الولايات المتحدة وإسرائيل: قراءة أولى لبعض عواقب الإبادة الجماعية في غزة

نبذة مختصرة: 

لا شك في أن إسرائيل، خلال نحو عامين منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 حتى نهاية سنة 2025 ، نجحت في تأكيد تفوقها العسكري الميداني والتكنولوجي على جميع القوى الفاعلة المناهضة لها. كما أثبتت قدرتها على استخدام أقصى درجات القوة من دون أن يردعها القانون الدولي، أو تقيّدها أي اعتبارات إنسانية، أو يعوقها الاستهجان الشعبي العالمي، بما في ذلك من بعض أقرب حلفائها. واللافت أيضاً أنه لم يطرأ أي تصدُّع واضح أو جوهري في علاقاتها مع أي طرف دولي رئيسي، بما في ذلك الدول العربية التي وقّعت معاهدات سلام أو طبّعت علاقاتها معها. ومع ذلك، تبرز حقائق أُخرى لا بد من أخذها بعين الاعتبار.

النص الكامل: 

حرب وجودية: إعادة ضبط الردع الإسرائيلي

من منطلق إسرائيل، كانت حرب غزة حرباً وجودية، ليس لأن 7 تشرين الأول / أكتوبر أثار جدياً احتمال إنزال هزيمة عسكرية بها، بل لأن مبرر وجودها نفسه كان مهدداً، ولأنه تحدى مغزى المشروع الصهيوني، وهزَّ الأسس التي قامت عليها الدولة. وأياً تكن الأساطير التي رُوِيت لإقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنه يواجه خطر الفناء خلال السنوات 1948، و1967، أو 1973، فإن إيمان المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية بقدراتها العسكرية، وشعورها بتفوقها “الحضاري”، وثقتها بعجز خصومها، كان يقلّص دائماً من وقع تلك الخرافات.

لكن تشرين الأول / أكتوبر 2023 أيقظ هاجساً أشد خطورة من المنظور الصهيوني: فإذا كان الجيش الإسرائيلي عاجزاً عن حماية اليهود في داخل إسرائيل، فلن يكون لإسرائيل سبب للوجود؛ كما أن الملاذ الآمن، وشبكة الأمان، والفكرة التي فحواها: “إذا ساءت الأمور، فهناك دائماً إسرائيل”، وجواز السفر الثاني المتاح بلا اشتراط متطلبات المواطنة، أمور انهارت كلها أمام هجوم عسكري محدود شنّته قوة أقل شأناً كثيراً، لم تكتفِ بتجاوز التدابير التكنولوجية والتكتيكية الاحترازية التي تتخذها إسرائيل، بل باغتت القوات الإسرائيلية وأذلّتها‏ على أرضها في عملية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً منذ سنة 1948.

ولهذا، فإن هجوم إسرائيل الوحشي على غزة، والمنفلت من أي قيود، لم يكن مجرد عمل انتقامي رداً على هجمات “حماس” على المدنيين الإسرائيليين، بل محاولة لاستعادة الأسس الأيديولوجية والأخلاقية للدولة في نظر اليهود الإسرائيليين والمجتمع اليهودي العالمي. وهكذا، كان تأييد الجمهور الإسرائيلي شبه الكامل لحرب الإبادة الجماعية انعكاساً للحاجة إلى حماية الرواية الصهيونية وإعادة ترسيخها، مع الكشف في الوقت نفسه وبشكل غير مقصود، عن طبيعتها الحقيقية.[1]

وهناك صلة بين هذا كله وإعادة الضبط الاستراتيجية لمفهوم الردع الإسرائيلي. فـ “الردع” في أبسط صوره، يهدف إلى شلّ إرادة الخصم عبر جعله يخشى أن يخسر أكثر ممّا يكسب إذا بادر إلى تحرك عدائي أو سلسلة من التحركات ضمن نطاق معين من الخيارات أو مستويات التصعيد. فعلى سبيل المثال، افترضت عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد” (MAD) في المجال النووي خلال الحرب الباردة، أن كل طرف سيرتدع عن استخدام الأسلحة النووية بحجة أن الرد الانتقامي الناتج من ذلك سيسبب خسارة فادحة لكليهما.

وتهدف إسرائيل من خلال حربها على غزة إلى أن تؤكد تحررها التام من أي ردع متبادل مع أي طرف، حتى على أدنى مستوى. وإذا كانت إسرائيل قد رُدعت سابقاً عن مهاجمة غزة أو إيران أو حزب الله بسبب التكلفة المتصوَّرة المحتملة، واستعاضت عن الحرب الشاملة بضربات محدودة تُعرف بـ “جزّ العشب”، فإن ردّها الحالي على 7 تشرين الأول / أكتوبر يهدف إلى إثبات أن قواعد اللعبة تغيرت، وأن جهوزيتها لاستخدام القوة لا يحدّها شيء، وأنها مستعدة لتحمّل التكلفة مهما تكن. النية من ذلك واضحة وهي اجتثاث روح المقاومة لدى الفلسطينيين بجميع أطيافهم وبشكل نهائي، وإخضاع جميع الأطراف الإقليمية الأُخرى لإرادتها. ومن الآن فصاعداً، الرسالة هي: “إسرائيل باتت عصية على الردع”، وهي مستعدة لملاحقة أعدائها إلى أبعد الحدود بلا قيد أو سقف زمني. لكن هذا الطموح له تكاليفه وحدوده. 

اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة

من أبرز جوانب حرب غزة هو أنها كشفت مدى اعتماد إسرائيل على نحو شبه كامل على الدعم العسكري والسياسي من الولايات المتحدة، والذي لولاه لكان مجمل مجهودها الحربي مهدداً بالفشل والانهيار. فبين تشرين الأول / أكتوبر 2023 وأيلول / سبتمبر 2025، استخدمت إدارتا بايدن وترامب على التوالي حقّ النقض (الفيتو) ضد ستة قرارات متتالية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، كي تؤمّن لإسرائيل غطاء سياسياً وأخلاقياً واضحاً لمواصلة حملتها من دون قيود أو تكاليف دولية.[2] وقد عارضت الولايات المتحدة إحالة أفعال إسرائيل إلى محكمة العدل الدولية على أساس “حقها في الدفاع عن النفس”، بل ذهبت إلى حد فرض عقوبات على مسؤولي المحكمة الجنائية الدولية الذين سعوا لمحاسبة مسؤولين إسرائيليين على جرائم الحرب في غزة.[3]

فعلى الصعيد العسكري، وفي مواجهة عدو أصغر تعداداً بما لا يُقارن، ويفتقر إلى جميع المقومات الأساسية للحرب الحديثة من حيث التكنولوجيا والأسلحة المتقدمة، وتطوِّقه من جميع الجهات إسرائيل وقوى أُخرى لا تُعدّ صديقة له، وليس لديه أي وسيلة للحصول على إمداد خارجي أو دعم عسكري مباشر، ولا يمتلك عمقاً استراتيجياً (باستثناء بعض العمق التكتيكي في الأنفاق تحت الأرض)، ويفتقر إلى أي قدرات جوية أو بحرية ذات مغزى، وهو عرضة لجميع الوسائل الحديثة للمراقبة والكشف والمطاردة الإلكترونية على مدار الساعة وكل يوم، احتاج الجيش الإسرائيلي مع ذلك إلى مساعدة عسكرية أميركية عظيمة بلغت قيمتها 21,7 مليار دولار[4] على مدار العامين الماضيين من دون أن يتمكن من تحقيق هدفه الأساسي المعلن والمتمثل في تدمير الوجود العسكري لـ “حماس” وهيئاتها الحكومية.[5]

ونظراً إلى أن كثيراً من صفقات الأسلحة مخصص للتسليم في المستقبل، فإنه يصعب التحقق بدقة ممّا جرى تسليمه فعلاً، وما هو مؤجل لتسليمه لاحقاً. ومع أن الولايات المتحدة لم تُصدر قائمة رسمية كاملة بالمعدات التي زوّدت بها إسرائيل منذ تشرين الأول / أكتوبر 2023، إلّا إنه حتى حزيران / يونيو 2024 شملت صفقات الأسلحة التي زُوّدت إسرائيل بها: 14,000 قنبلة ‏MK-84‎‏ زنة 2000 رطل؛ 6500 قنبلة زنة 500 رطل؛ 3000 صاروخ جو – أرض موجّه بدقة من طراز ‏Hellfire؛ 1000 قنبلة خارقة للتحصينات؛ 2600 قنبلة صغيرة القطر تُلقى من الجو.[6] ووفقاً لوزارة الدفاع الإسرائيلية، فقد نقلت 500 رحلة جوية أميركية، و107 شحنات بحرية، بحلول آب / أغسطس 2024 فقط أكثر من 50,000 طن من المعدات العسكرية، بما في ذلك “المركبات المدرعة، والذخائر، ومعدات الحماية الشخصية، والمعدات الطبية”، والتي وُصفت بأنها “ضرورية للحفاظ على القدرات العملانية للجيش الإسرائيلي خلال الحرب الجارية.”[7] وهكذا خلصت إحدى مؤسسات الأبحاث الأميركية البارزة مؤخراً إلى ما يلي:[8] 

لولا ما قدمته الولايات المتحدة من المال والأسلحة والدعم السياسي، لما تمكّن الجيش الإسرائيلي من إحداث هذا الدمار بسرعة وعلى نطاق واسع في الأرواح والبُنية التحتية في غزة، أو من تصعيد حربه بسهولة إلى المستوى الإقليمي عبر قصف سورية ولبنان وقطر وإيران. فمن دون الدعم الأميركي، ما كانت الحكومة الإسرائيلية لتملك طائرات مقاتلة لإسقاط القنابل، ولكان مخزونها من القنابل محدوداً جداً. وكان سيتم تعطيل قسم متزايد من معداتها لإحالتها إلى الصيانة لو لم تزودها الحكومة الأميركية أو شركات أميركية متعاقدة بالميكانيكيين وقطع الغيار. وعلاوة على ذلك، ما كانت إسرائيل لتستطيع بناء جيش بهذا الحجم وبهذا المستوى من التطور لولا الدعم المالي الأميركي. وحتى الآن، لم تُقدم الحكومة الأميركية على وقف القتل عبر قطع المساعدات العسكرية أو مبيعات الأسلحة أو تسليمها، أو عبر وقف تقديم المساعدة في مجال الصيانة وقطع الغيار. 

ترامب وانحياز في المحور الإقليمي

في ضوء هذا الاعتماد الاستراتيجي، يُطرح السؤال: هل لموقف إسرائيل الرادع الجديد أي وزن عسكري أو سياسي حقيقي من دون ثقل الولايات المتحدة خلفه؟ في الواقع، كانت إحدى النتائج البارزة لحرب غزة وتداعياتها انحيازاً واضحاً في المحور الإقليمي وفي العلاقات الأميركية / الإسرائيلية / الخليجية، بطريقة لا يبدو أنه يصبّ في مصلحة إسرائيل.

من المنظور الأميركي، وخصوصاً من منظور إدارة ترامب الثانية التي ترفع شعار “أميركا أولاً”، أو “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” ‎(Make America Great Again)‎، قد تكون إسرائيل مفيدة، لكن هذه الإفادة محدودة الأهمية. وفي نظر ترامب، فإن إسرائيل تأخذ ولا تعطي؛ فهي تأخذ المال والمساعدات العسكرية، وتطالب بالتدخل العسكري الأميركي لمصلحتها، وبحرّية التصرف وفق ما تراه ملائماً، بغضّ النظر عن الاعتبارات الأميركية الخاصة (مثلما اتّضح في الهجوم الإسرائيلي على قطر في أيلول / سبتمبر 2025).[9] أمّا ما تدّعي إسرائيل تقديمه في المقابل فلا يثير اهتمام ترامب كثيراً. فالحرب على الإرهاب لم تعد أولوية على جدول أعمال الولايات المتحدة، والدور السابق لإسرائيل بصفتها “حاملة طائرات” إقليمية أميركية انتهى منذ زمن، وحلّت محلها دول أُخرى مثل قطر والبحرين. ومع تراجع حزب الله، وانحسار التوسّع الإيراني، وتحوّل سورية ما بعد الأسد نحو الانضمام إلى الفلك الأميركي، فقدت ادعاءات إسرائيل بشأن “القيم المشتركة”، وكونها “الديمقراطية الوحيدة في المنطقة”، كثيراً من جاذبيتها، مقارنة بتريليون دولار عرض محمد بن سلمان استثمارها في الولايات المتحدة بعد لقائه ترامب في واشنطن في تشرين الثاني / نوفمبر 2025.[10]

وهناك جانب آخر لهذا الانحياز في المحور الإقليمي: فمحاولة إسرائيل إعادة تشكيل المنطقة بالقوة، وفرض موقفها الرادع الجديد على جميع الأطراف، كان لهما أثر سلبي تمثَّل في إبعاد الشركاء المحتملين عنها، وحشد الرافضين لإملاءاتها ضدها.[11] فمن ناحية، رفعت فظائع إسرائيل في غزة، ومن دون أي شكّ، سقف التطبيع السعودي الذي بدا قريب المنال قبل 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023. وهكذا حصل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على الصفقة الأمنية التي أرادها مع الولايات المتحدة من دون الحاجة إلى التطبيع مع إسرائيل مثلما كان متوقعاً. ومن ناحية أُخرى، فإن المسعى الأميركي / الإسرائيلي منذ فترة طويلة لتوحيد “الدول السنّية” العربية ضد إيران وامتداداتها فَقَدَ مبرره، إذ لم تعد هذه الدول ترى في إيران درجة التهديد نفسها كما في السابق، وبات يُنظر إلى الهيمنة الاستراتيجية لإسرائيل على أنها تهديد مساوٍ، إن لم يكن أكبر من التهديد الإيراني المفترض. والحقيقة أن الرياض ودولاً خليجية أُخرى بادرت إلى تطبيع علاقاتها مع طهران إلى حد كبير قبل حرب غزة، ويُقال إنها نصحت الولايات المتحدة بعدم الانضمام إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في حزيران / يونيو الماضي.[12]

يجب عدم إساءة فهم ذلك، أو تفسيره بصورة خطأ. فهذا لا يعني أن إسرائيل فقدت مكانتها في التحالف الإقليمي الأميركي، أو أن الولايات المتحدة توشك أن تتخلّى عن تعاطفها ودعمها المؤسساتي الراسخ لإسرائيل، أو عن تسامحها المزمن مع غطرسة إسرائيل وتجاوزاتها، ولا يعني أيضاً أن الأطراف العربية التي نسجت علاقات معها ستتراجع عنها الآن، بل إن ما كان يُعدّ تحالفاً فريداً قد أعيد تشكيله: فقد تحولت علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل من علاقة كان فيها دعم إسرائيل داخل المؤسسة السياسية الأميركية غير مشكوك فيه (ما يُسمى “ثنائي الحزب” أي يحظى بتأييد الحزبين الكبيرين) إلى علاقة تتبنّى فيها الولايات المتحدة – مع ترامب – موقف “أنتم مدينون لنا” بدلاً من “نحن مدينون لكم”. وفي هذا السياق، وجدت الدول العربية، وخصوصاً دول الخليج، طريقاً لبناء علاقات استراتيجية مع واشنطن لا تحتاج إلى معاداة إيران علناً، ولا تمر بالضرورة عبر تل أبيب. 

إسرائيل في المشهد الأميركي الداخلي

مثلما انحاز المحور الإقليمي، شهد موقع إسرائيل في الولايات المتحدة تحولاً كبيراً يكاد يكون جذرياً. ففي النظام السياسي الأميركي، يصوّت المجتمع اليهودي بأغلبية ساحقة للديمقراطيين بغضّ النظر عن مدى ميل ترامب نحو إسرائيل، وهو يدرك تماماً هذا “الجحود”، بينما يبقى الإنجيليون والقوميون المسيحيون – الذين يشكلون قاعدته النشطة – مؤيدين له في كل الأحوال، مهما يكن موقفه من إسرائيل.[13] ومن هذا المنظور، فإن دعم إسرائيل لا يمنحه أي ميزة انتخابية أو شعبية ملموسة من حيث الأصوات، وإن كان من المهم الإشارة إلى أن المانحين “الكبار” المؤيدين لإسرائيل أدوا دوراً رئيسياً في إبقائه ملتزماً تجاهها.[14]

ومع ذلك، برز داخل حركة “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” الترامبية تيار مهم يعبّر بقوة متزايدة عن معارضته لإسرائيل، ليس فقط كردّة فعل على تجاوزاتها في حربها على غزة، بل أيضاً لأنه يرى أن قصف ترامب لإيران في حزيران / يونيو 2025 كان محاولة إسرائيلية لجرّ الولايات المتحدة إلى حرب لا مصلحة لها فيها. ومن هذا المنطلق، يُوصف نفوذ إسرائيل بأنه خبيث، ويُتهم مؤيدوها التقليديون داخل المؤسسة الجمهورية بأنهم ليسوا مجرد “عملاء أجانب”، بل يضعون مصلحة إسرائيل “أولاً” بدلاً من أميركا أولاً.[15] وفي الجانب المقابل من الطيف السياسي الأميركي، انتقلت القاعدة الديمقراطية انتقالاً حاداً من مجرد انتقاد السياسات الإسرائيلية إلى المطالبة الصريحة باتخاذ إجراءات عقابية ضد إسرائيل ومسؤوليها.[16] فحتى معاداة الصهيونية في العلن لم تعد بالضرورة ذات تكلفة سياسية، حتى في “مدينة يهودية” مثل نيويورك، مثلما تجلّى في نجاح زهران ممداني المناهض لإسرائيل في أن يُنتخب عمدة لنيويورك في تشرين الثاني / نوفمبر 2025.[17] وإلى ذلك، يجب أن نضيف أنه حتى داخل الحركة الإنجيلية التي تُعدّ أعمق مخزونات التعاطف والتحالف مع إسرائيل، حدث تحول جيلي كبير يُنذر بتراجع الدعم الشعبي لإسرائيل داخل الولايات المتحدة.[18] وهذا كله يشير إلى احتمال حدوث تحول مهم في تعاطف الأميركيين مع إسرائيل وتسامحهم معها، إذ تأثر الجيل الشاب (بمَن في ذلك اليهود الأميركيون) بتجربة غزة، ومن المرجح أن يترك ذلك أثراً دائماً في نظرته إلى الصراع، وخصوصاً مع ارتقاء هذا الجيل إلى مواقع السلطة والحكم الأميركيَّين خلال الأعوام المقبلة.

في الواقع، وإدراكاً منها أن الأرض تهتزّ تحت أقدامها، شنّت إسرائيل وحلفاؤها التقليديون داخل الحزب الجمهوري وإدارة ترامب هجوماً مضاداً شرساً، في محاولة للحدّ من خسائرهم واستعادة ما استطاعوا من قوتهم وهيمنتهم السابقة. وفي هذه المعركة، جرى توظيف تهمة “معاداة السامية” واستخدامها سلاحاً لمعاقبة الأفراد – مثل الطلاب المتظاهرين – والمؤسسات الأكاديمية لوقوفهم ضد الإبادة الجماعية في غزة،[19] بينما أُطلقت حملة جديدة تهدف إلى إعادة السيطرة على وسائل الإعلام وأدوات النشر العام. وفي هذا السياق، وُجهت أصابع الاتهام إلى منصة تيك توك باعتبارها مسؤولة عن “إفساد” الجيل الشاب بسبب تغطيتها المباشرة لمجازر الحرب، كما جرى الاستحواذ على وسائل إعلام رئيسية مثل “سي. بي. إس.” (CBS) لإعادة فرض السيطرة على سردية الأحداث واستعادة ما فُقد من تأثير لدى الأجيال الأكبر سناً.[20]

غير أن استخدام تهمة “معاداة السامية” كسلاح سياسي يبدو بعيداً عن تحقيق أهدافه؛ أولاً لأنه يكشف عن مقاصده الأيديولوجية الواضحة، وثانياً لأنه عاجز عن ترميم ما انهدم بعد أن أفلت زمام سردية الأحداث من يد إسرائيل، وثالثاً لأن قطاعاً واسعاً ممّن يُفترض أن يدافع عنهم هذا الخطاب – أي الجالية اليهودية الأميركية – يدركون تماماً زيف مقاصده، وأن حصيلته لا تجلب لهم سوى الضرر. والواقع أن الدوافع الحقيقية وراء هذه الحملة لا ترتبط مباشرة بفلسطين أو إسرائيل، بل هي جزء من الحرب الأيديولوجية والسياسية والثقافية العميقة التي تلتهم الولايات المتحدة، والتي تتجاوز مجرد التنافس الانتخابي بين الديمقراطيين والجمهوريين. إنها حرب على جوهر الكيان الأميركي نفسه: على معنى تاريخه وتداعياته (من إرث العبودية السوداء إلى إبادة السكان الأصليين)، وعلى قِيَمه المعلنة (مثل “حرية التعبير”)، وعلى طابعه الإثني والديني (مع صعود “القومية المسيحية”)، وعلى أسس الحكم والتوازن بين مؤسساته، بل حتى على تفسير الدستور ذاته، بين أمور أُخرى.

ومن غير المرجح أن يستمر استغلال “معاداة السامية” في النقاش الداخلي الأميركي، إذ يواجه عقبات ثقافية ودستورية وسياسية عديدة، ليس أقلّها معركة “حرية التعبير”. وحتى إن استمر، فلن يؤدي إلّا إلى إبقاء قضية العلاقات الأميركية – الإسرائيلية تحت مجهر الرأي العام، في وقت فقدت هذه العلاقة مكانتها شبه المقدسة، ومن المرجح أن يؤدي مزيد من التدقيق والنقاش إلى الإضرار بمصالح إسرائيل بدلاً من خدمتها. فالحقيقة أن “تأييد إسرائيل” بات يعني عملياً: تأييد حرب الإبادة، وتكميم الأفواه في الجامعات، وسجن منظمي الاحتجاجات المشروعة، والتلاعب بقوانين الهجرة – كما في قضية الطالب في جامعة كولومبيا محمود خليل – وهو ما لا يُتوقع أن يكون رصيداً طويل الأمد في إعادة تشكيل العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة. 

مسار جديد؟

في هذا السياق، برزت أسئلة جوهرية عن مستقبل اعتماد إسرائيل الاستراتيجي على الولايات المتحدة، وإمكان تطور العلاقة بين الطرفين بعيداً عن مسارها التقليدي. فترامب وحركته “لنجعل أميركا عظيمة من جديد” ليسا ثوابت دائمة، ولا أحد يستطيع أن يتنبّأ كيف ستسير الأعوام الثلاثة المتبقية من ولايته، أو مَن سيخلفه، أو كيف ستُحل الانقسامات السياسية العميقة داخل الولايات المتحدة – هذا إن حُلّت أصلاً – وما إذا كان لذلك أثر مباشر في مستقبل العلاقات الأميركية – الإسرائيلية. ومن غير الحكمة تجاهل قوة الروابط المؤسساتية بين الجانبين، أو الافتراض أن الدعم الأميركي الرسمي لإسرائيل سيتراجع بشكل حاد في المدى القريب، لكن ثمة تصدعات واضحة بدأت تظهر فعلاً، ومن المرجح أن تتسع مع مرور الوقت.

على المدى القصير، ومع انخراط إدارة ترامب جدياً في محاولة تثبيت الوضع في غزة وضمان إبقاء طريقه نحو جائزة نوبل للسلام مفتوحاً، لا يمكن استبعاد احتمالات الاحتكاك والخلاف بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن القطاع، وخصوصاً مع الحديث عن تشكيل ما يُسمى “مجلس السلام” برئاسة ترامب (إن أبصر النور أصلاً). أمّا على المدى المتوسط، وفي الوقت الذي ربما تتلاشى خطة ترامب للسلام التي وعدت بـ “مسار موثوق به نحو تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة”، مثلما تلاشت جميع الخطط المماثلة السابقة، فإن خلافات جديدة قد تنشأ نتيجة رفض إسرائيل أي مسار من هذا النوع حتى من حيث المبدأ، فضلاً عن العقبات العملية في تنفيذ الخطة على الأرض مع بقاء القوات الإسرائيلية في احتلالها قطاع غزة، ومواصلتها قصفها وعملياتها العسكرية فيه.[21] وإذا أضفنا إلى ذلك أن دول الخليج، بما تملكه من قوة شرائية وموارد طاقة واستقرار نسبي، وباستعدادها لتقديم قواعد عسكرية وعلاقات تجارية مجزية للولايات المتحدة، ومع تحسّن العلاقات الخليجية – الإيرانية، ومع تحوّل دعم إسرائيل بالتدريج إلى عبء أكثر منه إلى مكسب في الساحة السياسية الداخلية الأميركية، فإن العلاقات الأميركية – الإسرائيلية قد تكون فعلاً دخلت مسار إعادة ترتيب يعيد تعريف طبيعتها واتجاهها.

ولا يمكن القول إن الجانب الإسرائيلي غافل عن حدوث هذه التغيّرات، فقد دعا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو علناً إلى مزيد من الاعتماد على الذات، وإلى تقليص الاعتماد على المساعدات الأميركية، مؤكداً أن إسرائيل “تسير فعلاً على طريق تحقيق مزيد من الاستقلالية.”[22] لكن الشكل الذي سيتخذه هذا المسار، والمدة الزمنية التي سيستغرقها، لا يزالان غير واضحَين. فمنذ ما قبل إنشاء الدولة، واستمراراً لسياسة بن – غوريون، ارتكزت الاستراتيجيا العليا لإسرائيل على الدوام على التشبث بقوة عظمى خارجية والحصول على رعايتها: فبريطانيا قبل سنة 1948 ضمنت قيام الدولة، وفرنسا حتى سنة 1967 قدمت لها الدعم العسكري وأُسس بناء قدراتها النووية، والولايات المتحدة منذ سنة 1967 وفَّرت لها الغطاء السياسي والدعم العسكري الذي أنقذ إسرائيل من الهزيمة في سنة 1973، وضَمِن لها القدرة على خوض حروبها اللاحقة كافة.[23]

وقد تعني “الاستقلالية” المعلنة تقليص المساعدات الأميركية، غير أن بعض التقارير يشير إلى أن إسرائيل ستسعى لإبرام اتفاقية عسكرية أطول أمداً وأجزى على عشرين عاماً، لتضاف إلى الاتفاقية الحالية ومدتها 10 أعوام بقيمة 33 مليار دولار وتنتهي في سنة 2026، في محاولة للتحوّط من أي تحول جوهري محتمل في الموقف الأميركي تجاهها.[24] ومن المتوقع أيضاً نمو الصناعات العسكرية الإسرائيلية وقطاع التكنولوجيا الفائقة المتطور فيها. فعلى الرغم من الاشمئزاز العالمي الهائل من حرب إسرائيل على غزة، فإن صناعاتها العسكرية على ما يبدو ازدهرت: فوفقاً لوزارة الدفاع الإسرائيلية، حقق قطاع الصناعة العسكرية في سنة 2024 أرقاماً قياسية في حجم الصادرات العسكرية الإسرائيلية.[25]

غير أن الصادرات العسكرية والتطورات التكنولوجية الفائقة وحدها لا تفي بالغرض لضمان “الاستقلالية”، ذلك بأن اعتماد إسرائيل على الولايات المتحدة ليس اعتماداً على خط إنقاذ عسكري، أو مستودع طوارىء تغرف منه عند الحاجة،[26] بل إن اعتمادها على الولايات المتحدة يؤثّر في صميم مكانتها الدولية: فهو لا يتعلق فقط بحمايتها من على منابر الأمم المتحدة، بل أيضاً بصورتها كجزء من العالم الغربي؛ صورة تتغنّى بالقيم الديمقراطية، وتقع ضمن المجال الحضاري والمعياري نفسه القائم على القيم “اليهودية المسيحية” والعلاقة العميقة المتشابكة بين الجالية اليهودية في الولايات المتحدة (والغرب عامة) وإسرائيل. إن الثقل المعنوي لهذا التراكم لا يجعل من الصعب تغييره فحسب، بل يُمثل قيداً على إسرائيل بقدر ما يمثل عبئاً على الولايات المتحدة (والغرب عامة). وهكذا، مع أن إسرائيل قد تكتسب هامشاً من “الاستقلالية” في بعض المجالات التقنية، إلّا إن خياراتها في الواقع محدودة جداً فيما يتعلق باصطفافها الاستراتيجي مع القوى العظمى.

نظرياً، ربما، على سبيل المثال، يُعوّض الاقتراب من الصين، القوة العظمى الصاعدة، أي خسارة في علاقات إسرائيل الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، لكن ذلك لن يستلزم فقط إعادة صوغ جذرية لمنظومة “القيم” بعيداً عن الغرب (مثل “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”)، بل سيمثّل أيضاً خطوة نحو قوة تعتبرها الولايات المتحدة (والغرب عامة) منافساً معادياً في أحسن الأحوال، وتهديداً عسكرياً جدياً في أسوئها. وهناك مزايا بديهية قليلة لمثل هذا التحول الجذري، إذ مع أن الإغواء بتحقيق “الاستقلالية” عن الولايات المتحدة قد يكون كبيراً، إلّا إنه في الواقع ربما يبدو هزيمة ذاتية لا لبس فيها.

الخلاصة هي أنه على الرغم من أن أي محاولة للتنبؤ ستكون تقديرية (وربما غير موفقة)، فإن الآفاق الطويلة المدى للعلاقات الإسرائيلية الأميركية لا تبدو مبشِّرة من وجهة النظر الإسرائيلية. فعلى الرغم من ادعاءات “الاستقلالية” كلها، فإن التحول في هذه العلاقات يبدو أنه يتجه نحو مسار ستجد إسرائيل صعوبة في كبحه أو بلورة استجابة ملائمة له.

لم تتضح بعد الآثار العميقة لحرب غزة، فقد وُوري وقع تأثيراتها المباشرة في الوقت الحالي خلف مزاعم ترامب بالعمل من أجل “السلام في الشرق الأوسط”، في حين أن استمرار إسرائيل في منع وسائل الإعلام الدولية من دخول غزة حال دون كشف الحقيقة المروِّعة لجرائم الحرب التي ارتكبتها مباشرة على الملأ بين أنقاض غزة. لكن هذا كله موقت؛ وما هو أعمق كثيراً هو فقدان إسرائيل مكانتها الأخلاقية ودعمها الشعبي، وأن لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (أيباك)، جماعة الضغط المرهوبة الجانب والتابعة لها، فقدت كثيراً من قوتها، وأن الادعاء أن الجيش الإسرائيلي هو “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم” بات يثير نفوراً عميقاً ممزوجاً بالمرارة، وأن “الإبادة الجماعية” سواء اعتمدتها رسمياً محكمة العدل الدولية أم لا، هي اليوم وصمة عار لن تُمحى من سجل إسرائيل، وأن تهمة “معاداة السامية” صارت محاولة مكشوفة لطمس الحقيقة. لقد تسربت هذه الحقائق الثابتة جميعها إلى الوعي الأميركي والعالمي، وإزالتها منه ليست بالأمر السهل.

على مدار عامَين من الحرب على غزة، لم تشهد أي عاصمة رئيسية تظاهرات أو احتجاجات واسعة النطاق دعماً لإسرائيل، في حين تحولت عبارة “Free Palestine” إلى صرخة شعبية في جميع أنحاء العالم، أقرب إلى أن تحمل معنى “نحن مع تحرير فلسطين” أو “حرروا فلسطين”، كما خرجت أعداد غير مسبوقة في مسيرات معارضة للإبادة الجماعية الإسرائيلية،[27] الأمر الذي يدل على أن إسرائيل لم تفقد تأييد الرأي العام العالمي فحسب، بل قلبت جزءاً كبيراً من الرأي العام اليهودي العالمي ضدها، وخصوصاً بين جيل الشباب.[28] والحقيقة هي أن المنتَج المعروف باسم “إسرائيل” صار “بضاعة فاسدة” عالمياً، ومن الصعب جداً أن نتصوّر كيف يمكن إعادة تسويقها بنجاح – ربما باستثناء كونها مُصدِّراً للأسلحة، وهو منتَج من المرجح أن يصير العلامة التجارية الإسرائيلية الوحيدة القابلة للبيع، لكنه بالتأكيد أبعد ما يكون عن الفضيلة.

ويمكننا أن نضيف إلى ذلك أن توجّه إسرائيل نحو العنصرية اليمينية المتطرفة، وتنامي مجتمعها الحريدي اليهودي المتزمت، يشيران إلى تغيّرات داخلية من المرجح أن تزيد في اتساع الفجوة بينها وبين الجوالي اليهودية ذات التوجه الليبرالي في الخارج (وخصوصاً في الولايات المتحدة)، وكذلك المجتمعات الغربية عامة التي تشكلت رؤيتها إلى إسرائيل إلى حد كبير على أساس تمسّكها المزعوم بـ “القيم الغربية”. فمكتب الإحصاء الإسرائيلي يشير إلى أن نحو 16% من السكان اليهود هم من الحريديم، ومن المتوقع أن يصل عددهم إلى مليونَي نسمة في سنة 2033.[29] وبحلول سنة 2059، من المتوقع أن يصل عدد الحريديم إلى 50% من السكان اليهود، وهو ما يؤذّن باحتمال حدوث تغيير كامل في التركيبة الاجتماعية والثقافية والسياسية والأيديولوجية للدولة.[30] وبغضّ النظر عن النقاش الدائر في إسرائيل بشأن دور المتدينين المتشددين، وما إذا كان ينبغي لهم الاستمرار في تلقي إعانات من الدولة أو أن يُلزَموا بالالتحاق بالخدمة العسكرية. وبصرف النظر عمّا إذا كانت الدولة ومجتمعها العلماني سيواكبان هذا التغيير أو يتكيفان معه، فإن من المرجح أن يُحدث ذلك شرخاً ثقافياً جديداً بين إسرائيل وحلفائها التقليديين، وعلى الأسس ذاتها التي مكّنتها من الحصول على دعمهم.[31] 

حقيقة قاتمة

بعد عامَين من اندلاع الحرب لم يُعرف بعد الحجم الحقيقي للإبادة الجماعية في غزة، ولم تُقيَّم آثارها البعيدة المدى تقييماً جاداً. فقد تجاوزت تكلفة هذه الحرب البشرية كثيراً ممّا خلّفته نكبة 1948، بينما تبقى خسائرها المادية بعيدة عن أي حصر أو تقدير.[32] وقد جرى فصل غزة فعلياً عن الجسد الوطني الفلسطيني، ووُضعت تحت انتداب ووصاية خارجية معادية بتواطؤ المجتمع الدولي والدول العربية معاً. أمّا سكان القطاع فتُركوا مثقلين بهول الصدمة والتشريد والفقر، كما أن إعادة الإعمار (على افتراض أنها ستبدأ حقاً) مهما تكن وتيرتها، لن تكون قادرة على تلبية حاجاتهم اليومية أو التخفيف من معاناتهم في المدى القريب. وفي هذه الأثناء تحوّلت السلطة الفلسطينية / منظمة التحرير وأدواتها الفصائلية إلى هياكل خاوية فقدت صفتها التمثيلية، ووقفت شبه متفرّجة بينما الإبادة تُرتكب. إذ لا وجود لبرنامج وطني فلسطيني جامع، والاعترافات الشكلية كلها بالدولة الفلسطينية لا معنى لها على أرض الواقع مع مواصلة إسرائيل حملتها لضمّ الأراضي الفلسطينية واستيطانها.

وبينما يظل الوعد البالي بحل الدولتين عالقاً مثل رائحة كريهة في فضاء الساحة الفلسطينية، فإن غياب أي حل تفاوضي قابل للتحقق على هذا الأساس لا يبدو أنه يُقلق أولئك الذين يواصلون التظاهر بخلاف ذلك. وفي الوقت نفسه يدور النقاش الفلسطيني الداخلي في حلقة مفرغة، بل إنه حتى الآن لم يُفضِ إلى الإجابة عن أي من الأسئلة الجوهرية: ما هي أهدافنا الوطنية القابلة للتحقيق في ضوء واقعنا الراهن، وما هي طبيعة ودور “المقاومة” بمختلف أشكالها، وبأي بوصلة يجب أن تهتدي؟ ما موقع الشتات الفلسطيني وكيف يجب أن يتجلى دوره؟ هل ما زالت منظمة التحرير الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وإن لم تكن كذلك فمَن يكون؟ وما طبيعة العلاقات بين مختلف مكوّنات الشعب الفلسطيني، وخصوصاً المواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل؟ هذه الأسئلة أبعد عن أن تكون قائمة شاملة بطبيعة الحال، وهي ليست جديدة، إذ سبقت 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023، وكانت جزءاً من الظروف التي أفضت إليه.

لكن منذ ذلك الحين لم يطرأ شيء يجعل هذه الأسئلة أقل إلحاحاً، بل تضاعفت الحاجة الماسة إلى إيجاد إجابات لها.

ومع ذلك، لم يُفلح شيء ممّا فعلته إسرائيل أو سعت له في حلّ مشكلتها الفلسطينية. فعلى الرغم من الأهوال غير المسبوقة التي أُنزلت بغزة، فإن واقع إسرائيل القاتم لم يتبدَّل؛ فما بين البحر المتوسط ونهر الأردن ما زال عدد اليهود يقارب عدد العرب؛ الأولون جزء من نظام سياسي يقوم على الهيمنة والإقصاء، والآخرون رازحون تحت الاحتلال العسكري والحصار السياسي والاقتصادي والاستيطاني.[33] وعلى امتداد 120 عاماً من الحرب، تمسّك الفلسطينيون بدورهم وأراضيهم بصلابة وإصرار استثنائيين. وإن كان من شيء، فقد كشفت حرب غزة هذه الحقيقة التي لا تقبل الجدل، كما لم يحدث من قبل؛ إذ أُحبطت الخطط الإسرائيلية الأميركية لتهجير السكان قسراً بفعل المعارضة الفلسطينية والعربية، وكشفت في الوقت نفسه أن ما تواجهه إسرائيل ليس مشكلة عسكرية يمكن حلها بالقوة الغاشمة أو بمزيد من البطش، بل هي مشكلة إنسانية تتمثل في المساواة والكرامة والحرية ولا يمكن معالجتها إلّا على هذا الأساس. وستظل مشكلة إسرائيل الفلسطينية كما كانت دائماً، عصيّة على أي قمع قسري، أو تسوية تفاوضية أو مفروضة، ما دام هذا الواقع قائماً.

* كُتب هذا النص باللغة الإنجليزية خصوصاً لـ “مجلة الدراسات الفلسطينية”، وعنوانه:

The US and Israel: A First Reading of Some of the Consequences of the Gaza Genocide.

ترجمة: صفاء كنج.

المصادر:

[1] برز في وسائل الإعلام الرئيسية ووسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك في المنتديات العامة والكنيست، أن شخصيات عامة إسرائيلية والجمهور عامة، أظهروا عنصرية وعداء ولا مبالاة غير مسبوقة تجاه معاناة الفلسطينيين، في الوقت الذي أعربوا جميعاً عن قلقهم تجاه الإسرائيليين المحتجزين في غزة. وكشف استطلاع رأي أجرته صحيفة “هآرتس” في أيار / مايو 2025، أن 82% من الإسرائيليين يؤيدون الطرد القسري لسكان غزة، بينما أيد 56% طرد المواطنين الفلسطينيين في داخل إسرائيل، وهو ما يمثل ارتفاعاً حاداً عن استطلاع سنة 2003، حين بلغت نسبة التأييد لمثل هذا الطرد 45% و31% على التوالي. يُنظر:

Shay Hazkaniand Tamir Sorek, “Yes to Transfer: 82% of Jewish Israelis Back Expelling Gazans”, Haaretz, 28 May 2025.‎

وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن الرأي العام الإسرائيلي تغير على مدار الحرب؛ فبينما حظيت هذه الحرب بدعم كبير في مراحلها الأولى، اتجه الرأي العام الإسرائيلي نحو الدعوة إلى إنهائها لأن استمرارها لا أفق له، وذلك ليس من باب القلق إزاء معاناة الفلسطينيين، بل لأسباب إسرائيلية داخلية، والصراع بشأن مَن يتحمّل مسؤولية الفشل في 7 تشرين الأول / أكتوبر. يُنظر:

Laura Silver and Maria Smerkovich, “Israeli Views of the Israel-Hamas War”, Pew Research Center, 30 May 2024.

ويُنظر أيضاً:

Tamar Hermann, Lior Yohanni, Yaron Kaplan, Inna Orly Sapozhnikova, “Two Years since Oct. 7: Majority of Israelis Say the Time has Come to End the War”, Israel Democracy Institute (IDI), 30 September 2025.

[2] صوّتت فرنسا بنعم في جميع الحالات الست، وامتنعت المملكة المتحدة من التصويت في ثلاث حالات (18 تشرين الأول / أكتوبر 2023، و8 كانون الأول / ديسمبر 2023، و20 شباط / فبراير 2024)، بينما صوّتت كل من فرنسا والمملكة المتحدة بنعم في ثلاث حالات (20 تشرين الثاني / نوفمبر 2024، و4 حزيران / يونيو 2025، و18 أيلول / سبتمبر 2025).

[3] يُنظر:

US Participation in ICJ Advisory Proceedings – Public Hearing on Israeli Obligations”, Press Statement by Tammy Bruce, US Department of State Spokesperson, 30 April 2025. 

ويُنظر أيضاً:

Imposing Further Sanctions in Response to the ICC’s Ongoing Threat to Americans and Israelis”, Press Statement by Marco Rubio, US Secretary of State, US Embassy in Jerusalem.

[4] يرتفع هذا الرقم إلى ما يقارب 34 مليار دولار إذا أُخذت في الاعتبار تكاليف الإجراءات الأميركية الداعمة لإسرائيل ضد إيران واليمن والشرق الأوسط الأوسع. يُنظر:

William D. Hartung, “U.S. Military Aid and Arms Transfers to Israel, October 2023 – September 2025”, Quincy Institute for Responsible Statecraft, 7 October 2025.

[5] يجب القول إن “حماس” عوّضت ما افتقرت إليه من أعداد أو معدات باجتهاد عسكري استثنائي وتخطيط احترافي. يُنظر:

Toi Staff and Emanuel Fabian, “Hamas Spent Years Mining IDF Troops’ Social Media for Intel on Bases, Tanks – Report”, Times of Israel, 23 November2025.

[6] Hartung, op. cit.

[7] Emanuel Fabian, “Israel Says US Shipments of Arms and Equipment during War Exceed 50,000 Tons”, Times of Israel, 30 November 2025.

[8] Hartung, op.cit.

[9] حديث ترامب أمام الكاميرا خلال لقائه نتنياهو في واشنطن في نيسان / أبريل 2025، قال ببرود: “نمنح إسرائيل 4 مليارات دولار سنوياً، وهذا مبلغ كبير.” وكان هذا تذكيراً بما تدين به إسرائيل للولايات المتحدة أكثر منه مجرد طرح للحقائق. يُنظر:

Tia Goldenberg, “Netanyahu-Trump Meeting Reveals Unexpected Gaps on Key Issues”, AP News Agency, 9 April 2025.

[10] “US Secures $1 Trillion Saudi Spending Commitments Spanning Nuclear Energy”, Rueters, 19 November 2025. 

[11] Zvi Bar’el, “Has Israel Lost More Than its Mideast Edge as Trump Kicked off a New U.S.-Saudi Alliance?”, Haaretz, 19 November 2025.‎

[12] Lazar Berman, “Report: Saudi, Qatari, UAE Leaders Told Trump They Oppose Strike on Iran”, Times of Israel, 29 May 2025.

[13] صوَّت 71% من اليهود الأميركيين لمصلحة هيلاري كلينتون في سنة 2016، كما صوّتت نسبة ‏مماثلة تماماً لمصلحة كامالا هاريس في سنة 2024. يُنظر:‏

Laura Elizabeth Adkins, “By The Numbers: 3 Key Takeaways from the 2016 Jewish Vote”, Forward, 9 November 2025.

ويُنظر كذلك:

2024 Election Survey Findings National and Pennsylvania Surveys of Jewish Voters”, J Street, 7 November 2024.‎

[14] ميريام أديلسون هي أرملة شيلدون أديلسون، أحد أكثر المليارديرات المؤيدين لإسرائيل تطرفاً، ‏وقد بلغت تبرعاتهما لترامب والحزب الجمهوري مبلغاً استثنائياً قدره 658 مليون دولار بين ‏سنتَي 2015 و2024، وهو ما جعل آل أديلسون المتبرعين الأوائل للحملات السياسية في الولايات ‏المتحدة. يُنظر:‏

Beth Reinhard, Naftali Bendavid, Clara Ence Morse and Aaron Schaffer, “How Billionaires Took Over American Politics”, Washington Post, 21 November 2025.‎

وكان قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في سنة 2017 نتيجة جزئية لوعد قطعه لعائلة أديلسون.

[15] كشفت مقابلة تلفزيونية بارزة أُجريت في حزيران / يونيو 2025، بين تاكر كارلسون، المعلق ‏السياسي اليميني البارز المؤيد لترامب والمناهض لإسرائيل، والمرشح الرئاسي الجمهوري السابق ‏والسيناتور الحالي تيد كروز، المؤيد لإسرائيل، عن الانقسامات العميقة بشأن إسرائيل داخل ‏صفوف الجمهوريين. تُشاهد المقابلة كاملة، في:‏

Brendan Taylor, “Full Interview Video of Tucker Carlson with Ted Cruz”, Insider Paper, 18 June 2025.

[16] أظهر استطلاع رأي حديث أُجري بين الناخبين الديمقراطيين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين ‏‏18 و28 عاماً، أن 65% من المشاركين يؤيدون فرض ‏عقوبات على إسرائيل، وأن 72% يعتقدون أن ‏إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في غزة، و75% يعارضون تجديد مذكرة التفاهم الأميركية التي ‏تخصص سنوياً ‏التمويل لتصدير الأسلحة إلى إسرائيل. كما أيد 76% حظر تمديدات الائتمان من ‏خلال السندات الإسرائيلية، وأيد 75% تقييد واردات الأسلحة وبرامج الأمن ‏السيبراني ‏الإسرائيلية الصنع، وأيد 62% حظر دخول مسؤولين وجنود إسرائيليين إلى الولايات المتحدة. ‏يُنظر:‏

Rabia Iclal Turan, “New Poll Shows Strong Democratic Voter Support for US Sanctions on Israel“, Anadolu Ajansi, 3/10/2025.‎

[17]حصل ممداني على 33% من أصوات اليهود، و75% من أصوات الشباب (18 – 44 عاماً) بصورة عامة. يُنظر:‏

Shira Li Bartov, “Mamdani Wins 33% of the Jewish Vote in NYC, Compared to 63% for Cuomo, Exit Poll Shows“, “Jewish Telegraphic Agency (JTA)”, 5 November 2025.

ويُنظر أيضاً:

Young Voters Power Mamdani Victory, Shape Key 2025 Elections”, The Center for Information & Research on Civic Learning and Engagement (CIRCLE), 5 November 2025.

[18] Motti Inbari and Kirill Bumin, “Dramatic Decrease of Israel Supporters Among Young Evangelicals”, Tel Aviv University’s Center for the Study of the United States (CSUS), 12 February 2024.

[19] بين الهجمات العديدة التي شنّتها إدارة ترامب على الأوساط الأكاديمية، يبرز نجاحها في ترهيب جامعة كولومبيا. ففي مقابل رفع الإدارة الأميركية تجميد أغلبية المنح الفيدرالية البالغة 400 مليون دولار للجامعة، وافقت كولومبيا على اعتماد تعريف جديد لمعاداة السامية من شأنه إسكات الانتقادات الموجهة إلى إسرائيل، ووعدت باتخاذ إجراءات تأديبية أشد صرامة ضد الطلاب المحتجين (المؤيدين للفلسطينيين)، وقبول الإشراف على قسم دراسات الشرق الأوسط في الجامعة. يُنظر:

Carolyn Thompson, “Columbia University Agrees to Pay More Than $220M in Deal with Trump to Restore Federal Funding”, AP News Agency, 24 July 2025.

[20] قاد مالك شركة باراماونت، الملياردير المؤيد لإسرائيل، ديفيد إليسون، هذه الحملة، وعيّن المعلقة السياسية المعروفة المؤيدة لإسرائيل، باري وايس، رئيسة لأخبار سي. بي. إس. يُنظر:

Nitish Pahwa, “Bari Weiss’ Takeover of CBS News will be a Disaster”, “Slate”, 6 October, 2024.

[21] يُنظر النص الكامل لخطة ترامب في:

Trump’s 20-Point Gaza Peace Plan in Full”, BBC, 9 October 2025.

[22] “Netanyahu: Israel will stand on its own, not rely on US funding”, Israel National News, 13 November 2025.‎

[23] للاطلاع على الأهمية التاريخية للتحالف الاستراتيجي والعسكري مع الولايات المتحدة، يُنظر:

Zach Levey, “Israel’s Quest for a Security Guarantee from the United States, 1954-1956”, British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 22, nos. 1-2 (1995), pp. 43-63.‎

[24] Barak Ravid, “Scoop: Israel Seeks 20-Year Military Aid Deal with U.S. with ‘America First’ tweaks”, Axios, 13 November 2025.

[25] ”Israel Ministry of Defense Spokesperson: Israel Sets New Record in Defense Exports: Over $14.7 Billion in 2024”, Embassy of Israel in Kathmandu, 6/6/2025.

[26] من الجدير بالذكر أن إسرائيل حصلت في الإجمال على الحصة الأكبر من المساعدات الخارجية الأميركية مقارنة بأي دولة أُخرى منذ سنة 1948، وبلغت قيمتها 317 مليار دولار. يُنظر:

How Much Aid does the US Give to Israel?” USA Facts, 12 October 2023.

[27] تظاهر ما يصل إلى 300,000 شخص دعماً لفلسطين في واشنطن العاصمة في تشرين الثاني / نوفمبر 2023 في أكبر احتجاج من نوعه في الولايات المتحدة حتى ذلك التاريخ. يُنظر:

Noor H., “ ‘Palestine is Freeing Us’: 300,000 People March in Largest Pro-Palestine Protest in Washington, DC”, Institute for Palestine Studies (Blogs), 8 November 2023.

وقد خرج عشرات الآلاف في مسيرة في الذكرى الأولى للحرب، يُنظر:

Leigh Thomas and Kanishka Singh, “Thousands Around the World Protest Middle East War as Oct. 7 Anniversary Nears”, Reuters, 7 October 2024.‎

وفي بعض من التظاهرات الأُخرى، خرج مئات الآلاف في نيوزيلندا. يُنظر:

Caitlin Cassidy and Joe Hinchliffe, “Pro-Palestine Protesters Fill the Streets in Cities and Towns Across Australia After Gaza Famine Declaration”, The Guardian, 23 August 2025.

وخرج 280,000 في أمستردام. يُنظر:

Charlotte Van Campenhout, “Hundreds of Thousands Protest in Amsterdam Against Gaza war”, Reuters, 6 October 2025.

كما تظاهر مليونا شخص من أجل غزة في إيطاليا في الذكرى الثانية للحرب في تشرين الأول / أكتوبر 2025. يُنظر:

Giada Zampano, “2 Million Rally in Italy for Gaza as General Strike Halts Key Services”, AP News Agency, 4 October 2025.

[28] أظهر استطلاع رأي حديث أنه بينما قال 68% من اليهود الأميركيين الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً أنهم “مرتبطون عاطفياً بإسرائيل”، فإن هذه النسبة انخفضت بين مَن تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً إلى 36%. وكان اليهود الأصغر سناً أكثر ميلاً إلى وصف أفعال إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية، كما استخدم نصف اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاماً هذا المصطلح. يُنظر:

Grace Gilson, “Poll: American Jews Divided on Israel, Gaza and Genocide”, Jewish Telegraphic Agency, 7 October 2025.

[29] St. Louis Jewish Light, “Poll: American Jews Divided on Israel, Gaza and Genocide”, Jewish Telegraphic Agency, 7 October 2025.

[30] “Are Israeli Jews Becoming More Secular”, Taub Center for Social Policy Studies in Israel, July 2018. 

[31] والجدير بالذكر أن الهجرة من إسرائيل تفوقت بشكل كبير على الهجرة إليها خلال العامين الماضيين، والمغادرون، في معظمهم، من المجتمع العلماني. يُنظر:

Judah Ari Gross, “Fresh Data Shows Israeli Emigration Levels far Outpacing Immigration over Past Two Years”, EJP, 20 October 2025.

[32] أدقّ تعداد للخسائر الفلسطينية في سنة 1948 جمعه المؤرخ الفلسطيني عارف العارف الذي قدّر أن العدد الإجمالي بلغ 13,151 مدنياً ومقاتلاً. يُنظر: عارف العارف، “النكبة: نكبة بيت المقدس والفردوس المفقود، 1947 – 1949″، إعداد وليد الخالدي (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2013)، ج 3، ملاحق وسجل.

وحتى منتصف تشرين الثاني / نوفمبر 2025، بلغت أرقام الأمم المتحدة لحصيلة الحرب في غزة 69,185 قتيلاً، و170,698 جريحاً. يُنظر:

Reported Impact Snapshot | Gaza Strip (12 November 2025)”, OCHA, 12 November 2025.

[33] لقد أظهرت دراسة ديموغرافية إسرائيلية حديثة أن اليهود أصبحوا فعلاً أقلية بنسبة 47% في سنة 2022. يُنظر:

Jews Now a 47% Minority in Israel and the Territories, Demographer Says”, Times of Israel, 30 August 2022.

السيرة الشخصية: أحمد سامح الخالدي: زميل متقدم في مؤسسة الدراسات الفلسطينية.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 145- شتاء 2026

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *