمن والسياسة الخارجية.

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *