اعتراف كولومبيا بضم الجولان: مكسب دبلوماسي إسرائيلي أم وهم استراتيجي؟


الملخص التنفيذي:
في 6 أغسطس 2026، اعترفت كولومبيا رسمياً بسيادة إسرائيل على الجولان السوري المحتل، لتصبح بذلك الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة التي تتخذ هذا الموقف. ورحّبت إسرائيل بالقرار، معتبرة إياه خطوة في مسار استراتيجي لتوسيع الاعتراف الدولي بضم الجولان، يندرج ضمن سياسة “توسيع حدود إسرائيل” التي تسعى إليها المؤسسة الحاكمة.
غير أن هذا الاعتراف يأتي في وقت تواجه فيه إسرائيل تحديات متزايدة على المستويات الدبلوماسية والإقليمية والدولية. فالسياسة الخارجية الإسرائيلية تعاني من عزلة دولية وتباين مع إدارة ترامب حول الأولويات الإقليمية، في وقت تتشكل فيه تكتلات إقليمية جديدة ذات وزن مؤثر، كالتحالف السعودي-التركي-الباكستاني، الذي يضيف أبعاداً لم تألفها إسرائيل من قبل.
تشير الورقة إلى أن الدوافع الإسرائيلية خلف فتح ملف الاعتراف بالجولان الآن تعود إلى قلق استراتيجي من تطورات عدة، أبرزها التقارب السوري-التركي، والإصرار السوري المتنامي على الجولان، والاعتراف الغربي المتزايد بنظام الشرع في سوريا دون استغلال إسرائيل لهذه الفرصة لوضع معادلة تربط الاعتراف بالنظام الجديد باعترافه بضم الجولان.
تخلص الورقة إلى أن إسرائيل تسعى لترسيخ اعتراف دولي بضم الجولان، إلا أنها تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق ذلك، لأسباب تتعلق بالتوجه الإقليمي والدولي نحو الاستقرار والحلول السياسية متعددة الأطراف، وليس الترتيبات الأمنية التي تبقي جذور الصراع قائمة. كما أن الرواية الإسرائيلية التي تبرر التوسع بـ”حماية الوجود اليهودي” قد تصطدم بالأولويات الأميركية في تهدئة المنطقة، فضلاً عن الخشية الإسرائيلية من المحاور الإقليمية الجديدة التي تعمق التباين مع واشنطن، وقد تفرض تسويات على حساب النوايا التوسعية الإسرائيلية في الجولان والجبهات الأخرى.
أولاً: قراءة في الموقف الإسرائيلي والأبعاد الدبلوماسية:
رأت وسائل الإعلام الإسرائيلية في اعتراف كولومبيا بسيادة إسرائيل على الجولان خطوة تفتح الطريق أمام اعترافات أخرى، حصراً في أمريكا اللاتينية وأوروبا، على أن تتبعها أفريقيا. وقد اعتبر المعلقون هذا التطور منبهاً لقصور الدولة الإسرائيلية في الاستثمار الدبلوماسي الدولي لكسب الاعترافات، وتبياناً لتفويت فرص عدة، نتيجة عدم إدراج الموضوع في لقاءات القادة الإسرائيليين مع نظرائهم، وبشكل خاص في لقاءات نتنياهو مع الرئيس الأرجنتيني ميلاي ومع الزعيم المجري السابق أوربان.
وكان لافتاً تسويغ وزير الخارجية الإسرائيلي وتبريره لضم الجولان، باعتباره حدثاً منتهياً لا رجعة فيه، وذلك بقوله إن إسرائيل دولة صغيرة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي، وبالتالي فإن وجود حدود قابلة للدفاع عنها “أمرٌ ضروري لضمان وجود الشعب اليهودي في وطنه التاريخي”. وأضاف ساعر أنه سيواصل العمل لضمان انضمام المزيد من الدول إلى هذا المسار.
ومن اللافت في الرواية الإسرائيلية الرسمية أن ضم الجولان والسعي لتكريسه دولياً ليس مجرد مسألة أمنية أو توسعية، بل يربط الضم بـ”ضمان وجود الشعب اليهودي”، وهي صيغة ذات بعد ديني وتاريخي، تحمّل عملياً كل من يرفض الضم مسؤولية تجاه اليهود، بل وتضعه في خانة معاداة السامية. كما أنها فعلياً تؤجج مشاعر الإنجيليين الجدد في الولايات المتحدة وأمريكا الجنوبية وأفريقيا، حيث يشهد انتشارهم تسارعاً كبيراً، وهم في الوقت نفسه قوة الضغط الأفضل والأكثر نجاعة لإسرائيل إلى جانب اللوبي اليهودي.
ثانياً: الاستراتيجية الإسرائيلية في أمريكا اللاتينية وخلفيات الاعتراف الكولومبي:
خلال زيارة الرئيس الأرجنتيني ميلاي إلى إسرائيل في أبريل 2026، شدد نتنياهو على فكرة “اتفاقات إسحاق”، على غرار الاتفاقات الإبراهيمية، لتكون تدشيناً لحقبة من العلاقات مع دول أمريكا الجنوبية. وتشير صحيفة “يسرائيل هيوم” إلى أن هناك دولاً تنقل سفاراتها من تل أبيب إلى القدس، بما يشكل اعترافاً ضمنياً بضم القدس الشرقية المحتلة، وهو ما يعتبره المحللون أكثر تعقيداً من ضم الجولان نظراً لمكانة القدس لدى المسيحيين. ورغم ذلك، لم تعلن هذه الدول – ومنها الأرجنتين، والمجر اثناء حكم (أوربان)، وباراغواي، وهندوراس، وغواتيمالا، وجمهورية التشيك، وسلوفينيا، وصربيا – تأييدها الكامل للموقف الإسرائيلي. وترى الصحيفة أنه ينبغي على إسرائيل والولايات المتحدة إجراء حوار فوري معها في سياق الاعتراف بضم الجولان وفرض السيادة عليه، وتصحيح ما اعتبرته الأخطاء المتراكمة في عدم طرح هذا الملف في اللقاءات مع هذه الدول.
تراهن إسرائيل على التحولات في أنظمة أمريكا الجنوبية، كما هو الحال مع كولومبيا التي كانت تناوئ إسرائيل، بينما جاء انتخاب الرئيس الحالي بانقلاب في السياسات التي تحدد الوجهة الدولية نحو فتح المسارات مع واشنطن وإسرائيل، وخلق كتلة دولية تقف إلى جانب الولايات المتحدة في تنافسها مع الصين وروسيا، وفي مسعى للسيطرة على موارد الطاقة النفطية والمعدنية في هذه القارة. وكولومبيا ليست وحيدة في هذا المسار، بل إلى جانبها الأرجنتين، وكذلك فنزويلا بعد الغزو الأميركي وإسقاط نظام مادورو. كما تراهن التقديرات الإسرائيلية على احتمالات تحولات سياسية في البرازيل، بما يعني إسقاط حكم دي سيلفا الاشتراكي الديمقراطي، بالإضافة إلى التهديدات الأميركية بغزو كوبا وإسقاط النظام الذي تحاصره منذ عقود.
ثالثاً: لماذا فتح ملف الاعترافات الدولية بضم الجولان الآن؟
تشير تقديرات إسرائيلية، كما ورد في “يسرائيل هيوم” ومعاهد بحثية مثل معهد القدس للاستراتيجيات والأمن، إلى أن الخطأ الإسرائيلي الأكبر في هذا الصدد كان عقب سقوط نظام الأسد في سوريا وصعود نظام الشرع، حيث سارعت الدول الغربية إلى فتح أبوابها له، وإضفاء الشرعية على حكومته، وتخفيف العقوبات، بل رفعت الولايات المتحدة نظام العقوبات الشامل عن سوريا، وذلك دون أن تستفيد إسرائيل من الفرصة التي قد لا تعود. وقد رأت هذه التقديرات أنه كان ينبغي على إسرائيل أن تضع معادلة لحلفائها آنذاك، تقوم على اشتراط الاعتراف بالنظام الجديد مقابل اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان، وبعبارة أخرى، أن يتم استبعاد الجولان من المطالبة السورية مقابل اعتراف إسرائيل بمبدأ “وحدة الأراضي السورية”.
- فزاعة التقارب السوري التركي:
يبدو أن التقارب بين أنقرة ودمشق، والإصرار السوري الصريح على الجولان، يدفعان الحكومة الإسرائيلية إلى إدراك متأخر بأنها واقعة في ورطة سياسية قد تواجهها بكامل قوتها في السنوات القادمة، من خلال إعادة إثارة قضية الجولان.
على أرض الواقع، ساد الاستراتيجية الإسرائيلية في سوريا الغموض، وأحياناً الإرباك، في مسائل جوهرية، ومنها: هل الأفضل لإسرائيل نظام سوري مركزي قوي تجاه الداخل ومطواع تجاهها، أم تفكك الأراضي السورية مما يخلق دويلات قد تكون ضعيفة تجاه الداخل الإسرائيلي وعدائية تجاهه؟ وقد حسم الموقف الإسرائيلي حالياً باتجاه ترتيبات أمنية تقوم على الأمر الواقع، بما فيه ضم الجولان المحتل عام 1967، والسيطرة المستدامة على المناطق الشاسعة التي احتلتها إسرائيل في سوريا عام 2024، بعد تدمير قدرات جيشها وتفكيكه.
- الهاجس الإسرائيلي الأكبر: النفوذ التركي في سوريا:
ظل الهاجس الإسرائيلي الأكبر يتمثل في النفوذ التركي في سوريا، وبشكل خاص بعد أن بدأ نظام الشرع في ترسيخ حكمه، والعلاقة المباشرة التي جمعته مع ترامب وإدارته بدعم تركي، مما رسخ النفوذ التركي في معظم سوريا، باستثناء مناطق الاحتلال الإسرائيلي. ووفقاً لمعظم التقديرات الإسرائيلية، فإن إسرائيل قد وسعت حدودها، وقامت فعلياً بتقطيع جغرافية وحدة الساحات الإيرانية، لتلتقي بذلك مصلحياً وجزئياً مع نظام الشرع، وبخلاف ذلك طبقت استراتيجية “المنطقة العازلة الأمنية” في سوريا وامتدادها في لبنان وحتى أحواض الغاز في البحر المتوسط. غير أن هذه الترتيبات لا تتعدى كونها أمنية، وقد تعصف بها التطورات السورية الداخلية لاحقاً، وكذلك في حال استقرار النظام، حيث ستكون استحقاقات أي معاهدة مع إسرائيل هي الانسحاب من المناطق المحتلة عام 2024 وفتح سؤال الجولان المحتل عام 1967. وفي المقابل، ساورت المؤسسة الإسرائيلية في العامين الماضيين أفكار لم تقبل بها سوريا، وهي بسط نفوذ الأخيرة على مناطق شمال شرق لبنان مقابل التنازل عما تحتله إسرائيل في سوريا.
قد تكون الولايات المتحدة معنية بتسوية في هذا الصدد، ووجهتها الحالية هي تهدئة الجبهات في إيران ولبنان وغزة، وهو ما لا يروق لإسرائيل، مع العلم بأنه لا يوجد خطر تصعيد أمني من قبل سوريا تجاهها. ومن المستبعد التوصل إلى حل في إطار الوضع القائم. وما تخشاه إسرائيل من نفوذ تركي في سوريا هو ما تسانده الولايات المتحدة لضمان تماسك البلد وعدم تفككه، ولضمان السيطرة الأميركية في المناطق النفطية من خلال قاعدة التنف، وكذلك للتفاوض مع تركيا باعتبارها حليفاً في حل القضايا الإقليمية جميعاً، وهو ما تعتبره الخارجية الإسرائيلية قد يفتح ملف الجولان مجدداً.
رابعاً: إسرائيل تسارع الخطى، وقد يكون بعد فوات الأوان:
تسعى الحكومة الإسرائيلية، في مواجهة كل ما ذكر، إلى وضع ملف الاعتراف بسيادتها على الجولان في تحركاتها الدبلوماسية الدولية، وإلى حظي بدعم من عدد من الدول التي تعتبرها صديقة، لكي تعلن اعترافها بهذا الضم المعلن منذ أواخر عام 1981. وكما في جبهات أخرى، تبدو الحكومة الإسرائيلية في سباق مع الزمن، الذي لا يلعب لصالح مخططاتها بالتوسع.
صحيح أن حكومة نتنياهو ستقوم بحملة في هذا الصدد، لكن هذه الحملة تأتي في حقبة من العزلة الدولية والتباين مع إدارة ترامب بصدد الأولويات الإقليمية. كما تقوم بذلك في فترة بدأت تظهر فيها نتائج إعادة النظر عربياً وإقليمياً في العلاقة مع إسرائيل، والتوترات التي تصحبها. كما تتشكل تكتلات إقليمية ذات وزن وأثر كبيرين على النظام الدولي وعلى الأولويات الأميركية، مما يعمق التباين مع إسرائيل. ويشكل التحالف الجديد السعودي-التركي-الباكستاني، والدور المصري، أدواراً لم تألفها إسرائيل من قبل وبهذه القوة.
ويبدو أن الانشغال في الملف السوري هو أيضاً حاجة لنتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية، حيث يوجد إجماع إسرائيلي على ضم الجولان. ثم إن وضع الجولان في خانة التحديات والتهديدات التي تواجه “وجود الشعب اليهودي” يأتي لإبقاء التوتر واعتماد ترتيبات أمنية بعيداً عن الحلول السياسية، فيما الترتيبات الأمنية هي بالضرورة لصالح إسرائيل وسياساتها التوسعية، لكونها تبقي على سيطرتها على الأراضي السورية في هذه الحالة وإلى أجل غير مسمى.
الخلاصة والاستنتاجات:
أولاً: يعبر النقاش الإسرائيلي حول ضرورة ترسيخ اعتراف دولي بضم الجولان السوري المحتل عن مأزق جديد تدخل فيه إسرائيل، بعد أن اعتبرت اعتراف ترامب بالضم عام 2019 ملفاً محسوماً. غير أن احتمالية مطالبة سوريا به تعتبرها إسرائيل خطراً استراتيجياً قادماً، بدعم تركي وعربي.
ثانياً: من غير المتوقع أن تنجح السياسة الخارجية الإسرائيلية في كسب اعترافات دولية واسعة بضم الجولان، وذلك بسبب توجه المنطقة عربياً وإقليمياً، والتوجه الدولي – بما فيه الأميركي – نحو الاستقرار الإقليمي والحلول السياسية متعددة الأطراف، وعدم الركون إلى الترتيبات الأمنية التي تبقي جذور التصعيد والصراع قائمة، حتى وإن طال أمدها.
ثالثاً: يحظى قانون ضم الجولان الصادر عام 1981 بإجماع قومي صهيوني، غير أن انشغال نتنياهو وحكومته به بعد إعلان الرئيس الكولومبي الاعتراف، يعكس أيضاً حاجة سياسية انتخابية لدى نتنياهو، بينما يرى وزير الخارجية ساعر، الذي يصارع على مكانته في قائمة الليكود، أن الاعتراف يشكل أحد الإنجازات المهمة لسياسته المأزومة دولياً.
رابعاً: تشكل رواية “حدود إسرائيل الضيقة” والحاجة القصوى إلى توسيعها باعتبارها “حماية للوجود اليهودي” مسعى توسعياً خطيراً، يقوم على مبدأ ترسيخ استراتيجية المناطق العازلة في كل من سوريا ولبنان وفلسطين (غزة). غير أنه قد يصطدم بالأولويات الأميركية في استقرار الوضع إقليمياً، بعد أن انقلبت الحرب على إيران على إدارتي ترامب ونتنياهو.
خامساً: خشية إسرائيل من المحاور العربية والإقليمية المتبلورة هي خشية جدية، لكونها تعمق التباينات بين تل أبيب وواشنطن، وعلى حساب الأثر الإسرائيلي، مما قد يفرض تسويات على حساب نوايا التوسع والسيطرة في الجبهات المختلفة.
عن مركز تقدم للسياسات