أصوات من غزة: ماذا يقول سكان القطاع بشأن نزع سلاح حماس؟

برز في الخطاب الغزّي على شبكات التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة تغيّر واضح بشأن نزع سلاح حماس . فبعد أن كان يتم النظر الى السلاح بوصفه رمزا أيديولوجيا، والتخلي عنه يعتبر بمثابة استسلام ، أصبحت القضية موضوعا لنقاش براغماتي يبحث في جدوى مواصلة الكفاح المسلح في مقابل الثمن الباهظ الذي يدفعه السكان في قطاع غزة .
مقدمة
تعكس قضية نزع سلاح حماس أحد أبرز التحولات التي يشهدها الخطاب الغزّي على شبكات التواصل الاجتماعي منذ اندلاع حرب ” السيوف الحديدية ” . فعلى مدى سنوات ، لم يكن ” سلاح المقاومة ” مجرد وسيلة عسكرية ، بل كان أيضا رمزا أيديولوجيا وسياسيا ، وكان مجرد النقاش حول التخلي عنه يُعدّ استسلاما . لكن في ضوء الثمن الذي دفعه القطاع خلال الحرب ، أصبح السلاح نفسه الآن موضع اختبار . ولا يقتصر النقاش على سؤال ما إذا كان ينبغي تسليمه، بل يتناول أسئلة أوسع بشأن حماس ومفهوم “المقاومة ” : ماذا حقق الكفاح المسلح مقارنة بالثمن الذي دفعه القطاع ؟ وهل لا يزال السلاح يخدم سكان غزة ؟ وما معنى التخلي عنه بالنسبة إلى مستقبل حماس ؟ ومن ثم، تتحول مسألة نزع السلاح أيضا إلى نقاش حول نتائج الحرب والطريقة التي قادت بها حماس الحرب .
النقاش حول السلاح ليس جديدا . فعلى مدار الحرب ، ومع تدهور الوضع في غزة ، بدأت تظهر على شبكات التواصل أصوات تنتقد حماس وتدعو التنظيم إلى التخلي عن سلاحه من أجل إنهاء الحرب . غير أن نقاشا مهما ومستمرا على الشبكات حول نزع السلاح تبلور بصورة أساسية خلال العام الأخير ، في سياق تنفيذ خطة الرئيس ترامب ذات النقاط العشرين ، وإطلاق سراح الرهائن ، ونشر خارطة الطريق الخاصة بغزة . وخلال هذه الفترة لوحظ تغير في الخطاب : فقد تجاوز النقاش بشأن تفكيك “سلاح المقاومة” دائرة منتقدي حماس ، وبدأ يظهر أيضا بين مؤيدي التنظيم ، ومن بينهم أصوات وافقت على قبول نزع السلاح بشروط معينة .
ولا تكمن أهمية هذا الخطاب في مجرد التغير في المواقف من قضية السلاح ، بل أيضا في فهم الحجج والتبريرات التي تستند إليها هذه المواقف ، والتي توضح معنى هذا التغير وترسم حدود التسوية الممكنة بشأن السلاح . ومن أجل امتحان هذه الحجج ، ستتم دراسة ثلاثة خطوط رئيسية للنقاش : منتقدو حماس المؤيدون لنزع السلاح ، وهم المجموعة الأكثر حضورا في النقاش الذي جرى امتحانه ، ومؤيدو حماس المستعدون لقبول نزع السلاح بشروط معينة ، وهو موقف يحظى أيضا بتعبير واسع ، ومؤيدو حماس المعارضون لنزع السلاح ، الذين حضورهم في الخطاب أكثر محدودية . ويهيمن الخطان الأولان على النقاش بشأن نزع السلاح ، ويشكلان سوية الجزء الأكبر منه .
ويستند تحليل النقاش إلى دراسة منهجية للتغريدات والمنشورات التي تتناول نزع السلاح خلال العام الأخير . ويعتمد على متابعة تمتد لسنوات لحسابات تعمل من داخل القطاع ، ويركز على النقاش في شبكة X (تويتر سابقًا) ، إلى جانب منشورات على فيسبوك وتيك توك وتلغرام . ولإيصال أصوات الكتّاب ، يدمج التحليل اقتباسات مختارة من التغريدات التي جرت دراستها ، لكن حفاظا على سلامتهم ولمنع إمكانية تحديد هوياتهم ، لن يتم كشف أسماؤهم أو أسماؤهم المستعارة أو تفاصيل حساباتهم .
وتهدف الدراسة إلى اظهار انعكاس النقاش في غزة كما يظهر على شبكات التواصل الاجتماعي ، وعرض المواقف المختلفة والسرديات التي تتبلور فيه على ضوء الواقع الذي نشأ في القطاع في المرحلة الراهنة ، بعد ثلاث سنوات من الحرب .
منتقدو حماس المؤيدون لنزع السلاح :
أصحاب الأصوات التي تنتقد حماس ، ينظرون إلى نزع السلاح باعتباره ضرورة لا يوجد بديل أفضل منها . فلم يعد يتم النظر الى السلاح فقط بوصفه رمزا وطنيا أو وسيلة لمواجهة إسرائيل ، وإنما أيضا وفقا لجدواه . وهناك أربعة أهداف تقف وراء الاستعداد للتخلي عنه : وقف ما يُسمّى في النقاش الغزّي “حرب الإبادة ” التي تشنها إسرائيل ضد القطاع ، ومنع الاقتلاع (النكبة) أو الهجرة القسرية ، وانسحاب إسرائيل ، وبدء إعادة إعمار القطاع . فإذا كان نزع السلاح يؤدي إلى تحقيق هذه الأهداف ، فإنه يُنظر إليه باعتباره ثمنا يمكن ، بل ينبغي دفعه .
ولا يعكس هذا الاستعداد بالضرورة اعتدالا أيديولوجيا أو تخليا مبدئيا عن فكرة ” “المقاومة العنيفة ضد الاحتلال” ، وإنما يعكس تغيرا في ترتيب الأولويات نتيجة لنتائج الحرب : فبقاء السكان وإعادة إعمار القطاع يتقدمان في الوقت الراهن على الحفاظ على سلاح حماس .
وتعزز هذا الموقفَ مشاعرُ التخلي التي تبرز في الخطاب . وتتكرر فيه مقولة مفادها أن الغزيين تُركوا عمليا وحدهم : فالقيادة الفلسطينية في الضفة الغربية ، والدول العربية ، والمجتمع الدولي ، يُنظر إليها باعتبارها جهات لم تنجح في وقف الحرب أو حماية سكان القطاع . أما قطر وتركيا فتحظيان في جزء من الخطاب بمعاملة مختلفة ، إذ يُنظر إليهما باعتبارهما لا تزالان تحاولان الدفع نحو حل للقضية الفلسطينية .
ومن هنا تبرز خلاصة عملية : إذا لم تكن هناك جهة خارجية تضمن إنهاء الحرب ، فينبغي تجنب كل ما قد يوفر لإسرائيل ذريعة لشن حرب جديدة . ويظهر في الخطاب قلق واضح من أن رفض حماس نزع السلاح أو مماطلتها في ذلك قد يتيحان لإسرائيل حشد دعم أمريكي لاستئناف الحرب . والتقدير المطروح هو أنه ما دام هناك سلاح مستقل في أيدي حماس أو أي تنظيم آخر في القطاع ، فستظل هناك إمكانية لاندلاع الحرب من جديد . ولذلك، حتى أولئك الذين يرون في نزع السلاح شرطا صعبا بل ومهينا ، مستعدون لقبوله انطلاقا من تصور أن البديل أكثر تدميرا .
وفي الوقت نفسه ، تخضع المقاومة نفسها لاختبار النتائج . ويشكك الخطاب في الأولوية التي مُنحت للمقاومة على حساب حياة السكان ، وفي الافتراض القائل إن الثمن الذي دُفع باسمها مبرَّر لمجرد كونه جزءا من النضال . وتتكرر في الخطاب الانتقادات الموجهة إلى ” تحويل القتل والدمار والتهجير إلى ثمن للمقاومة” ، وإلى تمجيد (الصمود)، في حين أن “الشعب هو الذي يتحمل النتائج ” ، ومن يجرؤ على المطالبة بالمساءلة يُصوَّر على أنه “انهزامي” _ حتى إن أبا فقد أبناءه ويتساءل عن معنى الثمن يُصوَّر على أنه شخص ” لا يفهم روح المقاومة ” .
ويظهر تعبير حاد عن ذلك في الأسئلة الموجهة إلى “طوفان الأقصى” : ماذا ربحت غزة ؟ وماذا ربحت فلسطين من 7 أكتوبر ، سوى مزيد من الدماء والدمار والتهجير ؟ وتسعى مثل هذه الأسئلة، التي تظهر في النقاش ، إلى التشكيك في إمكانية اعتبار إلحاق الضرر بإسرائيل ، واستمرار القتال ، والاستعداد للتضحية ، مقاييس للنجاح . فالمقاومة ، وفق هذا النقاش ، يجب أن تُقيَّم في ضوء ما حققته للفلسطينيين وبالنسبة إلى الثمن الذي طُلب منهم دفعه .
ومع ذلك ، لا ينبغي استنتاج رفض أيديولوجي لفكرة المقاومة والنضال المسلح بالضرورة ، وبالتأكيد لا يعني ذلك تغيرا في الموقف تجاه إسرائيل . فلا يزال بعض منتقدي حماس يرون المقاومة المسلحة مشروعة . والتغير يكمن في مكانتها. فالمقولة إن ” المقاومة ليست شيكًا على بياض ” توضح معنى هذا التغير: فالمقاومة لا تُرفض من حيث المبدأ:، لكنها لم تعد بمنأى عن النقد ، ولم تعد تبرر أي ثمن يُفرض على الجمهور باسمهاو.
وبناءً على ذلك ، تُخضع حماس لاختبار المسؤولية . فمجرد بقاء التنظيم ، و”الصمود” ، وقدرته على مواصلة العمل، لا تُقبل في الخطاب بوصفها دليلا على النصر ، رغم محاولة حماس تقديمها بهذه الصورةة. ويضع منتقدوها أمامها معيارا آخر : ماذا حققت حماس للسكان مقارنة بالثمن الذي فرضته عليهم استراتيجيتها ؟
ولا يُنظر إلى موافقة حماس على نزع السلاح باعتبارها إنجازا ، كما أنها لا تمحو ثمن الحرب. بل على العكس ، تثير هذه الموافقة مطالبةً بمراجعة الذات : إذا كانت حماس مستعدة لقبول تنازلات كانت ترفضها في السابق ، فلماذا كان على القطاع أن يدفع ثمنًا باهظا إلى هذا الحد للوصول إلى هذه النقطة ؟
ومن هنا يبرز في النقاش أيضا نقد لنمط اتخاذ القرارات داخل التنظيم ، ولعدم استغلاله فرصا حقيقية لإنهاء الحرب . وتتكرر في النقاش مقولة إن حماس أدارت الحرب باعتبارها مقامرة مستمرة على حساب السكان : “ربما تتغير إسرائيل ، وربما تغير الولايات المتحدة موقفها ، وربما يتدخل العالم ، وربما يحسن الوقت الظروف” . ومن هنا يأتي الاتهام : “أنتم تراهنون على الوقت ، والشعب يدفع ثمن الرهان بدمه ” . فمن وجهة نظر حماس ، قد يؤدي الوقت إلى تحسين المواقف والحفاظ على الأوراق التي تملكها ، أما بالنسبة إلى سكان غزة ، فمعناه يوم آخر من “القتل والدمار والجوع والفقدان” .
ويضاف إلى ذلك نقد لأولويات حماس ولادعائها أنها تعمل باسم الشعب ومن أجله . ويُقال في النقاش إن تنظيم حماس ، على مدى سنوات ، أعطى الأولوية لبناء قوته وبنية المقاومة التحتية على حساب احتياجات السكان ، وإنه حتى خلال الحرب وضع بقاءه فوق بقاء الشعب في غزة : “حتى علب الفول المعلّب سرقتموها وبعتموها للنازحين الذين هُجّروا بسبب حربكم، وتريدون منا أن نتعاطف معكم ؟ ! ” ؛ و ” حركة تدّعي أنها تقاتل من أجل الشعب ، لكنها تحول المدنيين إلى دروع بشرية لمقاتليها ، لا يمكنها أن تدّعي أنها تحمي ذلك الشعب ” . ويوجَّه نقد حاد أيضًا إلى القيادة الموجودة في الخارج ، التي يُنظر إليها باعتبارها شريكة في قرارات مواصلة الحرب من دون أن تتحمل مباشرةً تكاليفها .
ومن هنا يتبلور تمييز مركزي في النقاش : لم تعد مصلحة حماس ومصلحة سكان غزة تُعتبران بالضرورة متطابقتين . فالحفاظ على السلاح والقوة التنظيمية والمكانة السياسية للتنظيم قد يخدم حماس ، لكنه لا يُنظر إليه بالضرورة باعتباره يخدم سكان القطاع ، ولا سيما إذا كان يهدد إنهاء الحرب وإعادة الإعمار . وتعبّر مقولة “فلسطين أكبر من أي فصيل ، وغزة ليست رهينة لأحد ” عن التشكيك في مساواة مصير الحركة بمصير السكان .
وإلى جانب الغضب ، يظهر في الخطاب أيضا السخرية من الفجوة بين وعود حماس بإلحاق هزيمة كاملة بإسرائيل وبين نتائج الحرب والوضع الذي وصل إليه القطاع . ويسخر الكتّاب من تباهي حماس بإنجازاتها العسكرية ، بما في ذلك توثيق الهجمات التي جرى تحديد أهدافها بالمثلثات الحمراء ، والتصريحات بأن ” غزة مقبرة للغزاة ” وأن ” إسرائيل أوهن من خيوط العنكبوت ” ، في مقابل الأمل المنسوب إلى التنظيم الآن بأن ” نتنياهو سيخسر الانتخابات وأن تغييرا سياسيا في إسرائيل سيحقق ما لم تحققه الحرب ” .
ومن هنا تأتي مطالبة حماس بالاعتراف بالفشل ، والقول : ” لقد أخطأنا ، وخسرنا ” ، وتسليم السلاح لإنقاذ ما تبقى
. غير أن النقاش يُظهر شكا في أن الحركة ستفعل ذلك بالفعل : “الحمار الذي مات ، يبقى حمارا ” ، وهو ” يجر وراءه قطيعًا كاملا إلى الهاوية “. والمقصود هو أن الجمهور بأكمله يواصل دفع الثمن بسبب رفض حماس التخلي عن السلاح والاعتراف بالفشل حتى في مواجهة النتائج القاسية للحرب . ولا يُصوَّر الرفض باعتباره مجرد مشكلة عسكرية ، بل باعتباره تهديدا للرواية التي تبرر حماس من خلالها الحرب وثمنها ، ما سيجبر التنظيم على الإجابة عن السؤال المتكرر في النقاشى : ” كل هذا الدم ، مقابل ماذا ؟
لكن حماس مطالبة بتبرير ليس فقط ثمن الحرب ، وإنما أيضا السلاح الذي تسعى إلى الاحتفاظ به بعدها — من يخدم هذا السلاح ، ولأي غرض . وقد أثار النقاش حول اعتقال معين العرابيد ، أحد كبار مسؤولي جهاز الأمن الداخلي التابع لحماس ، على يد إسرائيل في مطلع ايلول / سبتمبر، السؤال التالي : إذا كان السلاح يُحتفظ به باسم المقاومة وحماية السكان ، فلماذا طلبت حماس من العائلات في غزة المساعدة في مواجهة قوات الاحتلال ؟ وهل يُحتفظ بالسلاح ” لمحاربة أبناء الشعب والعائلات ” ؟ ويقف وراء هذا النقد ادعاء أوسعة: إذا كان السلاح فعالا ضد سكان غزة ، لكنه عديم الجدوى أمام إسرائيل ، فما المبرر لمواصلة الاحتفاظ به بعد الحرب ؟
ومن ثم ، فإن التغير في الموقف من حماس لا يقتصر على انتقاد نتائج “طوفان الأقصى” والحرب ، بل يمس حق التنظيم في مواصلة المخاطرة باسم السكان . قد تكون حماس قد نجت من الحرب ، لكنها مطالبة الآن باجتياز اختبار السكان في غزة . وفي مواجهة الدمار والثمن البشري الذي أوقعته الحرب ، يُطلب من التنظيم أن يوضح ماذا حقق لغزة ، وبأي ثمن، ولماذا يمثل بقاؤه أيضا مصلحة لسكان غزة .
مؤيدو حماس المؤيدون للتخلي الجزئي عن السلاح :
يظهر التغيير اللافت تحديدا بين مؤيدي حماس . فالسلاح يمثل عنصرا أساسيا في هوية حماس باعتبارها حركة مقاومة ، وفي تأكيد التنظيم أن الصراع مع إسرائيل مستمر . وهو يمنح حماس قدرة على العمل بصورة مستقلة ، وقوة في مواجهة إسرائيل ، ومكانة في الساحة الفلسطينية . ولذلك ، كان يتم النظر الى تسليم “سلاح المقاومة” ليس فقط باعتباره فقدانًدا لقدرة عسكرية ، وإنما أيضًا باعتباره استسلاما يقوّض شرعية النهج نفسه ، بل ووجود حماس كحركة مقاومة .
لكن تُسمع الآن، حتى بين مؤيدي حماس ، أصوات براغماتية مستعدة لمناقشة نزع السلاح كجزء من اتفاق ينهي الحرب ويسمح بإعادة إعمار القطاع . ولا ينبغي تفسير ذلك على أنه تخلي عن فكرة المقاومة أو تراجع في دعم حماس ، وإنما كتغيير في حدود التسوية التي يكون مؤيدوها مستعدين لتبريرها : التخلي عن جزء من القدرة العسكرية من أجل ضمان بقاء حماس ، وإتاحة استمرار الكفاح المسلح ضد الاحتلال بصيغة أخرى .
ومع ذلك بالنسبة إلى تنظيم يشكل السلاح عنصرا أساسيا في هويته وشرعيته ، يبقى السؤال هو كيفية القيام بذلك من دون أن يُفسَّر هذا التنازل باعتباره اعترافا بالاستسلام .
ولفهم كيف أصبح مثل هذا التنازل ممكنا ، ينبغي فهم التمييز في النقاش الفلسطيني بين الهزيمة والاستسلام . فالهزيمة العسكرية يمكن تفسيرها نتيجة لفارق موازين القوى ، ولا تستلزم التخلي عن شرعية النضال . أما الاستسلام، فينطوي على إلقاء السلاح وتسليمه إلى العدوة، ولذلك يحمل دلالة الإذلال .
وبما أن الاستسلام لا يزال غير مشروع في نظر هذا الخطاب ، فإن النقاش الدائر بين مؤيدي حماس بشأن تسليم السلاح يُصاغ لا باعتباره استسلاما مهينا ، وإنما باعتباره تنازلا محدودا وتدريجيا عن جزء من القدرة العسكرية مقابل إعادة الإعمار ، مع الحفاظ على حماس واستمرار فكرة المقاومة .
ويتركز هذا المنطق في الإشارة الواردة في الخطاب إلى صيغة محترمة لتسليم السلاح : ” التخزين أو التسليم لن يكون لإسرائيل ، وإنما لجهة فلسطينية ، وسيقتصر الإجراء على “السلاح الثقيل فقط” ، مقابل “الانسحاب وإعادة الإعمار” . ومن هنا، فإن مجرد تسليم السلاح لا يحدد ما إذا كان الأمر استسلاما أم لا، وإنما تحدد ذلك الشروط التي سيتم بموجبها تسليمه : أي سلاح ، ولمن سيُسلَّمة، ومقابل ماذا . ولذلك، تحظى هذه الشروط بأهمية حاسمة في خطاب مؤيدي حماس .
ويُقدَّم السلاح الثقيل باعتباره ورقة قوة فقدت قيمتها العسكرية ، إذا كان لا يزال هناك مثل هذا السلاح الثقيل أصلا . فقد تغير الواقع في غزة ، و”لم يعد نموذج جيش يقاتل إسرائيل بواسطة ألوية وكتائب وسرايا مناسبا للمرحلة الحالية” ، التي تسيطر فيها إسرائيل على أكثر من سبعين بالمئة من مساحة القطاع . ولذلك ينبغي خلق أوراق قوة جديدة . وبناءً على ذلك ، يمكن استخدام السلاح الثقيل واستبداله بإنهاء الحرب ، والانسحاب الإسرائيلي ، وإعادة الإعمار ، والضمانات ، وبذلك تبرير تسليمه .
في المقابلة، يُقدَّم السلاح الخفيف باعتباره سلاحًا يُستخدم للدفاع عن النفس ، وللدفاع عن الكرامة والعِرض ، ولذلك يُعد الاحتفاظ به في أيدي حماس ضروريا لكي تتمكن من حماية أفرادها ومواصلة نشاطها في القطاع . ويحدد التمييز بين أنواع السلاح حدود التسوية في الخطاب : فهو يسمح بتبرير التخلي عن جزء من القدرة العسكرية في مواجهة إسرائيل ، من دون التخلي عن استمرار وجود حماس كقوة مسلحة ومنظمة .
أما تسليم السلاح إلى جهة فلسطينية تحظى بتوافق وطني وفصائلي ، فيتيح تقديمه باعتباره ترتيبا داخليا وليس استسلاما أمام إسرائيل . وفي الوقت نفسه، يمنح التسليم التدريجي للسلاح حماس هامشًا للمناورة يسمح بتأجيل الخطوات غير القابلة للعكس ، والتكيف مع الواقع المتغير ، والحفاظ على أوراق القوة ، والاستجابة للتطورات في الساحة الإسرائيلية والإقليمية والدولية . ويُصاغ الانسحاب الإسرائيلي نفسه باعتباره مسارا يتناقض تماما مع المشروع الصهيوني المتمثل في استمرار الاحتلال والاستيطان والتهجير القسري ، وباعتباره مسارا تضطر إسرائيل إلى قبوله لأنها “عالقة في مأزق” .
وفي النهاية، يُقدَّم المسار برمته لنزع السلاح باعتباره ترتيبا يتعلق بالساحة الغزية والواقع الذي نشأ فيها ، وليس تفكيكًا لحماس كحركة أو تخليا مبدئيا عن استمرار المقاومة المسلحة . وتُقدَّم غزة باعتبارها ساحة استنفدت ، في الوقت الراهنة، دورها في الصيغة العسكرية الحالية . لكن هذا لا يعني أن النضال نفسه وصل إلى نهايته : “المقاومة لا تقتصر على غزة” . وفي هذا السياق ، يُقال في النقاش إن “طوفان الأقصى وضع الأسس” للمرحلة التالية ، التي يُفترض أن تصبح فيها الضفة الغربية مركز ثقل المقاومة ، “خصوصا لأنها هدف للاستيطان والضم والتهجير القسري ، وكذلك لأن الأمر يتعلق ، من وجهة نظر المحتلين ، بقضية أيديولوجية يسمونها “يهودا والسامرة” .
مؤيدو حماس المعارضون لتسليم السلاح :
في مواجهة الخط البراغماتي ، يظهر موقف يرى في تسليم السلاح خطأً استراتيجيا وتنازلا غير قابل للعكس من دون يقين بشأن المقابل ، ومن دون ضمان لما سيأتي بعد ذلك . ويستند الاعتراض على نزع السلاح إلى مخاوف مترابطة : في مواجهة إسرائيل ، يتمثل القلق في أن تسليم السلاح لن يؤدي إلى وقف القتال ، وإنما سيوسع حرية عمل الجيش الإسرائيلي ، وداخل غزة ، يتمثل القلق في أن يؤدي نزع سلاح حماس إلى زعزعة توازن القوى وتصعيد الصراع على السيطرة في اليوم التالي للحرب .
ويستند القلق الأول إلى انعدام الثقة في أن تنازلات حماس ستؤدي إلى تغيير في السلوك الإسرائيلي . ويُقدَّم تسليم الرهائن في الخطاب باعتباره دليلا على انعدام الثقة : «تم تسليم المخطوفين واستمرت المجزرة “. ومن هنا تأتي الحجة القائلة إن تسليم السلاح أيضا لن يضمن وقف القتالة، بل قد يسمح لإسرائيل بالعمل من دون أن يكون هناك من يردعهم أو يوقفهم . ويُقال إنه إذا كان الاستسلام سيوقف الإبادة ، فربما كان له منطق ، لكنه بدلا من ذلك سيجعل العمل الإسرائيلي أسهل على العدو وأقل تكلفة بالنسبة إليه. ويُوصف السلاح في هذا السياق بأنه “الطلقة الأخيرة” و”وثيقة التأمين المتبقية للفلسطينيين ” . ويضاف إلى ذلك افتراض مفاده أن مطالب العدو لن تنتهي ، وإنما ستزداد وتتضاعف حتى بعد تسليم السلاح .
ويمتد انعدام الثقة نفسه إلى المقابل المقترح لنزع السلاح ، سواء كان الانسحاب الإسرائيلي ، أو الضمانات الدولية ، أو آلية فلسطينية بديلة . ففي حين يُنظر إلى نزع السلاح باعتباره خطوة يصعب التراجع عنها ، تُعتبر الالتزامات المقدمة في المقابل غير مؤكدة وقابلة للتراجع . ويكمن القلق في أن تسليم السلاح سيترك الفلسطينيين من دون ورقة ضغط إذا استمر القتال أو إذا طرحت إسرائيل لاحقا مطالب إضافية . ومن هذا المنظور، لا يتمثل السؤال في ما إذا كان السلاح قادرا على تحقيق النصر ، وإنما في ما إذا كان من الصواب التخلي عن آخر وسيلة للقوة قبل ضمان انتهاء الحرب فعليا .
وإلى جانب المخاوف من إسرائيل ، هناك أيضا مخاوف داخلية . فسلاح حماس يمثل كذلك عنصرا في توازن القوى داخل القطاع ، ولذلك يُنظر إلى تفكيكه باعتباره خطوة قد تغير أيضا النظام السياسي والأمني في غزة . ويتمثل القلق في أن إضعاف حماس قد يؤدي إلى مواجهات داخلية بين أطراف مسلحة ، وأن يزيد من عدم الاستقرار في اليوم التالي للحرب .
وهكذا يتغير مبرر الاحتفاظ بالسلاح . فهو يستند بدرجة أقل إلى الإنجازات التي تحققت بواسطته خلال الحرب ، وبدرجة أكبر إلى المخاطر المنسوبة إلى الواقع الذي سينشأ من دونه . ومن هذا المنظور، ينطوي التخلي عن السلاح على خطر مزدوج : فقدان القدرة على الردع في مواجهة إسرائيل ، وفقدان مركز القوة الذي تمثله حماس داخل القطاع . وفي مواجهة منتقدي حماس الذين يسألون: ماذا تستفيد غزة من استمرار الاحتفاظ بالسلاح ؟ يسأل مؤيدو حماس المعارضون لنزع السلاح : ماذا سيبقى لغزة إذا لم يتحقق المقابل الموعود ؟
المعاني والخلاصة :
يعكس النقاش على شبكات التواصل الاجتماعي حول نزع سلاح حماس لحظة نادرة من التغير في حدود النقاش داخل غزة . فللمرة الأولى، تخضع علنا للمراجعة قضايا كانت تُعد في السابق غير قابلة للنقاش ، مثل الحفاظ على سلاح المقاومة ، والثمن الذي يُسمح بفرضه على السكان ، واعتبار مجرد بقاء حماس على قيد الحياة انتصارا ، وذلك في ضوء نتائج الحرب . ويقوم هذا التغير على إدراك أن الواقع في غزة قد تغير ، وأن ذلك يفرض إعادة النظر في دور السلاح . لكن إلى جانب هذا الإدراك ، يكشف النقاش
عن فجوات بشأن الغاية التي يُراد تحقيقها من خلال التخلي عن السلاح أو مواصلة الاحتفاظ به ، وكذلك بشأن شكل غزة ومستقبلها في اليوم التالي للحرب .
يريد منتقدو حماس ، قبل كل شيء ، إخراج غزة وسكانها من الحرب ، بينما يريد مؤيدو حماس إخراج حماس من الحرب بطريقة تتيح للتنظيم البقاء حتى بعد انتهائها .
ومن وجهة نظر منتقدي حماس ، تحول السلاح من أصل إلى عبء ، وأصبح الاحتفاظ به يعوق إنهاء الحرب وإعادة الإعمار ، ولذلك ينبغي التخلي عنه بالكامل حتى لا يتم توفير ذريعة لإسرائيل لاستئناف القتال . أما من وجهة نظر مؤيدي حماس ، فلا يزال السلاح يمثل أصلا . ويرى البراغماتيون فيه ورقة مساومة : يمكن تسليم السلاح الثقيل مقابل إنهاء الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار ، بما يسمح لحماس بالاستمرار كقوة منظمة في القطاع . وفي المقابل ، يرى المعارضون لتسليم السلاح فيه الضمانة الأخيرة في مواجهة إسرائيل . ويكمن القلق في التخلي غير القابل للعكس عن السلاح من دون ضمان لتنفيذ المقابل المتمثل في إنهاء الحرب والانسحاب وإعادة الإعمار .
ويكشف النقاش عن سؤال أوسع : هل ما هو مطلوب للحفاظ على حماس والمقاومة يخدم بالضرورة أيضا سكان القطاع ؟ لم تُلغِ الحرب شرعية سلاح المقاومة ، لكنها قوّضت مكانته باعتباره قيمة مبررة في حد ذاتها . وأصبح السلاح ينتقل من كونه مصدر ا للشرعية إلى كونه موضوعا للتقييم : ماذا حقق ؟ وما ثمن الاستمرار في الاحتفاظ به ؟ وما المخاطر المترتبة على التخلي عنه ؟ وما تآكل بصورة أوضح هو القبول التلقائي بالنموذج العسكري الذي تطور في غزة وبالثمن المطلوب للحفاظ عليه ، وليس بالضرورة فكرة المقاومة نفسها .
ولا تعني الاستعدادات لتسليم السلاح الاستعداد لتفكيك قوة حماس . وتخوض حماس ومؤيدوها صراعا على الوعي يهدف إلى تقديم نزع السلاح ليس باعتباره اعترافا بالفشل ، وإنما باعتباره تكيفا استراتيجيا مع واقع جديد . وتشير التفرقة التي يجريها بعض مؤيدي التنظيم بين السلاح الخفيف والثقيل ، وبين تسليمه لإسرائيل وتسليمه إلى جهة فلسطينية ، وبين التفكيك الفوري والتدريجي ، إلى حدود التسوية . فمن وجهة نظرهم ، يمكن التخلي عن بعض القدرات العسكرية من دون التخلي عن قدرة حماس على البقاء كقوة مسلحة ومنظمة في القطاع .
وخلاصة القول ، فإن مسألة نزع السلاح لا تقتصر على كمية السلاح التي سيتم تسليمها ، وإنما تتعلق بالسؤال عما يُراد تحقيقه من خلال تسليمه أو الاحتفاظ به ، وما الذي سيبقى من حماس ومن المقاومة في اليوم التالي . ويتمثل الاختبار الأساسي في تحديد القدرات ومقدار القوة المستقلة التي ستبقى في أيدي حماس بعد التسليم . ومن وجهة نظر إسرائيل ، فإن السؤال أوسع من مسألة السلاح : كيف يمكن منع حماس من التكيف مع الواقع الجديد بطريقة تتيح لها ولـلمقاومة البقاء سياسيا وعسكريا ، والاستمرار كحركة منظمة بصيغة مختلفة داخل القطاع .
من منشورات معهد ابحاث الامن القومي الاسرائيلي