المستوطنون يسعون إلى تقسيم منطقة رام الله الحضرية، والجيش يتصرف وفقا لذلك

كما أفادت صحيفة “عولام قاطان” الحريدية-اليمينية المجانية يوم الخميس، يعتزم الجيش الإسرائيلي المساس بالتواصل الإقليمي الفلسطيني في رام الله والبيرة ، وفصل الأحياء والقرى الواقعة شمال المنطقة الحضرية عن سائر أجزائها . وسيتم ذلك من خلال السماح للمستوطنين بالسفر عبر طريق عرضي في قلب منطقة حضرية فلسطينية، يؤدي إلى مؤسسات من بينها مستشفى كبير، وجامعة، ومدرسة، ومنشأة لمعالجة مياه الصرف الصحي. ويتطلب مثل هذا التصريح إقامة مواقع عسكرية جديدة بالقرب من التجمعات الفلسطينية ، ونصب حواجز عسكرية من شأنها تعطيل حركة الفلسطينيين داخل المنطقة الحضرية وإليها ومنها . وتدل هذه الحالة الخاصة على اتجاه ومسار يتكرران في مناطق أخرى من الضفة الغربية ، بدفع من المؤسسة الاستيطانية ، التي تُعد الجهة الأكثر نفوذا في الحكومة .
يوم الخميس ، نقلت صحيفة “عولام قاطان” عن إسرائيل غانتس، رئيس مجلس المستوطنات ورئيس المجلس الإقليمي بنيامين ، قوله إن القرار المبدئي بفتح الطريق أمام حركة المستوطنين قد اتُخذ ، وإن هناك ميزانية مخصصة لذلك ، وإن الجيش الإسرائيلي بدأ بالفعل الاستعدادات ، بما فيها الاستعدادات القانونية ، تمهيدًا لفتح الطريق . ووفقًا لـ”عولام قاطان ” ، قال غانتس إن الأمر سيتطلب نقل قواعد عسكرية ومعدات ، ولذلك سيستغرق بضعة أشهر .
استغرق المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي خمسة أيام للرد على أسئلة صحيفة هآرتس بشأن الموضوع ، وقد أكد فعليا أقوال غانتس . وجاء في رد المتحدث باسم الجيش ، الذي وصل بعد ظهر الأحد : “يعمل الجيش الإسرائيلي على تهيئة ظروف أمنية خاصة للسفر مستقبلا على هذا المحور ” . وأضاف الرد أن جزءا من الطريق يمر في المنطقة A ، التي تخضع لسلطة الشرطة الفلسطينية ، وأن الدخول إليها محظور وخطير ويشكل مخالفة جنائية . ولم يوضح المتحدث باسم الجيش كيف سيوفق الجيش بين سفر الإسرائيليين على الطريق ومروره عبر المنطقة A .
خلال الأشهر الأخيرة ، كثفت المؤسسة الاستيطانية وسكان المستوطنات ضغوطهم على الجيش ، مطالبين بفتح طريق عرضي يقع في قلب المنطقة الحضرية الفلسطينية أمام حركة المستوطنين . وتجسّد الضغط في عدة عمليات دخول موثقة ومصورة لإسرائيليين إلى الطريق ، وتعليق أعلام إسرائيلية ، وإقامة عروض رقص قرب حديقة عامة ، ونشر مواد في صحافة المستوطنين ووسائل التواصل الاجتماعي . وتتطلب عمليات الدخول إلى الطريق نوعا من المساعدة العسكرية ، أو على الأقل إبلاغ الجيش بها، إن لم يكن مرافقة جنود لها .
يمتد الطريق المذكور بين مدينة البيرة ومخيم الجلزون للاجئين شرقا، وقرية عين قينيا غربا ، ويبلغ طوله نحو عشرة كيلومترات . وهو جزء من شبكة طرق خططت لها وشيدتها بلدية رام الله ، وتُعرف باسم “الطرق الصينية” نسبةً إلى الجهة التي موّلت المشروع . وتتيح هذه الطرق تخفيف الازدحام المروري في مراكز المدينتين المتجاورتين .
وقد شُق مسار الطريق الذي يطالب المستوطنون باستخدامه ، عام 1994 بين مستوطنتي بيت إيل ودوليف ، على يد مجلس بنيامين الإقليمي ، من دون موافقة الجيش أو سلطات التخطيط في الإدارة المدنية . وكان رئيس المجلس آنذاك بنحاس فلرشتاين . وعلى الرغم من أنه بادر إلى شق عدد من الطرق في المنطقة لربط المستوطنات وتقليص زمن التنقل بينها ، فإن هذا الطريق تحديدا ، الذي يحمل الرقم 463 ، سُمّي باسمه ويُعرف باسم “محور فلرشتاين” . وكانت الطرق التي شقها مجلس بنيامين بعد توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 تهدف إلى تقليص المساحة التي ستُعاد إلى السلطة الفلسطينية من حيث الصلاحيات التخطيطية والإدارية .
عارض رئيس أركان الجيش آنذاك ، أمنون ليفكين شاحك ، سفر المواطنين الإسرائيليين على الطريق 463 ، لكن رئيس الوزراء شمعون بيرس وافق عليه . ومنذ الانتفاضة الثانية ، منع الجيش المستوطنين ، وكذلك الفلسطينيين ، من استخدام الطريق . ووُضعت بوابة حديدية مغلقة عند طرفه الغربي، بين عين قينيا ومستوطنة دوليف . وبمرور الوقت تلاشى الحظر المفروض على سفر الفلسطينيين ، لكن دخولهم إلى منطقة رام الله من الغرب كان محظورا أصلا ، لأن مستوطنتي تلمون ودوليف وبؤرهما الاستيطانية سيطرت على منطقة غنية بالينابيع وحقول الزيتون التابعة للقرى المحيطة ، وتمنعان حركة الفلسطينيين فيها وعبرها .
في نهاية أغسطس ، أفادت عدة مواقع يمينية عن تنظيم مئات السكان للمطالبة بالسماح لهم باستخدام الطريق . وعند تقاطع سورداه المزدحم ، حيث يلتقي الطريق 463 بالطريق الطولي القادم من بير زيت ، شوهد وصُوّر في 9 سبتمبر ستة إسرائيليين وهم يضعون لافتة باللغة العبرية . واتضح أن أفرادا من عائلة إيتا وأفرايم تسور — أم وابنها من بيت إيل قُتلا هناك في هجوم في ديسمبر 1996 — دشّنوا الموقع باسم “مفرق تسور” . وقامت جهة أمنية فلسطينية بإزالة اللافتة .
وفي الأسبوع التالي ، انتشر إسرائيليون متدينون بمظهرهم مرتين إلى أربع مرات ، وفق شهادات منفصلة ، على طول “الطريق الصيني” ، وعلّقوا أعلام إسرائيل عند دوارين وعلى جوانب الطريق ، واقتربوا ، بين الجري والرقص ، من حديقة عامة كبيرة . وقال أحد سكان قرية عين قينيا لـهآرتس إنهم قدموا بسيارات من اتجاه مستوطنة دوليف . ولهذا الغرض كان على الجيش فتح البوابة الحديدية لهم ، والتي تعلوها نقطة عسكرية محصنة تشرف على المنطقة . وكتب في مقطع فيديو وثّق تعليق الأعلام: ” نعيد المحور إلى أيدٍ يهودية ” .
إن إبقاء عدة كيلومترات على جانبي الطريق ، في الجهتين الغربية والشرقية ، مصنفة ضمن المنطقة C — أي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية التخطيطية والإدارية ، إضافة إلى السيطرة الأمنية _ رغم وجودها في قلب منطقة رام الله والبيرة الحضرية، يوفر اليوم الأساس الرسمي لمطالبة المستوطنين باستخدام الطريق بحرية . وبموجب اتفاق أوسلو ، كان من المفترض أن ينتهي التقسيم المصطنع للضفة الغربية إلى مناطق B وA وC عام 1999 ، على أن تنتقل معظم الأراضي _ باستثناء المستوطنات والقواعد العسكرية _ إلى سلطة مدنية فلسطينية كاملة ، إلى جانب صلاحيات الشرطة ، بينما بقيت السلطة الأمنية العليا أصلا بيد إسرائيل في جميع أنحاء الضفة الغربية . وقد جمدت إسرائيل هذه العملية لأسباب أمنية ، مع تكريس سيطرتها على جميع عمليات التخطيط والبناء والتطوير ، لليهود وحدهم، في أكثر من 60% من الأراضي .
يعيش في محافظة رام الله نحو 400 ألف شخص في 80 تجمعا — مدن وبلدات وقرى ومخيمات للاجئين ، إضافة إلى تجمعات رعاة وبدو . وتبلغ مساحة المحافظة نحو 855 كيلومترا مربعا . وكما هو الحال في محافظات أخرى في الضفة الغربية بعد اتفاقات أوسلو ، جرى تجزئتها إلى جيوب بفعل مناطق C والمستوطنات والطرق الالتفافية . وتضم محافظة رام الله ما لا يقل عن 35 جيبا ، بينها ستة كبيرة نسبيا . أما البقية فهي تجمعات من القرى المنفصلة بعضها عن بعض ، إضافة إلى عدة قرى معزولة . وعلى مر السنين ، نصب الجيش عشرات البوابات الحديدية والحواجز الترابية والصخرية التي تحد من حركة التنقل وتبطئها ، سواء بين الجيوب داخل كل محافظة أو من وإليها. ومنذ أكتوبر 2023 أضيفت حواجز وإغلاقات أخرى زادت من التجزئة الداخلية . كما أن 11 بؤرة استيطانية أُقيمت مؤخرًا في مناطق B ، التي تتمتع فيها السلطة الفلسطينية بصلاحيات التخطيط والإدارة ، في محافظة رام الله ، أدت إلى زيادة الوجود العسكري ، وهو ما يحد بدوره من حركة التنقل داخل المحافظة . وسيكون هذا هو دور الطريق 463 إذا فُتح أمام حركة المستوطنين : تعطيل حركة الفلسطينيين وتقسيم المنطقة الحضرية .
وكما يتضح من التجربة في عشرات المواقع الأخرى في الضفة الغربية ، فإن الحفاظ على أمن المستوطنين على الطريق 463 سيتطلب الاستيلاء على مزيد من الأراضي العامة والخاصة على امتداده ، لإقامة مواقع عسكرية وحواجز لتفتيش الفلسطينيين . وسيؤدي ذلك إلى فصل ثماني قرى وحيين حضريين كبيرين في شمال المنطقة الحضرية عن الأراضي الواقعة جنوب الطريق . ومن المرجح أن يفضل عشرات الآلاف من سكانها السفر عبر الطريق 60 القديم ، المحاذي لمخيم الجلزون للاجئين . وهذا الطريق يعاني أصلا من ازدحام يفوق طاقته الاستيعابية بكثير .
ومن خلال مجمل شبكة “الطرق الصينية”، بما فيها الطريق 463 ، يصل الناس إلى مستشفى الاستشاري في حي الريحان ، وإلى حرم الجامعة العربية الأمريكية هناك ، وإلى منشأة معالجة مياه الصرف الصحي في المنطقة . ومن الصعب تصور كيفية استمرار هذه المرافق في العمل عندما تنتشر على طول الطريق مواقع عسكرية وحواجز . وحتى الآن ، انخفض عدد الزوار والمتنزهين في الحديقة العامة في رام الله ، خوفا من عودة المستوطنين إلى الظهور هناك .
على مدى عقود ، أثبت المستوطنون قدرتهم على التخطيط ، وأظهروا أن أياً من مبادراتهم ليس مجرد عمل منفرد ومعزول . وهذه المرة أيضا ، تترافق الحملة المكثفة لفتح الطريق ، في الوقت نفسه ، مع عمليات استيلاء أخرى على الأراضي والطرق في محافظة رام الله . ولا تحظى هذه العمليات بالقدر نفسه من الاهتمام لأنها ، حتى الآن ، لم تترافق مع أعمال عنف جسدي استثنائية .
فعلى سبيل المثال ، في الطريق الطولي المتفرع من الطريق 463 والمتجه جنوبا إلى حي الطبقة الوسطى العليا الطيرة ، توجد قطعة أرض يأتي إليها المستوطنون منذ سنوات برفقة جنود ، وقد شوهدوا وهم يصلّون فيها . وقبل نحو عامين ، قال مصدر أمني لـصحيفة هآرتس بأن الأرض مملوكة ليهود . وخلال الأشهر الأخيرة ، نفذ إسرائيليون فيها أعمال تسوية للأرض ، ووضعوا مكعبين من الخرسانة ، وفي بداية سبتمبر أقيمت هناك أيضا بوابة حديدية رمادية مغلقة . وقبل نحو أسبوعين رُفع هناك كذلك علم إسرائيلي على سارية مرتفعة ، لكنه أزيل بعد عدة أيام . وفقط أمس ، توجه نحو 15 إسرائيليا متدينا إلى المكان ، ووضعوا فيه علما إسرائيليا وصلّوا . ولم يرد الجيش الإسرائيلي على سؤال هآرتس بشأن أعمال تسوية الأرض التي نُفذت هناك .
وفوق ذلك ، يطالب مستوطنون من تجمع تلمون بالسماح لهم الآن باستخدام الطريق الواقع في جنوب منطقة رام الله الحضرية ، والذي شُيّد أصلا تعويضا عن إغلاق الطريق السريع 443 أمام الفلسطينيين . ويأتي ذلك في وقت تخطط فيه وزارة المواصلات لشق طريق _ عبر أراضٍ زراعية تابعة لقرى فلسطينية أخرى _ من شأنه تقصير الطريق أمام مستوطني دوليف وتلمون إلى الطريق 443 والقدس .
إن استجابة الجيش لمطالبة المستوطنين بتقصير طرق تنقلهم في الضفة الغربية تتماشى مع ازدياد البؤر الاستيطانية، وإضفاء الطابع الرسمي عليها ، بصورة رسمية وغير رسمية ، وتصاعد أعمال العنف المرتبطة بها . وتشير هذه التطورات مجتمعة إلى استمرار تجزئة المجال الفلسطيني إلى وحدات آخذة في الانكماش والابتعاد بعضها عن بعض ، بحيث تصبح حركة التنقل بينها أطول وأكثر اضطرابا على نحو متزايد .

المصدر: هآرتس

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *