الدمار في كل حدب وصوب.. أين ذهب بيتي؟

“حين عدتُ إلى مدينة غزة، لم أجد منزلي، ولا حتى ملامح حيِّنا القديم. الطريق الرئيسي الذي كان يعج بالمنازل والمحلات التجارية اختفى تماماً تحت أكوام الركام التي غطت كل شيء، فلم أعد أميز حدود منطقتنا، ولا أعرف من أين يبدأ شرق غزة أو أين ينتهي غربها؛ إذ تحولت إلى صحراء من الأنقاض بلا معالم. لأيامٍ كاملة عجزت عن تحديد مكان منزلي، وكل ما وقع بصري عليه كان منازل مهدّمة بالكامل تمتد حتى الأفق، ولا أرى هذا الركام سوى قبر دُفنت فيه أحلامنا وذكرياتنا مذ كنا صغاراً.”

هذا ما قاله المواطن زكي حمودة عند عودته الأولى إلى مدينة غزة بعد نزوحٍ امتد لشهرين؛ إذ نزح من منزله الكائن في حي الزيتون حين كانت منطقته لا تزال سليمة بنسبة تقارب 70%، لكنه عاد ليجدها وقد تحولت بالكامل إلى أنقاض، بعد أن فجّر الاحتلال عشرات الروبوتات المتفجرة في المنطقة، وهو ما أدى إلى تسويتها بالأرض ومحو ملامحها بالكامل، ضمن ما عُرف بالمرحلة الأخيرة من الحرب التي أطلق عليها جيش الاحتلال اسم “عربات جدعون 2″، والتي كانت تحمل عنواناً محدداً وهو تدمير كل شيء؛ إذ استخدم الاحتلال خلالها ترسانة هائلة من الصواريخ والقنابل ذات القوة التدميرية العالية، موجهة بصورة مكثفة نحو الأحياء السكنية والأبراج. كما استخدم بصورة واسعة الروبوتات المتفجرة التي تدمر عدداً كبيراً من المباني في كل تفجير، فأدخلها ونشر المئات منها داخل مدينة غزة. ولم يكتفِ بذلك فقط، بل أيضاً دفع بالمئات من الآليات العسكرية والجرافات التي شاركت في تسوية المنازل بالأرض. 

الطريق إلى المدينة

ما شاهده زكي في أثناء وصوله إلى منطقته يمثّل ما رآه كل غزي كان نازحاً جنوب القطاع ووسطه، ثم عاد إلى المدينة المنكوبة عند إعلان وقف إطلاق النار، فعندما تسلك الطريق من الجنوب في اتجاه المدينة شمالاً، لن تجد أيّاً من المعالم التي كانت تميز الطريق الواصل إلى المدينة قبل الحرب، فالمساحات الخضراء الممتدة في مدينة الزهراء وقرية جحر الديك، والمباني والجامعات والمشافي ومدن الألعاب والمنتجعات، مُسحت بالكامل، وتحولت إلى أراضٍ جرداء، إلاّ من بقايا ركام المنازل التي كانت قائمة هناك، بحيث تمتد على مدّ البصر أراضٍ خالية من الشجر والحجر، لا يُرى فيها سوى آثار مواقع لجيش الاحتلال التي أقام عليها ما عُرف بمحور نيتساريم أو ما عُرف فلسطينياً بمحور الموت.

وقد شهدت تلك المناطق (الواصلة بين وسط القطاع ومدينة غزة) خلال الحرب مجازر مروعة بحق المدنيين الذين تجمعوا فيها بحثاً عن المساعدات، بعد أن كانت تُقام هناك مراكز توزيع المساعدات الأميركية.

ومع حجم الدمار المتصل في أثناء تنقل الغزي شمالاً، تجده لا يميز ما إذا وصل إلى المدينة أم لا يزال في الطريق إليها؟ وإن وصل إليها لا يميز هل هو في حي الزيتون أو الشجاعية أو منطقة الدرج؛ إذ بات الركام هوية كل المناطق، واختفت المعالم التي كانت تدل على المناطق سابقاً.

حتى أكثر مَن يعرف مدينة غزة، أولئك الذين أمضوا عمرهم في أزقتها وشوارعها، يقفون اليوم عاجزين عن تمييز معالمها أو معرفة ما إن كانوا قد وصلوا فعلاً إلى قلبها. ففي المناطق الجنوبية الشرقية، وخصوصاً على امتداد طريق صلاح الدين، اختفت كل معالم المدينة تماماً بعد أن دُمّر حي الزيتون بالكامل، ولم يبقَ فيه أي أثر للعمران، بينما شقّ جيش الاحتلال طرقات جديدة وسط الركام بهدف تسهيل تحركاته العسكرية، وطمر الطرقات الأصلية بالأنقاض والدمار الذي غيّر ملامح المدينة كلياً. 

كيف تبدو غزة؟

مع مواصلة التجوال في مدينة غزة تجاه الشمال، سيظهر حي الشجاعية وقد تحول إلى ركام بعد أن كان تاريخياً أحد أكثر الأحياء عراقة وحيوية، وكذلك حي التفاح الذي مسح الاحتلال أجزاء كبيرة منه، وخصوصاً الجانب الشرقي والشمالي. كما طال الدمار الأحياء الشمالية بصورة كبيرة؛ إذ تضرر جزء واسع من حي الدرج، بالإضافة إلى تدمير كامل لحي الصفطاوي ومنطقة المخابرات، والجانب الشمالي من شارعي النصر والجلاء.

ولم تكن المناطق الغربية من المدينة أفضل حالاً، فقد نالت نصيباً كبيراً من الاستهداف خلال الحرب؛ إذ دُمّر معظمها وتركزت الضربات في حي تل الهوى، إلى جانب محو منطقة الشيخ عجلين بالكامل بما تضمه من مرافق ترفيهية واقتصادية ومساحات زراعية.

أمّا عمق المدينة، فلم يسلم من الدمار، فقد طالته عمليات التجريف والقصف في مختلف مناطقه. ومع الحملات العسكرية المتعاقبة لجيش الاحتلال داخل مدينة غزة، تعرضت هذه المناطق للاجتياح البري مراراً، وهو ما أدى إلى مضاعفة حجم الدمار وتحويل أجزاء واسعة من المدينة إلى مساحات مدمرة بالكامل. 

ذكريات على الركام

مع عودة الغزيين إلى مدينتهم، وجدوا أنفسهم عالقين بين ماضٍ جميل كانت تنبض فيه المدينة بالحياة، وواقع قاسٍ دُمر فيه كل ما هو حي. فلم يصادفهم عند العودة سوى أكوام من الركام، وقد مُحيت معها ذكرياتهم التي حملوها عن المدينة.

وفي هذا الصدد، يقف الشاب أحمد عكيلة أمام أنقاض الاستراحة التي كان يعمل فيها على شاطئ بحر غزة طوال سبعة أعوام، فيتفقد ما تبقّى من ملامحها بعد أن غيرت آلات الحرب الإسرائيلية كل شيء في المكان. ويستحضر بين الركام صور الأيام التي كانت فيها أجواء الفرح والسعادة تغمر المنطقة، حين كان الغزيون يقصدونها من أجل التنزه والراحة، قبل أن يحولها الاحتلال إلى مشهد من الخراب.

ويقول أحمد عكيلة في حديثه إلينا وهو يتأمل المكان: “أتذكر جيداً صيف العام الذي سبق اندلاع الحرب، حين بلغت هذه المنطقة ذروة جمالها ونشاطها. كان الناس يتوافدون إلى الشاطئ للاستجمام، ويسهرون في المطاعم والاستراحات وصالات الأفراح التي امتلأت بالحياة. كانت الأجواء هنا نابضة بالحيوية من الصباح حتى المساء، وكل زاوية تشهد على فرح وبهجة.”

ويتابع بأسى: “أمّا الآن، كما ترى، فلا ملامح للحياة. كل شيء اختفى تحت الركام. الاحتلال تعمد إحداث دمار هائل وكامل في هذه المنطقة، التي كانت تُعرف بأنها من أكثر المناطق حيوية وجمالاً في مدينة غزة”.

يضيف أحمد: “ما تشاهده العين من دمار وخراب ليس الخسارة الوحيدة، بل أيضاً يكمن الألم الأكبر في مَن ارتقوا أو أصيبوا بإعاقات دائمة خلال هذه الحرب الشعواء. كثيرون من أصدقائي وزملائي الذين كانوا يحملون أحلامهم وطموحاتهم فقدوا حياتهم أو أصيبوا أو فقدوا أحبابهم، وانكسرت حياتهم تحت وطأة الحرب. العديد من جيراني ومحيطي الاجتماعي في المنزل والعمل تعرضوا للمصير نفسه؛ إذ إن خسائر الأرواح والبشر تفوق كثيراً خسائر الدمار والركام والقصف.”

أمّا الشاب خالد الشافعي، فلم يمضِ على زفافه سوى شهرين قبل أن تشتعل الحرب، وما زالت ذاكرته تحمل بعضاً من تلك الذكريات التي كانت آخر عهده بالفرح والأيام الجميلة. ففي الأيام الأولى للعدوان، أصيبت زوجته، وفقَدَ منزله بالكامل، ليُجبر بعدها على النزوح أكثر من 12 مرة في رحلة قاسية حفلت بالخوف والمعاناة.

ويستذكر خالد في حديثه معنا الأيام الجميلة التي سبقت اندلاع الحرب، حين كان موكب زفافه يجوب شوارع غزة في احتفال كبير ضم موكباً من السيارات، تتقدمها فرقة موسيقية على عربة أو ما يعرف غزياً باسم “فدعوس”. مرّ الموكب بمحاذاة البحر والفنادق والمقاهي الشعبية، بينما وقف الناس على الطرقات يحيّونه بفرح عارم، في مشهد وصفه بأنه من أجمل محطات حياته. لم يكن خالد يدرك آنذاك أن تلك اللحظات السعيدة لن تدوم طويلاً، وأن المدينة التي عايش فيها أجمل ذكرياته ستتغير ملامحها إلى الأبد.

ويضيف خالد أن ما عاشه خلال الحرب كان بمثابة عودة إلى نقطة الصفر، بعد أن خسر كل شيء ووجد نفسه في مواقف عصيبة اقترب فيها من الخطر والموت أكثر من مرة. واليوم، يعود إلى مدينة غزة ليجد أن ملامحها الجميلة قد مُسحت بالكامل؛ فبدلاً من العمارات والأبراج الشاهقة، تنتشر الخيام التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة. هذه الخيام، ولا تحفظ كرامة الإنسان، بحسب قوله، وتغرق مع أول هطول للأمطار، في مشهد يلخص حجم المأساة التي يعيشها الناجون.

ولم يكتفِ الاحتلال بما دمره خلال الحرب؛ إذ واصل عمليات التدمير الممنهجة حتى بعد إبرام اتفاق وقف إطلاق النار، واستمر يومياً بتنفيذ حملات نسف وتدمير للمنازل في المناطق التي لا يزال يسيطر عليها؛ بحيث امتدت سيطرة الاحتلال لأكثر من 50% من مساحة القطاع.

ولم يتوقف الأمر عند سريان الاتفاق، فقد ارتكب جيش الاحتلال منذ سريانه إلى يومنا هذا مئات الخروقات الدموية؛ وهو ما أسفر عن ارتقاء 492 فلسطينياً، وإصابة 1356 آخرين، منذ 11 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

وتجاوز مجموع الشهداء والمفقودين تحت الأنقاض حاجز الـ 77,500 شهيد ومفقود، كما أصيب أكثر من 180,000 فلسطيني خلال حرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال على قطاع غزة، منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

محمد النعامي: كاتب صحافي من غزة.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *