المرأة وصنع القرار: الأولويّة للمبادرة وتسبق التنظيرات

تشهد مكانة المرأة العربية تقدماُ ملحوظا وتراكمياً في معظم مجالات الحياة العامة والخاصة، وبات من غير الممكن تصور المجتمع الفلسطيني من جون هذا المركّب. تتقدم لان حلمها الفردي والجماعي، وهو من صلب حلم المجتمع، يتغلب على معظم المعوقات والتقييدات الاجتماعية، والتي في غالبيتها قد حسم أمرها، كما يشير هذا التحوّل الذي لم يتوقف يوما، بأن المجتمع العربي الفلسطيني هو مجتمع داعم.

لم تعد قدرة المرأة العربية على التأثير موضع سؤال لا إن كان ساذجا او متساذج. كما لا اعتقد ان حرية المرأة ودورها هما مسألة “تقرير مصير”، وكذا الحال بالنسبة للرجل الذي يبقى بعيدا عن هذا المفهوم حتى وان حصل على دعم مجتمعي أكثر مما تحصل عليه المرأة في المجمل، بل أنّ مجرّد الدعم المجتمعي يأتي على حساب مفهوم تقرير مصيره بالمستوى الفردي. برأيي هنالك ما هو أهم من تقرير المصير وأقصد حق المرأة على ذاتها وسلوكها وجسدها باعتبار هذا الحق ملك لها وفقط لها ويسري هذا المبدأ على حلمها. وكي يكون “فقط لها” هذا منوط بها، كما الحقوق في حالتنا ومسيرتنا تؤخذ ولا تأتي من دافعيتها الذاتية. لكن ماذا مع المرأة التي لا تملك القدرة الذاتية او المحيطة والتي تتيح لها ذلك، هنا يدخل دور ما يسمى المجتمع المدني وقبله العمل السياسي الذي يراكم مع الوقت مشروعا سياسيا يقوم على مبادئ سياسية واجتماعية معا.

التحدي الفعلي هو ليس بالتنظير بل أخذ زمام المبادرة والممارسة القيادية وتحدي ما يبدو انه غير قابل ليتحداه أحد. البنية الاجتماعية مؤاتية للتغيير في وضعية المرأة وهذا يحدث فعليا كما هو مبين في النخب النسوية في كافة مجالات الحياة، فيما المحدودية هي سياسية وتعود الى انغلاق بنيوي في الأحزاب. عند اعتماد مبدأ إدارة سياسة الهويات في التمثيل يتعوّق تمثيل المرأة. لكن دور المرأة لا ينحصر في ان تكون مرشحة للكنيست او ان تُنتخب، بل دورها هو اولاً في مستوى اتخاذ القرار بما فيه القرار الذاتي. التأثير السياسي في واقع انغلاق بنيوي في الأحزاب لا يأتي فقط بالإقناع بل في فرض الذات، وبإسناد جماعي الحركة السياسية المتصدرة للساحة باتت تقليدية بمفهوم القدرة على تحررها ذاتياً من تقليديتها. المسألة هنا ليست تبدّل الأشخاص القياديين وهي بحد ذاتها لا تتيح التجدد الدوري، بل أن الحركة لا تجدد فكرها السياسي والقيمي او لا تجتهد لمراجعة هذه الأمور باعتبارها مفروغا منها. وباتت الترشيحات للكنيست كما لو أنها الحلم الأسمى في الحياة ومعيارا للتقدم. فيما ان الأحزاب لا تعاني من كونها ذكورية بالضرورة، بل أكثر من فقدان أفق قائم على مفهوم التجديد وإتاحة المجال للحراك التراتبي الداخلي. لكن هذا لا يجيب على سؤال تمثيل المرأة. من المتوقع مستقبلا ان لا يحصل تقدم في هذا الصدد وهذه المرة بسبب معوّق جديد وهو إدارة الحملات الشخصية في الانتخابات التمهيدية للقوائم بالتقاطع ما تصاعد الترشيحات الهويّاتية، وفعليا سيعتمد الأمر لاحقا على جدارة التسويق أكثر من جدارة المرشح\ة. كما أن سياسة الكوتا او تحصين موقع المرأة أكثر ضمانا لإدراجها في القائمة، بينما يكون التعاطي السياسي بأن هذه المحاصصة هي سقف التمثيل بدلا من عتبته وفقا لمبدأ التمييز المصحح. مع التأكيد أن التوجه التقدمي بما فيه النسوي ليس سياسة هويات بل قيمة مُدمَجة في السياسات ونمط الفعل السياسي.  

اذا كان ظهور المرأة وتصدرها للواجهة السياسية البرلمانية نخبويا فإنه لا يدعم مكانة المرأة بالضرورة، ولا توجد اية امرأة ممثلة للنساء ولا حاجة الى ذلك. لكن توجد ممثلات للتوجهات التقدمية في كل منظور الحياة بما فيه تشكيل نموذج نسوي يحتذى به.

الحركة السياسة التي تقاطع الانتخابات او لا تشارك فيها وبتياريها العلماني والديني على السواء هي أقل تجديدا وأقل مناليةً للحراك القيادي الجندري. عدم التجدد الرتيب يعيد انتاج نفسه ويقوم بعملية هندسة لنمط القيادة المستدامة، ما يسقط أولا على المرأة والشباب. اذ مضت أجيال دون حراك قيادي متجدد وشبابي حصرا.

هناك ظاهرة قد تكون لها تداعيات على دور المرأة وانعتاقها المتحرر، وهي الانزياح المتسع للخطاب العلماني التقدمي في الحركة السياسية والجماهيرية وملاءمة نفسه وحتى مفردات خطابه للفكر التقليدي، ما لا يتيح مجالا لتقدم دور المرأة والشباب الا بقدر ما تناضل هذه الفئات ومن يساندها داخل الأطر الحزبية وخارجها. العلاقة بين التيارين التقدمي والتقليدي ليست صدامية بالضرورة بل تقبّل قائم على التعددية كحالة وقيمة ضابطة للعلاقات الاجتماعية.

في هذا السياق، فإن ما يأتي به حزب “لكلنا مكان” والذي ظهر مؤخرا، هو انقلاب على المفاهيم السائدة من حيث النمط، أي تأسيس حزب برئاسة امرأة وعربية هي رولا داود، وطابعه الشبابي بامتياز، ولا اتحدث عن موقفي من هذا الحزب. بينما من باب النموذج فإن الحزب الجديد قد يكون محفّزاً لقيام أحزاب او مجموعات ضغط او حركات سياسية عربية شبابية، وليس بالضرورة على حساب الأحزاب القائمة لكن نأخذ بالاعتبار بأن الساحة السياسية وتنوّع المجتمع الفلسطيني أوسع بكثير مما تمثله الأحزاب والحركات القائمة، والتي بدورها قد تتأثر من هذا النموذج الجديد في العمل السياسي الميداني. وللتنويه فإن حراك المرأة وبالأساس الحراك التقدمي بنظرة شاملة لم ينتظر ظهور “لكلنا مكان” بل سبقه بأجيال عديدة وشكّل مسيرة كفاحية بحد ذاتها ولم يتوقف يوما رغما عن التقلبات في الثقافة السياسية والاجتماعية.

في المقابل نشهد أن حضور المرأة في الحراكات الشبابية الاحتجاجية في طابعها، والمتمردة في روحها أوسع أثرا وكمّاً مما يحصل في الحركة السياسية المنظمة. كما يتسع نطاق هذه الحراكات خارج الحيز الحزبي السياسي. هذا النمط ليس محليا بل عالميا، وهذا ما شاهدناه في حركات الاحتجاج ضد حرب الإبادة، وكذلك في التحولات في السياسة الامريكية وتمرد الجيل الشاب على قياداته التقليدية وفرض مشروعه السياسي وهويته القائمة على التضامن مع الضحايا وتحدي بنى القوة المهيمنة. في حالتنا في الواقع الإسرائيلي وحصريا بعد تشرين اول 2023 شهدنا استهدافا للكلّ الوطني، واستهدافا خاصا للمرأة التي برزت بجرأتها في تحدي القهر، وهذا ما حصل في الاكاديميا الإسرائيلية، وتجاه الفنانات والناشطات الميدانيات ومن أبرز الحالات كانت بروفيسور نادرة شلهوب كيفوركيان والفنانة دلال أبو امنة.

النمط الأكثر إشكالية هو الانتخابات البلدية والمحلية حيث تبنى في الغالب مباشرةً على البنى الاجتماعية والهويات المنبثقة عنها، وحيث في معظم الأحيان وباستثناء بعض الأماكن فإن تمثل المرأة محاصر بنيوياً. في هذا المضمار هناك نماذج ملهمة في المدن الساحلية والمختلطة، وتاريخيا في الناصرة وحصريا منذ فوز الجبهة بقيادة توفيق زياد 1974، وكانت حالة فيوليت خوري التي ترأست مجلس كفرياسف المحلي عام 1969. في المقابل تشهد السنوات الأخيرة حراكات شعبية نسائية وشبابية من حيث الجيل الطاغي، وحصريا في مواجهة الجريمة المنظمة ووقوع الضحايا باستمرار وبتصاعد. انها حراكات جريئة وقد تولّد قيادات نسائية شابّة تواصل دورها في القيادة السياسية والشعبية.

تاريخيا، فإن الحركة الطلابية العربية في سنوات السبعين والثمانين حصريا، شكلت النموذج الأكثر تقدّماً في هذا الصدد، وذلك بتقديري لسببين رئيسيين، أولا حالة النهضة التحررية الفلسطينية الشاملة ونشوء أجيال جديدة متمردة من ضمنها جيل يوم الارض، وفعليا متأثرة أيضا بالتحولات التقدمية عربيا في التحرر من الاستعمار وعالميا في أواخر ستينيات القرن الماضي وحصريا بين الأجيال الصاعدة وطلبة الجامعات ضد الحرب الامريكية في فيتنام ولصالح حركات التحرر في العالم وضد الاستعمار، فيما السبب الثاني هو كون لجان الطلاب العرب في الجامعات الإسرائيلية واتحادهم القطري شكلت الأطر الوطنية المنتخبة مباشرة من جمهورها، وحيث قادها تياران تقدميان تصدّرا المشهد آنذاك وهما الحزب الشيوعي وجبهة الطلاب العرب والحركة الوطنية التقدمية – أبناء البلد. في الحركة الطلابية كانت منالية القيادة هي الأكثر توفرا قياسا في أي شكل من اشكال التنظيم الوطني.

لا يوجد عنوان واحد للتغيير الاجتماعي، وبالتأكيد فإن انتخابات الكنيست ليست المعيار الوحيد حتى وإن كانت معيارا حقيقيا. وعليه أورد نموذجا اخر لانقلاب مفاهيمي اجتماعي سياسي حدث فعليا، وهو العريضة التي بادرنا اليها في نهاية الثمانينيات والتي طالبت باستقالة رئيس لجنة المتابعة في حينه، لكونه أدلى بشهادة هوية لصالح أب قتل ابنته الحامل والام لأطفال بذريعة شرف العائلة وذلك في طرعان. تحفظت قيادة الحزب الشيوعي حيث كنت عضوا ناشطا فيه من مجرد العريضة ومضمونها وباعتبارها تعوّق على أولوية “وحدة الصف الوطنية”، تم تحدي التحفظ القيادي دون أي تراجع عن العريضة مضمونا وتوقيتا ونصا. لم يتوقف الامر عند العريضة بل سرعان ما تحولت الى حراك نتج عنه فيما بعد “ائتلاف البديل لمحاربة جريمة شرف العائلة” وهي تسمية تحدت العرف الاجتماعي الذي كان قائما، رافضةً مفهوم “شرف العائلة” ليشكل احد اهم الحراكات الاجتماعية وأبعدها أثرا. حزبيا وفي مؤتمر الحزب الشيوعي الحادي والعشرين تم اعتماد تعديل دستوري يتماشى مع روح مبادرة التغيير الاجتماعي. البيئة الحاضنة لقوى التغيير تتغير أيضا بفعل قوى التغيير ذاتها. أسس التغيير الاجتماعي متوفرة، وتحتاج الى الجرأة لأخذ زمام المبادرة القيادي النسوي وبخلق بيئة داعمة متفاعلة لصالح هذا التغيير، فالتغيير الاجتماعي وفي المواقف لا يأتي من تلقاء نفسه بل دائما تكون طليعة مناضلة تجعل التغيير واقعاً دون استئذان من أحد.

كلمة تقدير:

تنهي عايدة توما سليمان عملها البرلماني، وفي سياق هذا المقال من الجدير كلمة تحية وتقدير، بكونها قامت بأداء المهمة البرلمانية ببعديها الشعبي والبرلماني. وللإشارة فإن عايدة لم تبدأ مسيرتها في الكنيست بل تمتد لاربعة عقود منذ العمل الطلابي القيادي والحزبي، والعمل النسوي الريادي وتبوأت مواقع عدة حزبيا وجماهيريا، وبتقديري تجاوزت سياسة الهويات واستمدت جدارتها من دورها القيادي. 

(نُشر في موقع سين48 بالإنجليزية والصادر في الأول من أيلول 2026)

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *