“الهجرة الطوعية” سبيلاً للتهجير

تسود في إسرائيل تقييمات بأن تأييد الولايات المتحدة “الهجرة الطوعية” من غزّة يتيح إمكان التهجير القسري. ومن جديد مظاهر هذا التأييد إعلان السفير الأميركي في إسرائيل، مايك هاكابي، في سياق تصريحات صحافية أدلى بها يوم 5 سبتمبر/ أيلول الحالي، أن “هناك انفتاحاً على أنه إذا أراد الناس (في غزة) المغادرة، ينبغي أن يكون لهم الحق في هذا”، مشدّداً على أن “إبقاءهم في مكان لا يريدون أن يكونوا فيه يجب أن يكون، في رأيي، عاراً مطلقاً”.
وجاءت تصريحات هاكابي غداة إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، وجود خطط جاهزة لـ”الهجرة الطوعية” وإخلاء أعداد كبيرة من السكان من غزّة، مشيراً إلى أن تل أبيب تسعى للحصول على دعم واشنطن وتحديد الدول التي يمكن أن تتجاوب مع هذه الخطط على المدى الطويل. وكشفت تقارير إعلامية متطابقة عن أن كاتس أنشأ إدارة للهجرة يجري التكتم على طبيعة عملها. وبموازاة هذا، طرح وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير خطة تفصيلية تهدف إلى تهجير سكان قطاع غزّة من خلال “الهجرة الطوعية” على مدى سبعة أعوام، وتشمل إنشاء وزارة حكومية خاصة، وإبرام اتفاقيات مع دول مستهدفة، وإنشاء مسارات هجرة منظمة، وتقديم حزم مساعدات واستيعاب للمهاجرين. ووفقاً للخطة، الهدف مغادرة نحو 250 ألفاً من سكان القطاع طوعاً خلال العام الأول، ونحو 1.11 مليون خلال ثلاثة أعوام، ونحو 1.86 مليون خلال سبعة أعوام. ومن أجل تنفيذ الخطة، يطالب حزب بن غفير بإقامة وزارة مخصصة للهجرة الطوعية في الحكومة المقبلة، يترأسها وزير، وتعمل من خلال مدير عام، وميزانية مستقلة، وفريق تفاوض دولي، ومنظومة تنفيذ محدّدة.
يكمن في خلفية هذه التطورات واقع انتقال فكرة الترانسفير منذ أحداث 7 أكتوبر (2023) إلى مركز الخطاب الإسرائيلي العام، وباتت جزءاً من أجندة أحزاب اليمين. وقال باحثٌ في مركز دايان في جامعة تل أبيب إن هناك تطبيعاً آخذاً بالترسخ لفكرة الترانسفير في الفضاء الإسرائيلي العام. ويتغذّى من حقيقة أن خطاب التهجير (الترانسفير) كان موجوداً في الحركة الصهيونية منذ نشأتها، وفكّر مسؤولون بارزون فيها، في مناسبات عديدة، في إمكان نقل السكان العرب من فلسطين، عبر إغراءات اقتصادية، أو اتفاقيات مع دول قريبة وبعيدة. وكانت لقطاع غزة مكانة مركزية في هذا النقاش، حيث طرحت، ولا سيما منذ احتلاله عام 1967، مشاريع عديدة لتقليص عدد سكانه، أو إفراغه منهم. وبرأيه، إن أحد أبرز مظاهر تطبيع “الترانسفير” إسرائيلياً في الوقت الراهن هو الحوار الهادئ الذي يجري مع ممثلي هذه الفكرة في الفضاء الإعلامي، من دون طرح أسئلة صعبة بشأن كيفية تطبيق الرؤية وأبعادها القيَمية والأخلاقية، والنتائج التي ستترتب على محاولة تنفيذها، بينما يُفترض برأيه ألّا تساير وسائل الإعلام جهود التطبيع هذه، بل أن تشكّك وتطرح أسئلة حادة.
من المهم التنويه بأن مصطلح “الهجرة الطوعية” يُستخدم غطاءً سياسيّاً ودبلوماسيّاً للوصول إلى نتيجة التهجير القسري، لعدة أسباب رئيسية، منها أن الإكراه الناتج من الظروف، كاستمرار الإبادة، وتدمير البنية التحتية، ونقص الغذاء والدواء، يجعل البقاء أمراً شبه مستحيل، ما ينفي شرط الإرادة الحرة التي يتطلبها مفهوم الطوعية. كذلك تنصّ قواعد القانون الدولي والمؤسسات الأممية على أن أي خروج للسكان من ديارهم تحت وطأة القوة، أو انعدام مقومات الحياة الأساسية، يُعدّ تهجيراً قسرياً، حتى وإن أُعطي مظهر شكليّ للموافقة.
فضلاً عن هذا، تتقاطع خطط “الهجرة الطوعية” مع أهداف سياسية صريحة يعلنها مسؤولون إسرائيليون لتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في القطاع، وهو ما يحوّل مفهوم “الهجرة” من خيار فردي شخصي إلى سياسة اقتلاع جماعي هادفة. وفي ضوء هذا، يُعتبر استخدام مصطلح “الهجرة الطوعية” في ظل هذه الظروف نوعاً من التحايل اللغوي أو غسل الكلمات لشرعنة إعادة تشكيل الديمغرافيا.
About the New Arab