طالب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، في خطابٍ عاطفيٍّ غاضب في الاسبوع الماضي ، حماس في غزة بالإفراج الفوري عن جميع المخطوفين والسجناء الإسرائيليين حتى “لا يبقى بين يدي إسرائيل ذريعةً للإستمرار في قصف غزة. مئة فلسطيني يقتلون يوميًا!”.

وكان رد حماس، كما كان متوقعا، سلبيا تماما، ورفضا مطلق لهذه الدعوة . ولم تكلف الحكومة الإسرائيلية نفسها عناء الرد على كلام عباس على الإطلاق وعقد مجلس الوزراء الأمني اجتماعا لمواصلة مناقشات تصعيد وتوسيع نطاق القتال.
ولكن لنفترض ، فقط لنفترض أن المستحيل قد حدث. لنفترض أن قيادة حماس ( أو ما تبقى منها، ولم يتبق منها الكثير) تبنت دعوة أبو مازن، وليس فقط من أجل اختبار إسرائيل ، وبالاخص من أجل إنقاذ نفسها، وأعلنت عن إطلاق سراح جميع المخطوفين والأسرى التسعة والخمسين والقتلى مقابل عدد معقول ـ حتى في نظر إسرائيل الرسمية ـ من السجناء الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية ، بدون شروط عسكرية وسياسية وبدون مماطلة ، خلال أسبوع أو أسبوعين.
من هنا لابد من طرح هذا التساؤل : ماذا ستفعل حكومة إسرائيل والمعارضة لحكومة إسرائيل في نهاية الاحتفالات المبررة بعودة المخطوفين إلى ديارهم؟ ما هي الخطة السياسية لذلك اليوم المنشود الذي لن يبقى فيه إسرائيليون يقبعون في أنفاق غزة المدمرة ؟ استمرار القتال ، وقف القتال ، الاحتلال ، الانسحاب، حكم عسكري ، ادارة مدنية ؟ حتى الأن ، يتركز الخلاف بين الحكومة والمعارضة حول إطلاق سراح المخطوفين . على ماذا سيتم التركيز عندما تصل قضية المخطوفين إلى نهاية إيجابية وتبرز الحاجة إلى خطة سياسية شاملة ؟ حاولت الحصول على إجابات موثوقة، ولكنني لم أحصل على أي جواب . ويبدو أن رؤوساء الائتلاف والمعارضة يستخدمون، عن علم أو بغير علم، مسألة إطلاق سراح المخطوفين من أجل ” تحرير أنفسهم” من الحاجة إلى إعداد واقتراح وتقديم خطط لنقاش وطني واسع حول اليوم التالي .
من الصعب حاليا تجنب الاستنتاج بأنه من المريح للكتلتين السياسيتين أن تقولا الآن : أولاً وقبل كل شيء دعونا نعيد المخطوفين إلى ديارهم، و فقط بعد ذلك نبدأ في بلورة موقفنا بشأن مستقبل قطاع غزة ومليوني نسمة يعيشون فيه . وإذا بدأنا في ذلك ، فإن مستقبل غزة قد يتحدد من صفقة المخطوفين ويصبح جزءاً لا يتجزأ منها. ولذلك، فمن الأفضل من أجلنا – ومن أجل أحزابنا وكتلنا الحزبية – أن نتحلى بصبر يمكن تحمله في انتظار صفقة مخطوفين كهذه أو تلك .
مواقف وتصورات الأحزاب الهامشية واضحة على أية حال : الصهيونية الدينية تريد ضم قطاع غزة ( وكمرحلة انتقالية هي على استعداد في هذه الأثناء للاكتفاء بحكم عسكري )، في حين أن الجبهة الديمقراطية للسلام والتغيير تريد أن ترى إسرائيل تتخلى عن القطاع نهائيا لصالح أدارة يتولاها فلسطينيون ، أياً كانوا . واحزاب الوسط ؟ ابحث لتعرف . لقد ترسخ في النقاش العام ادعاء مفاده أن حماس، كمنظمة إرهابية، سوف تخرق شروط صفقة المخطوفين التي ستوقع عليها قبل الموعد المتوقع، ولذلك فإن الجيش الإسرائيلي سوف يكون قادرا على استئناف القتال في غزة دون عائق . ولهذا السبب فإنه ليس هناك منطق (سياسي) للإنشغال عبثا بأفكار سياسية من شأنها أن تؤدي إلى تفكك الائتلاف والمعارضة على حد سواء.
لقد اقترح نتنياهو في فترة ولايته الأولى كرئيس للحكومة ، ومن بعده رؤساء الوزراء إيهود باراك، وأريك شارون، وإيهود أولمرت، خططاً سياسية مهمة، وانخرطوا في نقاش صعب مع الفلسطينيين ، أما نتنياهو، في ولايته الثانية والثالثة والرابعة والخامسة الحالية كرئيس للحكومة، تعامل مع الوضع مع الفلسطينيين على حاله . وفي محادثات شخصية ، أوضح ويوضح بأن “ما هو موجود في الضفة الغربية وغزة ” سيبقى كما هو إلى الأبد”. الأساس هو تجنب المفاوضات، وتجنب الخطط والحلول المحلية، والاكتفاء بالاعتماد على الرؤساء الأميركيين . وحتى أحزاب المعارضة الرئيسية تفضل الآن إثارة صرخة (مطلوبة) بشأن قضية المخطوفين، تحظى بإجماع شعبي واسع النطاق. وليس بجرأة كبيرة .
إذاً يبدو أن عباس كان مخطئاً ولكنه أيضاً كان على حق . لا ، إن إسرائيل لا تستخدم رفض حماس لصفقة المخطوفين “كذريعة” لمواصلة القصف، ومواصلة ملاحقة بقايا المنظمة الإرهابية في متاهة الأنقاض في قطاع غزة . ولكن نعم، تستخدم إسرائيل الرفض العنيد والمأساوي من جانب نشطاء حماس كمبرر هادئ لدفن رأسها في الرمال والهروب من أتخاذ قرارات سياسية إستراتيجية .

المصدر: يديعوت احرونوت

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *