الاستيطان الأثري في سبسطية: قرار الاستملاك لسنة 2025

يسلط هذا المقال الضوء على التعديات المستمرة التي يتعرض لها موقع سبسطية الأثري، الواقع على بُعد 12 كيلومتراً شمال غربي مدينة نابلس، منذ عقود على يد الاحتلال الإسرائيلي، الذي يقوم بالانتهاكات والتعديات المتسارعة على الآثار والتراث الثقافي الفلسطيني من أجل الاستحواذ على أراضي الضفة الغربية بصورة عامة، ومنطقة سبسطية بصورة خاصة، وذلك للاستيطان فيها وتهويدها. لذا، فإن هذا المقال يستخدم مفهوم الاستيطان الأثري الذي يقوم على ادعاءات صهيونية توراتية مختلَقة بأحقية تاريخية بالآثار الموجودة في قمة التل الأثري أو المدينة العليا “الأكروبوليس”. وقد أصدرت حكومة الاحتلال الإسرائيلي عدة قرارات ممهدة للاستحواذ الكامل على منطقة سبسطية الأثرية، كان آخرها قرار الاستملاك الصادر في تاريخ 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2025؛[1]  إذ أعلنت الإدارة المدنية الإسرائيلية لمنطقة يهودا والسامرة قراراً بمصادرة الموقع الأثري في سبسطية واستملاكه، ويشمل القرار أراضي من قريتَي سبسطية وبرقة، متذرعة بحجج واهية، كالمنفعة العامة، والمحافظة على الموقع الأثري وتطويره وفتحه لاستقبال الجمهور. 

قرار مصادرة الموقع الأثري في سبسطية والقرارات الممهدة له

يشمل القرار المصادرة الكاملة لمنطقة الأكروبوليس، بما في ذلك جميع المناطق المفتوحة والبقايا التاريخية وطرق الوصول إليها، بالإضافة إلى قطع أراضٍ تعود ملكيتها إلى كل من سكان سبسطية وبلدة برقة المجاورة، ونحو 550 قطعة أرض زراعية تُستخدم في زراعة الزيتون.[2]  وقد صدر هذا القرار كنتيجة نهائية بعد عدة قرارات تمهيدية كانت قد صدرت خلال الأعوام الماضية؛ إذ أصدرت سلطة الآثار الإسرائيلية سنة 2023 قراراً يفيد بتوظيف ميزانية قدرها 32 مليون شيكل لتطوير موقع سبسطية وترميمه.[3]  وفي السنة نفسها، أعلنت الحكومة الإسرائيلية رصد 120 مليون شيكل من أجل تطوير المواقع الأثرية في الضفة الغربية. وفي سنة 2024، صدر قرار مصادرة عسكرية لمساحة 1.3 دونم، وتم تركيب عمود مراقبة عسكرية. وبين سنتَي 2024 و2025، قُدم إلى الكنيست مشروع قانون يسعى لتطبيق قانون الآثار الإسرائيلي على الآثار في الضفة الغربية. وفي سنة 2025، تم إعلان بدء حفريات جديدة وأعمال صيانة. وفي القرار الأخير لسنة 2025، تم إعلان ميزانية إضافية للمحافظة على التراث اليهودي وتطويره في الضفة الغربية.[4] 

القيمة الأثرية والتاريخية لموقع سبسطية

الشكل رقم 1: البازيليكا في سبسطية

تشهد الطبوغرافيا المبنية في سبسطية على زخم تاريخي وأثري عميق ومستمر، منذ العصر الحديدي (1150/1050 ق.م.–589 ق.م.)، أو قبل ذلك، وحتى يومنا هذا. وقد زودتنا نتائج التنقيبات الأثرية بمعلومات مهمة عن الآثار في سبسطية وتاريخها، وكانت التنقيبات الأولى التي أُجريت في الموقع سنة 1908 على يد جامعة هارفرد، بإدارة غوتيليب شوماخر، ثم تلاه جورج رايزنر بين سنتَي 1909 و1910، في مناطق محدودة في الموقع. أمّا التنقيبات الأوسع، فقد كانت في الفترة 1931-1935 بإدارة كرووفت وكاثلين كنيون، وقد عُرفت بتنقيبات البعثة المشتركة، وذلك لمشاركة خمس مؤسسات: جامعة هارفرد، ومدرسة الآثار البريطانية، وصندوق استكشاف فلسطين (PEF)، والجامعة العبرية.[5] 

وفي مطلع الستينيات، أجرت دائرة الآثار الأردنية تنقيبات محدودة في المسرح وبالقرب منه، وفي سنة 2005، قامت جامعة القدس، بالتعاون مع بلدية سبسطية، ومركز الفسيفساء أريحا، بالتعاون مع مؤسسة الأراضي المقدسة، بتنقيبات وأعمال ترميم، وكشفت تنقيبات البعثة المشتركة عن معظم الآثار المشاهَدة اليوم في التل الأثري، وخصوصاً الآثار المتمثلة في معاصر العنب والزيتون التي كُشف عنها تحت معبد أغسطس الروماني، والتي ردتها البعثة المشتركة إلى العصر البرونزي (3600 – 1200 ق.م.)، بينما أُرخت بعد إعادة دراستها إلى العصر الحديدي (1150/1050 ق.م. – 589 ق.م.). وقد كشفت كنيون في أعلى التل عن مبنى ضخم ردته إلى العصر الحديدي الثاني (1000 ق.م. – 589 ق.م.) وبالتحديد إلى أعمال الملك عُمري الذي اشترى سبسطية وكانت تُدعى حينها “شامر”، على اسم الرجل الذي اشترى منه الأرض، وقد تزوج أخاب بن عمري من إيزابيل الفينيقية، وبنى لها معبداً للإله بعل، وقصراً في أعلى التل. واحتل الأشوريون السامرة/سبسطية سنة 721 ق.م.، وأعادوا بناءها، وتكاد تكون الآثار الآشورية والبابلية والفارسية في سبسطية قليلة وغير ظاهرة. فقد احتل الإسكندر المقدوني السامرة، وأسكن فيها جنوداً مقدونيين، وحوّلها إلى مدينة هيلينية، ويشاهَد اليوم بقايا أحد الأبراج اليونانية الدائرية في أعلى التل بالقرب من المسرح.[6] 

وقد أطلق الرومان اسم سبسطية على السامرة، وبلغت ذروة العمران والتطور في تلك الفترة (63 ق.م.– 324م)، وتحديداً في عهد هيرودوس الكبير (37ق.م.–4م)،[7]  الذي عيّنه الملك أغسطس سنة 37ق.م. ملكاً على مقاطعات ساماريا واليهودية وإدوميا وباراليا والجليل في فلسطين والأردن. وفي سنة 30ق.م.، منح الإمبراطور الروماني جابوس أوكتافيوس ثورينوس، الذي حصل على لقبه التقليدي أغسطس في 27 ق.م.، المدينة إلى هيرودوس الكبير، الذي أعاد بناءها، وعزز التحصينات فيها، وبنى ملعباً ومسرحاً ومعبداً لروما، وأغسطس يشاهَد في أعلى التل، وقد سمى المدينة “سباستي” (أغوستا باليونانية) بمعنى أغسطس باللاتينية، أي السعيد. وفي القرن الثاني الميلادي، قام سبتيموس سفيروس (193م – 211م) بإعادة بناء المدينة، ومنحها حقوق المستعمرات الرومانية، وسماها “كولونيا لوسياسبتيما سبسطي” مكافئةً لها على دعمها له ضد أعدائه في المنطقة، وأعاد بناء المدينة على نظام المدن الرومانية (Polis)، كما أعاد بناء المسرح والملعب وساحة للتجمع (Forum) والبازيليكا، بالإضافة إلى شارع الأعمدة.[8]  وتملك سبسطية مكانة دينية مسيحية وإسلامية؛ إذ ارتبطت بها قصة قطع رأس يوحنا المعمدان ودفنه في كنيسة يوحنا المعمدان، والتي تحولت إلى كاتدرائية ضخمة في الفترة الفرنجية، ثم إلى مسجد ومقام للنبي يحيى في الفترة الأيوبية إلى الآن.

تهويد الآثار في سبسطية أسرلتها

الشكل رقم 2: اقتحامات المستوطنين للمنطقة الأثرية في سبسطية

(“فلسطين اليوم”: اقتحام مئات المستوطنين المنطقة الأثرية في سبسطية)

إن القرار الصادر بشأن استملاك أراضٍ من منطقة سبسطية وبرقة هو نتاج ما يسعى له الاحتلال الإسرائيلي من إسقاط سرديته الدينية التوراتية ذات الأهداف السياسية الإحلالية على المنطقة، وتجاهل كل ما لا يدعم تلك الرواية التي تقدَّم متنكرة بغطاء ديني؛ إذ يُزعم أن سبسطية هي “شمرون”، “العاصمة الشمالية لمملكة إسرائيل”، وأن معبد إيهاب وعمري هو معبد يهودي. لكن في الحقيقية، فإن السامرة لم تتعدَ كونها جزءاً من المقاطعات الإدارية الرومانية، واسمها ليست له علاقة باليهودية بأي شكل، أمّا معبد إيهاب وعمري، فهو معبد وثني، بدليل العثور على تماثيل وثنية في المعبد. وتؤكد الممارسات والاقتحامات الدورية لقرية سبسطية ومحيطها الهدف الرئيسي الساعي لأسرلة المنطقة العربية الفلسطينية وتهويدها. وتشمل الاعتداءات إجراءات قانونية لدعم الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي، ووضع مخططات تنظيمية للبناء الاستعماري، وبناء المستوطنات، والترحيل القسري، ومصادرة الأراضي، وتوسيع حدود مناطق نفوذ المستعمرات، وهدم المنشآت الفلسطينية، والاعتداء على المواطنين والأراضي والأملاك،[9]  وغير ذلك من الاعتداءات غير المنتهية. 

التعديات القانونية

الشكل رقم 3: التقسيمات في قرية سبسطية ومحيطها (POICA).

سبسطية: ذاكرة التاريخ في مواجهة مقصلة الاستيطان

هذا القرار يخالف ما نص عليه اتفاق أوسلو 2 لسنة 1995، والذي هَدَفَ أساساً إلى تحديد الإدارة المدنية والعسكرية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وتقييدها، ونص الاتفاق على تقسم الضفة الغربية إلى مناطق “أ”، و”ب”، و”ج”، بحيث تم نقل إدارة الشؤون المدنية للسكان في المنطقتَين “أ” و”ب”، بما في ذلك إدارة المواقع والمكتشفات الأثرية، إلى السلطة الفلسطينية، واستمرت في المنطقة “ج” الإدارة المدنية الإسرائيلية في إدارة المواقع الأثرية والإدارة المدنية فيها، على الرغم من أن الاتفاق ينص على أن النشاط الأثري في المنطقة “ج” سينتقل بالتدريج إلى السلطة الفلسطينية.[10]  وتقع سبسطية كقرية ضمن المنطقة “ب”، أمّا المنطقة الأثرية (الأكروبوليس)، فهي ضمن المنطقة “ج”. وقد تعمّد الاحتلال فصل المنطقة الأثرية عن المنطقة السكنية، بهدف تمهيد السيطرة عليها، وهذا ما يظهر جلياً الآن. وفي سنة 2019، ظهرت لأول مرة حملة اتهمت فيها المنظمات الاستيطانية الفلسطينيين بتدمير الآثار، وروجت لخطط تطوير المواقع التراثية في الضفة الغربية كمناطق جذب سياحي،[11]  وبدؤوا فعلاً التطبيق على أرض الواقع عبر القرارات الصادرة مؤخراً.

وقد أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (UNESCO) سبسطية على اللائحة التمهيدية لفلسطين كموقع يحمل أهمية تراثية طبيعية وثقافية ذي قيمة عالمية استثنائية منذ سنة 2012، وهو ما يفترض أن يكون عاملاً رادعاً للانتهاكات الاستيطانية على الموقع، وعرّفت المنظمة سبسطية بأنها “تُعرف بالسامرة القديمة، عاصمة المملكة الشمالية خلال العصر الحديدي الثاني في فلسطين، ومركز حضري رئيسي خلال العصرين الهلنستي والروماني”،[12]  بينما لم تتطرق إلى أي رابط تاريخي يربط سبسطية باليهودية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاحتلال يواصل ما يقوم به من مخالفات تتضمن اقتحامات متكررة للموقع، وتقييد حركة الأهالي والزوار، وتغييراً في الأسماء واللافتات الإرشادية ضمن ما يُسمى “المسار التوراتي”،[13]  واحتكار عمليات التنقيب الأثري وإبدال الرواية والسردية الفلسطينية للموقع بأُخرى توراتية. أضف إلى ذلك أن إسرائيل، بصفتها قوة احتلال خاضعة لأحكام القانون الدولي الإنساني، تخالف القوانين والأعراف الدولية القاضية بحماية المواقع الأثرية والتراثية، كاتفاقيات جنيف الأربع سنة 1949، واتفاقية لاهاي بشأن حماية الأملاك الثقافية في حالة النزاع المسلح سنة 1954، واتفاقية التراث العالمي سنة 1972. 

استنتاجات وملاحظات ختامية

تُعد منطقة سبسطية من أهم المواقع الأثرية الفلسطينية التي تحمل تراكماً تاريخياً عظيماً، وكانت على مر عقود عرضة للتزوير الأثري والتراثي والتاريخي على يد الاحتلال الصهيوني، الذي يعمل بطرق ملتوية وتزويرية وغير شرعية أو قانونية على توظيف التوراة واستغلال الجانب الديني من أجل تبرير السيطرة على المواقع وبناء المستوطنات وطرد السكان وسلخهم عن هويتهم الأصيلة. ولم تكن سبسطية الأولى التي تخضع لممارسات كتلك؛ إذ استحوذ الاحتلال على مواقع عديدة أُخرى، وفرض سرديته عليها، كخربة قمران وجبل الفريديس (هيروديوم) وتل الرميدة.

وهذا القرار ينذر بخطر كبير واستيلاء وشيك على جميع المواقع الأثرية والتراثية في فلسطين، وتبلغ الخطورة في أن الأسلوب السياسي المتبَع اعتمد على التمهيد والسيطرة بالتدريج؛ فتقسيم القرار الحاسم، الذي يقضي بالسيطرة النهائية على الموقع، يكون أخف وطأة إذا ما تم إسلافه بقرارات سياسية “صغيرة” ممهدة لا تعلن بصراحة الهدف الاستيطاني الأساسي. إن أقل ما يمكن القيام به من أجل مقاومة نفي الرواية الفلسطينية ونفي المواطن الفلسطيني هو نشر التوعية في المجتمع المحلي والإنذار بخطورة القرار الصادر والتوعية بشأن قيمة المحافظة على الآثار والتراث الفلسطينيَين وأهمية ذلك. هذا بالإضافة إلى ضرورة تعاوُن المجتمع المدني والمؤسسات التي تُعنى بالآثار والتراث من أجل وضع خطط للمحافظة على المواقع الواقعة تحت تحكّمهم، وتعريض الاحتلال الإسرائيلي للمساءلة القانونية أمام المجتمع الدولي.

[1]إعلان عن النية لمصادرة الموقع الأثري سبسطية“، جيش الدفاع الإسرائيلي- الإدارة المدنية لمنطقة يهودا والسامرة، 12/11/2025.

[2]Urgent update: ICA moves to expropriate entire Sebastia acropolis in a major step toward annexation”, Emek Shaveh, 19/11/2025, Pp. 1, 6.

[3] “Government approves $8.8m budget to restore ancient Israel’s capital in West Bank”, The times of Israel, 07/05/2023.

[4]Emek Shaveh, Ibid. pp. 6.

[5] The early days excavations in Samaria (Jerusalem: The Hebrew University of Jerusalem).

[6] أسامة حمدان وكارلا بينللي، “دليل سياحي: سبسطية”، (القدس: طباعة استوديو ألفا)، 2012، ص 14.

[7] مصطفى الدباغ، “موسوعة بلادنا فلسطين” (كفر قرع: دار الهدى، 1991)، الجزء 2، ص 392-403.

[8]أسامة حمدان وكارلا بينللي، مصدر سبق ذكره، ص 16-17.

[9] “ملخص لأبرز انتهاكات جيش الاحتلال والمستعمرين في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال العام 2024” (تقرير سنوي). هيئة مقاومة الجدار والاستيطان- منظمة التحرير الفلسطينية. كانون الثاني/يناير 2025. ص 5.

[10] عمر عبد ربه، “الآثار والتراث الثقافي والطبيعي أداة للاستحواذ والاستيطان وضم الأراضي في الضفة الغربية“، في: تحرير أحمد سامح الخالدي، ماهر الشريف، وآخرون، “غزة حرب الانتقام المسعورة: مجموعة أوراق سياسات 2” )بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2024)، ص 737-753.

[11]Emek Shaveh. Ibid. pp. 5.

[12]Tentative lists: Sebastia”, UNESCO, 02/04/2012.

[13]Israeli forces remove road signs at archaeological site northwest of Nablus“, Wafa:  Palestinian news and info agency, 28/03/2018.

دانية اشتي: طالبة في برنامج الآثار والتراث الثقافي في جامعة بيت لحم.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *