الفشل في منع التصعيد : المفاوضات مع حماس لإطلاق سراح المختطفين

على خلفية الجمود في المفاوضات بين حماس وإسرائيل بشأن إطلاق سراح باقي المخطوفين الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة واستئناف القتال، برز خطاب إدارة ترامب العدواني، بما في ذلك التهديد بالتصعيد، باعتباره السمة المميزة لاستراتيجية إسرائيل التفاوضية. فالتهديدات باستخدام القوة، إلى جانب زيادة الضغط العسكري الإسرائيلي، وقطع الكهرباء عن الشريط الساحلي في قطاع غزة، وتقليص حجم المساعدات الإنسانية ، هي أمور تتناقض مع الاستراتيجية التي تبنتها إدارة بايدن في المراحل الأولى من المفاوضات . لذلك، من المهم أن ننظر إلى الظروف التي أدت إلى هذه النقطة الحرجة، وأن نعيد تقييم الطريقة التي أجريت بها المفاوضات لإطلاق سراح المخطوفين خلال إدارة بايدن ، خاصة على ضوء حقيقة أنه بعد الإفراج الأولي عن المخطوفين في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2023، توقفت المفاوضات لأكثر من عام ، ولم يتم تحقيق اختراق دبلوماسي إلا في أوائل عام 2025 .
في مقابلة أجرتها صحيفة نيويورك تايمز مع وزير الخارجية السابق أنتوني بلينكن بمناسبة انتهاء ولايته، اتهم بلينكن حماس بعرقلة المفاوضات . وقد كان على حق بطبيعة الحال ، ولكن تقييمه تجاهل خللاً خطيراً في الاستراتيجية الأميركية: كانت هناك لحظات رئيسية عديدة أدى فيها الخطاب العام والنهج الدبلوماسي للوسطاء الأميركيين عن غير قصد إلى تعزيز موقف حماس وإعاقة التوصل إلى حل أسرع لأزمة المخطوفين .
استراتيجية حماس التفاوضية: وسائل الإعلام، والروافع، والعراقيل :
في الأشهر التي أعقبت هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول تعرف المفاوضون الإسرائيليون تدريجيا على نهج حماس. فقد أدركت منظمة حماس أن بقاءها لا يعتمد فقط على المقاومة العسكرية، بل أيضاً على الضغط الخارجي على إسرائيل، وعملت بمهارة على خلق ذلك الضغط من خلال الدعاية والمناورات الدبلوماسية. وبفضل الاستخدام الماهر لوسائل التواصل الاجتماعي وقناة الجزيرة التي تعمل بتمويل من قطر، نجحت حماس في حشد الشارع العربي إلى جانبها، فضلاً عن الأصوات المتعاطفة في الغرب. ولايتعلق الأمر بمجرد حملة علاقات عامة ، وإنما هي مركب أساسي في استراتيجية حماس القتالية . خططت المنظمة لتوليد ضغط خارجي على المستوى الذي من شأنه أن يحد من العمل العسكري الإسرائيلي، وفي الوقت نفسه يعزز من قدرتها على المساومة في المفاوضات لإطلاق سراح المخطوفين.
وكانت أولويات حماس في المفاوضات واضحة.
الهدف الأول والأهم هو ضمان تدفق مستمر للمساعدات الإنسانية، التي تستطيع المنظمة السيطرة عليها وتوزيعها للحفاظ على قبضتها الخانقة على سكان غزة.
وثانياً، سعت حماس إلى تقليل حجم القتال الذي يخوضه الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة إلى الحد الأدنى بواسطة استغلال الدعوات العالمية لوقف الأعمال العدائية.
وأخيرا، وليس أقل أهمية، هو أن حماس أرادت ضمان إطلاق سراح أسرى فلسطينيين من المعتقلين في السجون الإسرائيلية. وكانت إسرائيل على دراية بهذه الأهداف منذ البداية، ولكن في واشنطن، تساوقت استراتيجية إدارة بايدن عن غير قصد مع أهداف حماس، وأقصد الحد من العمل العسكري الإسرائيلي وتمكين حماس من إملاء شروط القتال .
كيف عززت السياسة الأميركية من الاوراق الموجودة بين يدي حماس :
في بداية عام 2024، عززت إدارة بايدن من الضغوط على إسرائيل لإدخال مساعدات إنسانية واسعة النطاق إلى غزة. ورغم أن الضغط كان يهدف إلى تلبية حاجة إنسانية، فإنه كان له نتيجة غير مقصودة تمثلت في تعزيز قوة حماس . وبسبب أن حماس مازالت تتمتع بسيطرة قوية على غزة، فقد تمكنت من السيطرة على توزيع المساعدات الإنسانية وبالتالي ضمان استخدام الموارد الحيوية لتعزيز موقفها.
ولكن الضرر الرئيسي كان الرسالة العامة التي خرجت من واشنطن، والتي حملت تلميحات مربكة للحلفاء والخصوم على حد سواء.
ففي 8 فبراير/شباط 2024، انتقد الرئيس بايدن علناً الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة، عندما وصفه بأنه “مبالغ فيه”. كما أن أوساط في البيت الأبيض مارسوا ضغطاً متواصلاً على إسرائيل لتأجيل العملية العسكرية المخطط لها في رفح، محذرين من أن مثل هذا التصعيد سيكون غير مقبول.
وبالنسبة لحماس، أكدت هذه التصريحات ما بدأت تفهمه بالفعل: الوقت كان يعمل لصالحها. وبدلاً من تقديم التنازلات، فسرت حماس الضغوط الأميركية على إسرائيل كإثبات على أن كل ما عليها فعله هو الصمود، وتأخير المفاوضات، وانتظار أن تجبر واشنطن إسرائيل على الانسحاب . وقال مسؤول كبير في حماس حينها لوسائل الإعلام العربية : “إذا ضغط الأميركيون على إسرائيل بقوة كافية، فلن نضطر إلى التنازل عن أي شيء”. ولم يكن هذا تقدير مضلل . ذلك أن أي إشارة إلى خلاف علني بين واشنطن وإسرائيل كانت تشجع حماس على تشديد مواقفها في المفاوضات، وإطالة أمد المحادثات، وتأجيل إطلاق سراح المخطوفين .
وتعمقت حالة الارتباك عندما وجدت أوساط رسمية أميريكية وإسرائيلية صعوبة في إظهار جبهة موحدة . ورغم استمرار الدبلوماسية السرية، فإن الخلافات العلنية (وخاصة التهديدات من جانب واشنطن بحجب المساعدات العسكرية) عززت اعتقاد حماس بأن إسرائيل سوف تضطر في نهاية المطاف إلى الانسحاب.
حماس أخطأت
في تقديراتها: إسرائيل تنطلق لعملية في رفح :
في نهاية الامر أخطأت حماس في تقديراتها ، وعندما شنت إسرائيل هجوماً على رفح وفككت البنية التحتية للمنظمة هناك، فاجأت المنظمة هناك غير جاهزة استنادا إلى اعتقادها بأن واشنطن ستمنع مثل هذا التصعيد . ولكن نقطة التحول في المفاوضات بشأن صفقة المخطوفين لم تكن الضغط الدبلوماسي، وإنما العمل العسكري . وفقط بعد أن تكبدت حماس خسائر إقليمية وعملياتية كبيرة، غيرت حماس من موقفها ، الأمر الذي مهد الطريق للصفقة التي تم التوصل إليها .

دروس للتنسيق المستقبلي بين الولايات المتحدة وإسرائيل

في الوقت الذي تعمل فيه إسرائيل على إعادة بقية مواطنيها المخطوفين إلى بيوتهم ، فإنه ينبغي عليها أن لاتتجاهل دروس وعبر الماضي . فالتصور العام بوجود انقسام بين واشنطن واسرائيل كان أكبر ثروة دبلوماسية امتلكتها حماس. وقد اعترف وزير الخارجية الأسبق بلينكن قائلا: “عندما رأت حماس أن إسرائيل تتعرض لضغوط علنية ، تراجعت عن الصفقة “. وينبغي أن تكون هذه الأمور بمثابة إشارة تحذير للمفاوضات المستقبلية. “إن أي جهد دبلوماسي يضغط على إسرائيل دون المطالبة بتنازلات فورية من حماس سيؤدي فقط إلى إطالة أمد الأزمة، ولن يقرب حلها”.
ومن أجل تجنب تكرار أخطاء الماضي يجب على واشنطن أن تضمن أن تكون رسائلها العلنية متناسقة مع أهدافها الاستراتيجية . فإذا كان الهدف هو إضعاف حماس وإعادة المخطوفين الإسرائيليين إلى ديارهم، فإن يجب على صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية أن يدركوا أن أي تلميح من جانبهم لكبح إسرأئيلي بدون ضغط موازي على حماس سيؤدي فقط إلى تعزيز قوة حماس. .
خلال المفاوضات التي سبقت شهر رمضان في ربيع عام 2024، كان من الممكن أن يؤدي تصعيد القتال الإسرائيلي إلى دفع حماس إلى نقطة الانهيار وإحداث اختراق في المفاوضات. ولكن بدلاً من ذلك ــ وعلى النقيض تماماً من عقيدة القتال الإسرائيلية التي تحمل راية الهجوم الاستباقي والتحرك السريع، وعلى النقيض من الاستراتيجية التي وضعها رئيس الحكومة ــ اضطرت إسرائيل إلى التراجع بسبب الضغوط الأميركية والاعتبارات الدبلوماسية التي قيدت هامش المناورة لديها. وزيادة الضغط بالذات في تلك المرحلة الحرجة كان من الممكن أن يساعد في سد الفجوات في المفاوضات والحصول على أثمان معقولة استراتيجيا بنظر الجمهور الإسرائيلي والحكومة على حد سواء.
فشل إدارة بايدن لم يكن في المفاوضات ، بل في فشلها في فهم كيف أن نهجها ساهم في تشكيل استراتيجية حماس. وإذا كانت واشنطن ملتزمة بمنع المزيد من الأزمات في مسألة المخطوفين فإنه ينبغي عليها أن تعمل بحيث لاتتحول مساعيها الدبلوماسية إلى أقوى سلاح بيد حماس . فالمفاوضات الفعالة مع المنظمات الإرهابية لا تبنى على حسن النية أو الخطابة فقط ، بل على التطبيق المستمر والمتناسق للروافع ، وبشكل خاص على الضغط العسكري المستمر والتهديدات الموثوقة بالتصعيد . وبدون ذلك، فإن هناك خطر في أن تتحول الدبلوماسية إلى مجرد لفتة فارغة، تتيح المجال لأعداء مثل حماس لكسب الوقت، وإعادة تنظيم صفوفهم، وإملاء شروطهم . وفي لحظات الأزمة القادمة، يجب على الولايات المتحدة أن تعطي الأفضلية للقوة أكثر من الرسالة، وأن تضمن أن تكون أي مفاوضات مدعومة بعواقب وخيمة على حالة عدم تقديم تنازلات. يتعين على إدارة ترامب أن تأخذ في الاعتبار أخطاء الماضي وأن تخلق نموذج صحيح أكثر للمحادثات حول صفقة مخطوفين مستقبلية.

من منشورات معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *