اختبار جديد في مواجهة تصعيد الإجرام


لم يبقَ شيء لم يُكتب، ولا فكرة لم تُطرح. عُقدت الندوات والمؤتمرات، وأُنجزت الدراسات، وشُكّلت لجان الصلح، ونُظّمت المسيرات والمظاهرات بين الحين والآخر. صرخات ونحيب الأمهات والآباء وذوي الضحايا مزّقت القلوب، ونداءات الاستغاثة أصمّت الآذان. ومع ذلك، لم يتغير شيء. هذا هو لسان حال كثيرين. بعضهم يعلن يأسه جهارًا، وبعضهم يكبته انتظارًا لبارقة أمل، فيما يرفض آخرون الاستسلام، لأن الاستسلام يعني مزيدًا من الموت، بل فناءً جماعيًا.
الصدمة العامة الراهنة لا تنبع من وقوع العنف بحد ذاته، بل من حجم الموجة الجديدة ودمويتها؛ ستة ضحايا في يوم واحد، في عدة بلدات فلسطينية داخل الخط الأخضر. وجاء ذلك بعد هبّة مدينة سخنين الشعبية التي نقلت الصوت إلى قلب تل أبيب بحشود جبارة، وأطلقت آمالًا واسعة بإمكانية كبح حمّام الدم. لكن ما بدا، في نظر كثيرين، كأنه حملة إجرامية منسّقة، جاء ردًا على تلك النهضة السريعة، في محاولة لإظهار التحدي والقوة من قبل عصابات الإجرام، ومن خلفها نظام الأبارتهايد القاتل.
هذا التحليل يستند إلى حجم الرعب الذي أصاب مؤسسة الأبارتهايد في اللحظات الأولى لانطلاق الحراك من سخنين، وما لبث أن تمدّد بوتيرة متسارعة، مطلقًا تقديرات عن احتمال انفجار شعبي قد يتطور إلى مواجهات وصدامات مع قوات القمع. وقد شهدنا رئيس دولة الأبارتهايد يهرع إلى سخنين، كما جرت قبلها اتصالات مع المنظمين قبيل المظاهرة الكبرى، مطالِبةً بالتهدئة. كانت تلك محاولات واضحة لاحتواء الحراك.
لماذا تدخلت المؤسسة الصهيونية الرسمية بهذا الشكل في هذه الحالة؟ ألم يكن الأسهل لها أن تمارس القمع بلا هوادة، كما تفعل منذ سنوات، وخاصة خلال حربها الهمجية على غزة، وسياسات التطهير العرقي في الضفة الغربية؟
نعم، لو خرج الفلسطينيون بهذه الأعداد إسنادًا لغزة، لتم تفعيل القوة المفرطة فورًا. لكن الحراك كان تحت شعار مدني: وقف الجريمة. وهذه القضية تشهد انقسامًا داخل الجسم السياسي الإسرائيلي، من منطلق مصلحة إسرائيل نفسها، بخلاف الحرب الإبادية على غزة التي تحظى بإجماع حكومي ومعارض، وبتأييد يفوق 90% من المجتمع الإسرائيلي. لذلك ارتدع الائتلاف الحاكم عن التورط في مواجهة قد تزيد من فضيحته وتستنزف رصيده في قضية تُعد، بالنسبة لجزء من المجتمع الإسرائيلي، خطرًا مباشرًا عليه: انتقال الجريمة إلى داخله، وظهور الدولة بمظهر فاقدة السيطرة. أي أن الأمر قد يُستخدم من قبل المعارضة كسلاح اتهام بفشل الحوكمة وإدارة الدولة.
من هنا، يمكن إدراج التصعيد الإجرامي الراهن ضمن مخطط السيطرة والتفكيك؛ تصعيد يهدف إلى لجم النهضة الشعبية، ونشر اليأس، ودفع الناس إلى العودة إلى بيوتهم كما كانوا في السابق، وعدم الاستجابة لنداءات القوى الشعبية التي أطلقت الحراك الكبير، والذي بدأ يأخذ شكل تنظيم متقدم ومأسسة فعلية، والذي يشمل الشروع في إقامة خيمات احتجاج وتعبئة وتثقيف في كل بلدة عربية. وهذا تحديدًا ما يخيف المؤسسة ويهدد مخططاتها الاستعمارية. فهي لا تريد أن تظهر كمتورطة في الجريمة، وفي تفكيك وإضعاف المجتمع الفلسطيني، بل تسعى إلى تصوير المسألة كأنها شأن داخلي، لا يتعدى نقصًا في الإمكانات الشرطية.
لذلك، يقف المجتمع الفلسطيني اليوم أمام اختبار حقيقي: إما مواصلة التقدم، وإما الانزلاق نحو مزيد من الموت. يجب اجتياز هذا الاختبار كما اجتازه شعبنا الفلسطيني في كل أماكن وجوده، وهو يواصل صموده على أرضه ووطنه رغم أكثر من مئة عام من الاستعمار والقتل والنهب والإبادة، ورغم الدعم الغربي المتواصل لنظام الإبادة، وتواطؤ أنظمة عربية عميلة.
إنها لحظة مفصلية: إما أن تتحول الهبّة إلى مسار تراكمي من التنظيم والمبادرة الشعبية، أو يُعاد إنتاج دائرة الخوف والتفكك. والمسؤولية اليوم فردية وجماعية، سياسية وشعبية، لحماية المجتمع، وتعزيز وحدته، وترسيخ معادلة واضحة.
إن حياتنا ليست هامشًا في حسابات أحد، وأمننا ليس ورقة ابتزاز في يد سلطة استعمارية فاقت في توحشها نظيراتها في الماضي. إنها حرب التيئيس التي لا مفر من الصمود في وجهها وهزيمتها.
عن عرب48