المؤتمر الثامن لـحركة فتح : بين استحقاق التنظيم وأسئلة الشعب الفلسطيني


مع بدء أعمال المؤتمر الثامن لحركة فتح اليوم ، لا يبدو الفلسطينيون أمام حدث تنظيمي عادي ، ولا مجرد محطة داخلية تخص أكبر فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية ، بل أمام لحظة سياسية ثقيلة تتجاوز حدود الحركة نفسها لتلامس مستقبل الحالة الفلسطينية بأكملها . فالمؤتمر يأتي في توقيت استثنائي : حرب ابادة مفتوحة على غزة ، انسداد سياسي كامل ، تصاعد غير مسبوق في الاستيطان في الضفة الغربية ، أزمة ثقة عميقة بالمؤسسات الفلسطينية ، وتحولات إقليمية ودولية كبيرة تعيد رسم خرائط النفوذ والمصالح في المنطقة .
في مثل هذا المناخ ، يصبح السؤال الحقيقي ليس : من سيدخل اللجنة المركزية ؟ ومن سيخرج من المجلس الثوري ؟ بل : هل ما زالت حركة فتح قادرة على استعادة دورها التاريخي كحركة تحرر وطني تقود المشروع الفلسطيني ، أم أن الزمن السياسي تجاوز بنيتها التقليدية وخطابها القديم ؟
فمنذ انطلاقتها ، لم تكن حركة فتح مجرد تنظيم سياسي ، بل شكلت بالنسبة لمعظم ابناء الشعب الفلسطيني مايمكن وصفه ب ” المظلة الوطنية الكبرى ” التي جمعت أطياف الشعب الفلسطيني حول فكرة التحرر الوطني . ولذلك فإن أي أزمة تعيشها حركة فتح تنعكس تلقائياً على مجمل الحالة الفلسطينية ، وأي محاولة لاستعادة عافيتها تحمل أثراً يتجاوز أبناءها وكوادرها .
لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن المؤتمر الثامن يأتي هذه المرة وسط حالة ترقب شعبية كبيرة ممزوجة بالقلق أكثر من الحماس . فالفلسطيني الذي يراقب المشهد اليوم لا يبحث عن استعراض تنظيمي أو خطابات احتفالية ، بل ينتظر إجابات واضحة على أسئلة باتت تمس حياته اليومية ومستقبل قضيته الوطنية .
الشعب الفلسطيني يريد أن يرى مؤتمراً يعترف بالأزمة التي وصلت اليها القضية الفلسطينية لا أن يتهرب منها . لأن أخطر ما يمكن أن تقع فيه أي حركة وطنية مثل فتح هو إنكار التحولات التي تجري حولها . هناك فجوة حقيقية بين الشارع الفلسطيني وبين جزء واسع من البنية السياسية والتنظيمية ، وهذه الفجوة لم تعد قابلة للإخفاء بالشعارات التقليدية ” غلابة يافتح ” أو اللغة التعبوية القديمة ” ثورة حتى النصر ” . ولذلك فإن أول اختبار لنجاح المؤتمر يكمن في امتلاكه شجاعة المراجعة والنقد الذاتي ، لا الاكتفاء بإعادة إنتاج الخطاب ذاته .
كما أن الشعب الفلسطيني ينتظر من المؤتمر إعادة تعريف وظيفة الحركة نفسها . فهل ما زالت فتح حركة تحرر وطني تقود مشروعاً سياسياً جامعاً ؟ أم أنها تتحول تدريجياً إلى إطار إداري مرتبط بالسلطة أكثر من ارتباطه بالفعل الوطني الشعبي ؟ هذا السؤال لم يعد مطروحاً فقط من قبل الخصوم السياسيين ، بل أيضاً من داخل البيئة الفتحاوية ذاتها ، ومن أجيال شابة تشعر بأن المسافة تتسع بينها وبين الخطاب التنظيمي التقليدي .
وفي هذا السياق ، تبدو قضية تجديد القيادة من أهم التحديات المطروحة . والمشكلة ليست عمر الأشخاص بقدر ما هي طبيعة العقل السياسي المطلوب للمرحلة المقبلة . الشعب الفلسطيني يريد قيادات تمتلك القدرة على اتخاذ القرار ، وتحمّل المسؤولية ، والتواصل مع الشعب ، وإنتاج خطاب سياسي مفهوم ومقنع ، لا مجرد شخصيات تتحرك ضمن توازنات داخلية أو ولاءات تنظيمية مغلقة .
كما أن المؤتمر سيكون مطالباً بتقديم رؤية سياسية واضحة للمرحلة القادمة . فبعد كل ما شهدته غزة والضفة الغربية خلال الأشهر والسنوات الأخيرة ، لم يعد ممكناً الاكتفاء بالعموميات السياسية . الشعب الفلسطيني يريد معرفة الاتجاه : ما هو شكل المشروع الوطني الفلسطيني المطروح ؟ كيف ستُدار العلاقة مع الاحتلال الاسرائيلي ؟ ماهي حدود الرهان على المجتمع الدولي ؟ وماهو موقع المقاومة بأشكالها المختلفة في الاستراتيجية الوطنية الفلسطينية المقبلة ؟
هذه الأسئلة ليست هوساً فكرياً ، بل تعبيراً عن حاجة وطنية لشعب يعيش أخطر مراحله منذ سنوات طويلة .
ومن بين أكثر القضايا حساسية أيضاً ، قضية العلاقة بين حركة فتح والجيل الفلسطيني الجديد . فواحدة من أبرز الظواهر التي كشفتها وسائل التواصل الاجتماعي خلال التحضير للمؤتمر ، هي حجم الفجوة النفسية والسياسية بين قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني وبين النخب التقليدية . فهناك جيل كامل يريد أن يشعر بأنه شريك في القرار ، لا مجرد جمهور للتصفيق أو التلقي . وأي مؤتمر لا يفتح الباب فعلياً أمام الطاقات الجديدة ، سيبدو كأنه يؤجل الأزمة بدلاً من معالجتها .
وفي المقابل ، لا يمكن تجاهل أن المؤتمر الثامن يحمل فرصة حقيقية أيضاً . فالأزمات الكبرى قد تتحول أحياناً إلى لحظات إعادة تأسيس إذا امتلكت القيادة الشجاعة الكافية. وفتح ، بحكم تاريخها ومكانتها وحضورها الشعبي ، لا تزال قادرة على لعب دور محوري في إعادة ترميم الحياة السياسية الفلسطينية إذا قررت الانحياز إلى منطق الإصلاح والتجديد والانفتاح .
لكن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول المؤتمر إلى مجرد مناسبة لإعادة ترتيب التوازنات الداخلية دون إنتاج أثر سياسي أو شعبي ملموس . لأن الفلسطيني اليوم لا يعاني فقط من أزمة تنظيمات ، بل من أزمة ثقة وأفق ومستقبل . ولذلك فإن نجاح المؤتمر لن يُقاس بعدد أعضاء الهيئات المنتخبة ، بل بقدرته على إعادة الأمل للشعب ، واستعادة الشعور بأن السياسة الفلسطينية ما زالت قادرة على تمثيل شعبها والتعبير عن تطلعاته .
إن المؤتمر الثامن لحركة فتح لا يواجه اليوم امتحاناً تنظيمياً فقط ، بل امتحاناً وطنياً وتاريخياً . فإما أن ينجح في تقديم فتح جديدة أكثر قرباً من الشعب وأكثر قدرة على فهم التحولات ، وإما أن يكرّس الانطباع السائد بأن النظام السياسي الفلسطيني يتحرك ببطء وبخلاف ارادة الشعب في زمن تتغير فيه الوقائع بسرعة هائلة .
وفي النهاية ، قد لا يتذكر الفلسطيني بعد أشهر تفاصيل الانتخابات الداخلية أو أسماء الفائزين والخاسرين ، لكنه سيتذكر أمراً واحداً فقط :
هل خرج المؤتمر الثامن لفتح بفتح هي أقرب إلى الشعب وقضاياه وهمومه أم بفتح أكثر انشغالاً بذاتها ؟
وفي الختام ، لا يدخل الشعب الفلسطيني اليوم إلى المؤتمر الثامن بوصفه جمهوراً يراقب انتخابات داخلية ، بل شعباً يحمّل حركة فتح إرثاً طويلاً من التضحيات والوعود والآمال . ففتح بالنسبة لأجيال كاملة لم تكن مجرد تنظيم سياسي ، بل كانت اسم الحلم الوطني الفلسطيني ، وصوت البندقية الأولى ، وعنوان الهوية الجامعة في أصعب مراحل القضية الفلسطينية .
إن الشعب الفلسطيني لا يريد من المؤتمر أن يعيد إنتاج الماضي ، بل أن يستعيد منه القوة والمعنى والقدرة على الانطلاق نحو المستقبل . يريد فتحاً أكثر قرباً من الناس ، أكثر شجاعة في المراجعة ، وأكثر استعداداً لحمل أعباء المرحلة المقبلة بكل ما فيها من مخاطر وتحديات .
فإذا نجح المؤتمر في تجديد الثقة بين الحركة وشعبها، وفي إنتاج قيادة تمتلك رؤية ومسؤولية وجرأة، فقد يتحول إلى نقطة بداية جديدة في مسيرة وطنية لم تنتهِ بعد. أما إذا اكتفى بإدارة التوازنات الداخلية ، فإن الفجوة بين الشارع والسياسة ستزداد اتساعاً في لحظة لا يملك الفلسطيني فيها المجال لإضاعة الوقت أو الفرص .
لأن القضية الفلسطينية اليوم لا تحتاج فقط إلى من يحرس التاريخ… بل إلى من يصنع المستقبل ويوصل الشعب الى الاستقلال وحق تقرير المصير .