بين الإبادة الجماعية والفصل العنصري : هكذا تبدو الانتخابات التي تتجه إليها إسرائيل

لقد قرر هذا الكنيست المروع أخيرا حلّ نفسه. إسرائيل تتجه إلى انتخابات . لكن حول ماذا بالضبط ؟ الضجيج هائل ، والإخفاقات بلا نهاية ، والموت يرقص في الشوارع ونتنياهو ما زال هنا . من المشكوك فيه أنه كانت هناك يوما حكومة بهذا القدر من عدم الجدارة ، ومع ذلك ما زالت تملك فرصة للبقاء .
ومن شدة الفوضى ، لم يعد واضحا لك إن كنت أكثر تأييدا أم أكثر معارضة . سلسلة غير قصيرة من “النجوم” الحقيقيين والمصطنعين ، يفردون ريش طواويسهم الباهتة للاستعراض . يطلبون ثقتك كي يخونوك بمهارة تفوق مهارة خصومهم .
ألف شعار يُطلق في الهواء بالفعل ، ومن الصعب التركيز على الجوهر . ولذلك ومن أجل الناخب الحائر والمراقب المرتبك ، إليكم خريطة الانتخابات .
في الطبقة العليا، الخارجية والمعلنة ، يُقام العرض الكبير لـ”نجوم” إسرائيل . السياسة تتحول إلى برنامج تلفزيون واقعي ، منافسة بين الأنا والمخاوف والصور الإعلامية . من يبدو أكثر قيادة ، ومن قتل عددا أكبر من العرب.
لا أحد يطرح أفكارا أو قيما أو بدائل حقيقية. فقط المزيد من الشيء نفسه ولكن بصيغة مختلفة قليلا . الأحزاب لا تمتلك أي رؤية فكرية حقيقية ، بل أصبحت مجرد منصات تسويقية لتلميع صورة العارض الذي يقف على رأسها .
يكاد لا يوجد ناخبون يصوتون لأيديولوجيا . بعضهم لا يهتم أصلا ، أما الآخرون فلا يُعرض عليهم مثل هذا “المنتج ” أساساً . وداخل هذه الثقافة الفرعية ، يتم اختيار المدير التنفيذي الأكثر كفاءة ، أو المرشح الأقل سوءا ، لا أكثر .
أسفل هذا السيرك تغلي طبقة أثقل وأكثر سمية ، السؤال الأزلي : نعم أم لا نتنياهو ؟ لسنوات تمكن هذا الرجل المُزيّف من فعل أخطر ما يمكن أن يفعله سياسي بالديمقراطية . أن يُحوّل نفسه إلى شمس يدور حولها النظام السياسي بأكمله . كملك فرنسي مُطلق ، أقنع نفسه وجماعته من المُعجبين بأنه هو الدولة .
توقف مؤيدوه عن التساؤل عما هو صواب وما هو لائق ، وما هو خطأ وما هو فاحش . وانصبّ اهتمامهم على سؤال واحد فقط : ما هو الخير لنتنياهو ؟ أما معارضوه فتوقفوا عن التساؤل عن نوع المجتمع الذي يريدونه ، وانصبّ اهتمامهم على تحدٍّ محدود : كيف نتخلص من هذه الحثالة ؟ وهكذا تفككت إسرائيل من دولة تتطلب نقاشا سياسيا حول قضايا وجودية عالقة ، إلى جماعات متناحرة ، لكل منها عبادة شخصية هنا ، وهوس بشخصية أخرى هناك . حالة من الهوس الجماعي تجاه شخص واحد . لا وجود لمشاكل الحدود ، أو الاحتلال ، أو الاقتصاد ، أو التمييز ، أو العنف ، أو الجريمة ، أو الفساد ، أو العدالة ، أو السلام . فقط نعم لبيبي، لا لبيبي .
لكن هذه الطبقة هي ليست القصة الحقيقية أيضاً . فخلف الصراع من أجل نتنياهو تكمن حقيقة أشدّ وطأة : لقد استسلم النظام السياسي الإسرائيلي برمته تقريبًا لحقيقة أن الفلسطينيين لن ينالوا أبدًا حرية حقيقية بين البحر والأردن . وأن الإسرائيليين اليهود سيبقون إلى الأبد عالقين في براثن هذا العداء . وهنا تنتهي الخلافات الرئيسية بين الكتلتين . لم يعد اليمين الإسرائيلي يشعر بالخجل مما كان يحاول إخفاءه . يتحدث علنًا عن التهجير ، ويعمل على تنفيذه . تعمل ميليشيات المستوطنين بروح الوزراء وأعضاء الكنيست “لتطهير” الأراضي المحتلة ، ومحو القرى والتجمعات السكانية .
فرضُ الجوع ، والتهجير ، والدمار الشامل ، إلى أن تُستكمل كارثة عام 1948. دولة إسرائيل بوصفها المدرج الشرقي لفريق “بيتار” النقي إلى الأبد . لقد أطلقت حرب أكتوبر لدى هؤلاء الدوافع الأكثر ظلامًا . لم تعد هناك أي محاولة للتظاهر أو الإخفاء .
سنوات الاحتلال والحصار ، ونزع الإنسانية قد نضجت ثمارها ، وأصبح قسم كبير من الجمهور يصوّت اليوم لسياسيين يحلمون بالإبادة الجماعية ، يأكلون الكعك المزخرف بحبال المشانق ، ويحققون حلمهم بالتهجير القسري أينما أمكن .
وفي مواجهة ذلك تقف “البديل” المزعوم . ليبرالية ظاهريًا وظاهريًا جدا . لأنها منذ زمن لم تعد بديلا قيميا حقيقيا ، بل مجرد أسلوب أكثر تهذيبا لإدارة الواقع ذاته. صحيح أنهم يبدون صدمتهم ويدينون خصومهم من اليمين ، لكن أياً منهم لا يمتلك الحد الأدنى من الشجاعة اللازمة لطرح بديل كامل لفظائع إسرائيل .
إن التصويت لهم ليس تصويتًا لجرائم الإبادة والترحيل التي يمثلها اليمين، بل تصويت لجريمة أخرى : الأبارتهايد . فهم يريدون احتلالًا تحرسه المحكمة العليا، وتمييزا مغلفاً بالأدب، وتفوّقا يهودياً بلغة دستورية أكثر نعومة .
وهذا هو الفارق الحقيقي اليوم بين قطاعات واسعة من “الوسط” وبين اليمين : ليس خلافًا على جوهر السيطرة، بل على شكلها الجمالي وطريقة عرضها.
وتلك هي الخلاصة الحزينة : الانتخابات الحقيقية هي بين الإبادة الجماعية والأبارتهايد وهم يسمّون ذلك “حكومة صهيونية” .
في كل انتخابات يُخيفوننا بأنها الانتخابات الأكثر مصيرية . وهذه المرة هي بالفعل مصيرية، لكنها أيضًا أكثر مأساوية من أي وقت مضى .
ملايين الإسرائيليين سيتوجهون إلى صناديق الاقتراع وهم يعتقدون أنهم يختارون بين بدائل مختلفة ، بينما الحقيقة أن أحدا تقريبا لا يطرح مخرجا حقيقيا من الطرق المسدودة .
لا توجد قوة سياسية مؤثرة مستعدة لأن تقول الحقيقة الأكثر بساطة : لن يكون هناك مستقبل طبيعي لدولة تسيطر إلى الأبد ، وبوحشية غير مسبوقة ، على الفلسطينيين . وما رأيناه حتى الآن ليس سوى مقدمة . فالنظام بأكمله سيتحول بالضرورة إلى نظام أكثر عنفا وفسادا وقسوة . وهذا ليس فشلا أخلاقيا عابرا ، بل هو المنطق الداخلي لهذا النظام نفسه .
وبين يائير جولان الذي يمثل “اليسار الصهيوني” الداعي إلى “تعزيز الانفصال المدني (وليس العسكري) في الضفة الغربية” ، وبين افيغدور ليبرمان وما هو أبعد منه يمينا ، تبدو المسافة صغيرة جدا ، إن كانت موجودة أصلا ،
خمسون درجة من اليمين.
لذلك، فالانتخابات القادمة ليست اختيارا بين مستقبلات مختلفة ، بل بين درجات متفاوتة من الإنكار ، بين من يقدّس العنف الذي يقوم عليه النظام علنا ، وبين من يفضّل تغليفه بلغة أكثر تهذيباً واعتدالاً .
وربما تكون هذه هي الهزيمة الأعمق للمجتمع الإسرائيلي اليوم : ليس فقط أنه فقد السلام بل فقد حتى القدرة على تخيّله . لا ينبغي التصويت لهم . فالبديل موجود خارجهم لكنه لا يناسب الصهاينة الجبناء .
موقع واللا العبري