عدتُ أول أمس من جولة شملت ثلاث دول أوروبية: هولندا وألمانيا وبلجيكا، شاركت خلالها في مؤتمر عُقد في العاصمة البلجيكية بروكسل، بهدف تشكيل تحالف قانوني وإعلامي وإطلاق حملة لملاحقة جرائم الاستيطان في الضفة الغربية، شارك فيه نخبة من المختصين من داخل فلسطين والعالم العربي. ومن جهتي، كصوت من داخل منطقة الـ48، تحدثتُ عن جذور الاستيطان الإرهابي الجاري في الضفة وغزة، وعن ارتباطه بالمشروع الصهيوني الذي بدأ داخل المنطقة المحتلة عام 1948.

هذه هي زيارتي الثانية خلال هذا العام إلى عدد من الدول الأوروبية، وقد أتاحت لي فرصة الالتقاء بالعديد من النشطاء الفلسطينيين والأكاديميين والمثقفين والإعلاميين، والخروج بثلاثة انطباعات أساسية:

أولا: من يقود التضامن مع فلسطين في أوروبا؟

على خلاف الصورة التي تصلنا في الداخل، التي توحي بأن المظاهرات الضخمة المؤيدة لفلسطين تقودها الجاليات الفلسطينية، وأن هذه الجاليات تشكل جسما موحدا، فإن الواقع أكثر تعقيدا. ففي غالبية الأحيان، يتصدر الأوروبيون هذه المظاهرات ويقودون الحراك، فيما تعاني الجاليات الفلسطينية من الانقسام، كما هو حال الفلسطينيين في الداخل.

وروى لي ناشط فلسطيني، وهو مناضل قديم في صفوف حركة فتح، تخلّى عنها لاحقا، وظل ناشطا في العمل الشعبي في هولندا حتى ثلاث سنوات مضت، أنه فوجئ عندما شارك في مظاهرة كبيرة في أمستردام قبل أشهر، بأن الغالبية الساحقة من المشاركين كانوا هولنديين.

فقلت له: “أليس هذا هو المطلوب تحديدا؟ أن تخرج الشعوب بعشرات الآلاف، بدلا من أن يقتصر الحراك على عدد محدود من النشطاء الفلسطينيين والعرب واليساريين الراديكاليين؟”، فأجاب بأن ذلك صحيح، لكن غياب حضور فلسطيني موحد وقوي يجعل قطاعات واسعة من هذه الجماهير تتحرك بدافع إنساني لا سياسي؛ ولذلك ثمة حاجة إلى تعميق معرفتها السياسية بالقضية الفلسطينية حتى يتطور دورها ويصبح قادرا على ممارسة الضغط وتغيير سياسات الحكومات.

وفي ظل كارثية “سلطة أوسلو”، وغياب الجسم الوطني البديل الموحد، نفقد فرصا مهمة لتوسيع التضامن وتحويله إلى قوة سياسية ضاغطة. لذلك يظل التحدي أمام الجاليات الفلسطينية ونشطائها وقادتها هو كيفية إتقان العمل الجماعي، خاصة أن الساحات الغربية، رغم الملاحقات من قبل الحكومات، تتيح مساحات أكبر للعمل الشعبي والسياسي والقانوني.

ثانيا: الثمن الذي يدفعه النشطاء الفلسطينيون في أوروبا

رغم الانقسام وما يخلّفه من مرارة وإحباط، هناك نشطاء ومناضلون فلسطينيون لا يكلّون عن العمل، ويتحملون أعباء مالية وجسدية واجتماعية، فضلا عن الغياب عن أسرهم وتعطيل أعمالهم.

والناشط الإعلامي أحمد فراسيني مثال على ذلك، فقد سافر إلى جنيف لحضور اجتماع، وعاد في اليوم التالي، ثم أدار مؤتمر بروكسل حول الاستيطان لمدة ساعتين ونصف. وفي اليوم التالي، ورغم معاناته من أوجاع الظهر، قاد سيارته بنفسه لمدة ثلاث ساعات ونصف، وكنت برفقته، إلى مدينة لاهاي في هولندا، بمشاركة ناشط قيادي فلسطيني اضطر إلى التغيب عن عمله وصحفيَّيْن اثنين؛ وذلك للمشاركة في مظاهرة ضد تعذيب الأسرى الفلسطينيين، وتسليم وثيقة إلى المدعي العام بشأن ضرورة فتح ملف الأسرى في المحكمة الجنائية الدولية.

أردت نقل هذه الصورة لأن كثيرين في الداخل يتذرعون بالانشغال بكسب الرزق أو بأسباب أخرى لتبرير غيابهم عن النشاط الوطني، في الوقت الذي لا يتأخر بعضهم عن حضور الأعراس والمناسبات الاجتماعية التي تستغرق ساعات طويلة، بل مئات الساعات خلال الصيف الواحد، وكثيرا ما يشيد هؤلاء بالمظاهرات في الخارج دون أن يدركوا حجم الأعباء والتضحيات التي يتحملها النشطاء الذين يقفون وراءها.

ثالثا: الانتخابات في الداخل ودور فلسطينيي الـ48

لفت انتباهي في لقاءاتي الأوروبية، كما في زياراتي السابقة إلى الضفة الغربية، وخاصة رام الله وبيت لحم والقدس، وجود اهتمام كبير مشترك بالانتخابات الإسرائيلية ودور فلسطينيي الداخل فيها.

هناك رغبة واسعة في سقوط حكومة المجرم نتنياهو، وإن كانت توجد أصوات ترى أن بقاءها قد يكون أقل سوءا من مجيء حكومة بديلة تواصل السياسات الإبادية ذاتها، لكنها تعتمد أساليب أكثر مراوغة وتحظى بفيض من القبول لدى الغرب.

وقد لمست تعويلا من جانبهم على فلسطينيي الداخل في إسقاط الحكم الحالي، ولكنني سمعت في المقابل إدانة شديدة لنهج الحركة الإسلامية الجنوبية؛ وتساءل البعض بغضب ومرارة: “ما طبيعة هؤلاء البشر؟ كيف يمكن لفلسطيني أن يقبل بأن يكون في حكومة إبادية؟!”.

وهناك بالطبع حركة المقاطعة (BDS)، التي تؤدي دورا مهما في مقاطعة إسرائيل، ولا تؤيد مشاركة فلسطينيي الداخل في الانتخابات الإسرائيلية، لكنها لم تدعُ إلى مقاطعتهم لها، إدراكا لخصوصية واقعهم وتعقيداته. فهذا الواقع السياسي الذي يعيشه فلسطينيو الـ48 ينتج، من جهة، وعيا سياسيا عميقا ونهجا صداميا، ومن جهة أخرى، وعيا مشوها وخطيرا يسمى “التأثير من الداخل”.

وتأتي مسألة شطب القوائم العربية وشطب ترشيح سامي أبو شحادة ومطالبته بالانسحاب من الترشيح قبل الوصول إلى المحكمة العليا لتشكل جزءا من هذا الواقع المركب، وهي تطورات تستدعي إعادة التفكير في المقاربات السياسية المعتمدة حتى الآن، والتي أدت دورها لكنها باتت تحتاج إلى مقاربات مختلفة وأكثر فاعلية لمواجهة الخطر الكامن.

إن رفض سامي أبو شحادة وحزب التجمع سحب الترشيح من التداول بشأنها في المحكمة العليا هو جزء من مواجهة هذه المنظومة الصهيونية، التي تشكل المحكمة العليا إحدى واجهاتها أمام الغرب، لكن حين تتعرى إسرائيل أمام العالم، فإننا نحتاج إلى أكثر من مجرد الإصرار على مواجهة المحكمة العليا، نحتاج إلى مواجهة المنظومة كلها بين النهر والبحر.

هذا ما ينتظر الجسم السياسي العربي داخل الخط الأخضر بعد الانتخابات، وما يفرضه عليه التعامل مع نتائجها، فالعمل على إسقاط اليمين الفاشي الحالي ينبغي ألا يكون الغاية النهائية، بل مدخلا لإعادة تشكيل القوة السياسية والشعبية القادرة على مواجهة أي حكومة بديلة لا تختلف في جوهر سياساتها عن الحكومة الحالية.

وأعتقد أن هذه هي رغبة الغالبية الساحقة من أبناء شعبنا في الداخل والخارج: ألا تنتهي المعركة عند إسقاط حكومة، بل أن تتحول إلى فرصة لاستعادة الفعل السياسي الوطني، وبناء قوة جماعية قادرة على مواجهة المشروع الصهيوني برمته.

عن عرب48

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *