78 عامًا على النكبة: خلق لاجئين جدد، وتكرار اللجوء

يحيي شعبنا الفلسطيني اليوم، الخامس عشر من أيار، الذكرى الثامنة والسبعين للنكبة، وهي التهجير القسري والتطهير العرقي لأكثر من 750 ألف فلسطيني، وتدمير ما يزيد على 500 بلدة وقرية عام 1948. النكبة ليست مجرد حدث تاريخي، بل هي واقع مستمر؛ فما زال شعبنا الفلسطيني يواجه التهجير القسري، والحرمان من الحق في العودة، والاعتداءات الممنهجة على المؤسسات والأماكن والذاكرة الجماعية التي تحافظ على هويته. 

على مدى السنوات الأخيرة، كثّفت إسرائيل سياساتها تجاه اللاجئين وفق ثلاثة مسارات مترابطة: (1) خلق لاجئين جدد، (2) إعادة تهجير اللاجئين وعائلاتهم، (3) ومحو قضية اللاجئين نفسها. ففي الداخل الفلسطيني، يواجه البدو في النقب عمليات إجلاء قسري من القرى غير المعترف بها إلى ما يشبه مخيمات نزوح مؤقتة، من دون حلول سكنية دائمة. وفي الوقت نفسه، تهدد مشاريع تطوير مدعومة من الدولة، مثل المجمع السياحي المخطط له في قرية الطنطورة المهجرة، بالبناء فوق مقابر، من بينها مقابر جماعية، على أنقاض القرية الفلسطينية، مما يخفي آثار وأدلة النكبة ويمحو تاريخ مجتمعات اللاجئين المهجّرين من قراهم. 

وفي الأراضي المحتلة عام 1967، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية إلى التهجير القسري لعشرات الآلاف من الفلسطينيين، وكان العديد ممن اقتُلعوا من ديارهم لاجئين من عام 1948 وذريّاتهم. كما صعّدت إسرائيل هجومها على الأونروا، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وهي المؤسسة الدولية الرئيسية المكلّفة بدعم اللاجئين. ومن خلال تشريعات مناهضة للأونروا، وتدمير منشآتها، بما في ذلك إغلاق المدارس في القدس المحتلة، تسعى إسرائيل ليس فقط إلى تفكيك الخدمات الإنسانية والتعليمية والصحية الأساسية، بل أيضًا إلى تقويض الاعتراف الدولي بحقوق اللاجئين ومكانتهم.

مخطط تطوير فوق مقابر جماعية في قرية الطنطورة المهجرة
 في نيسان 2026، توجّه مركز عدالة وجمعية بمكوم – تخطيط وحقوق الإنسان، باسم لجنة مهجّري قرية الطنطورة، برسالة طالبا فيها السلطات الإسرائيلية بالامتناع عن إصدار تصاريح بناء لمنشآت سياحية وترفيهية في شاطئ دور، الواقع على أراضي الطنطورة، من شأن تنفيذها أن يؤدي إلى تدنيس مقابر في القرية، من بينها مقابر جماعية تعود إلى تهجير ومذبحة عام 1948 في القرية الفلسطينية المهجرة. واستندت الرسالة إلى معطيات صادرة عن تحقيقات أجرتها مؤسسة “فورنسيك آركتكتشر”، إلى جانب مواد من أرشيف الجيش الإسرائيلي، تحدد وجود العديد من المقابر، منها قبور جماعية داخل منطقة التطوير المخطط لها. ودعت المنظمتان السلطات إلى الامتناع عن إصدار أي تراخيص تمس بحرمة المقابر، كما طالبتا بوضع لافتات تعريفية لها، وإشراك ممثلين عن أهالي القرية المهجرة في تحديد مواقعها بدقة.

التهجير القسري في النقب
يسعى أحد مخططات الحكومة الإسرائيلية إلى ترحيل سكان القرى غير المعترف بها في النقب قسرًا ونقلهم إلى مجمّعات سكنية مؤقتة داخل البلدات البدوية المعترف بها من قبل الدولة، من دون ضمان توفير سكن دائم أو بنية تحتية ملائمة. وقد قدّم عدالة، وبمكوم، والمجلس الإقليمي للقرى غير المعترف بها، ومنظمات شريكة أخرى، اعتراضًا على هذا المخطط أمام المحكمة المركزية في بئر السبع، مؤكدين أنه ينشئ فعليًا مخيمات لجوء برعاية الدولة. ورغم رفض الالتماس وفرض رسوم عقابية غير مسبوقة، قدّم عدالة والمؤسسات الأخرى استئنافًا إلى المحكمة العليا في شباط 2026، ولا تزال القضية قيد النظر.

كما يواصل عدالة تمثيل مئات العائلات البدوية المهددة بالإخلاء القسري في قرى راس جرابة، والبقيعة، وأم بدون. وصادقت المحكمة العليا، في تشرين الثاني 2025، على إخلاء جميع سكان راس جرابة، البالغ عددهم نحو 500 شخص، خلال 90 يومًا، رغم قرار المحكمة المركزية بإلغاء المخطط الذي استُخدم لتبرير التهجير. وبعد أن قدّم مركز عدالة طلبًا لعقد جلسة إضافية، إلى جانب طلب لتجميد أوامر الإخلاء، جمّدت المحكمة العليا أمر الإخلاء مؤقتًا في آذار 2026، وذلك حتى صدور قرار آخر. ولا تزال قضيتا البقيعة وأم بدون قيد النظر أمام المحاكم.

تدمير مخيمات اللاجئين والتهجير الجماعي
منذ كانون الثاني 2025، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس في الضفة الغربية إلى تدمير مناطق سكنية واسعة ونزوح نحو 40,000 فلسطيني قسرًا. فقد هُدمت مئات المنازل، فيما لا تزال القيود التي يفرضها الجيش الإسرائيلي تمنع الأهالي من العودة. وقد قدّم عدالة عدة التماسات إلى المحكمة العليا في عام 2025، مؤكدًا أن هذه الإجراءات تنتهك الحقوق الأساسية في السكن والملكية والكرامة والإجراءات القانونية الواجبة، ولا يمكن تبريرها بادعاءات الضرورة العسكرية. إلا أن المحكمة قبلت حجج الجيش المتعلقة بالأسباب الأمنية. وفي كانون الأول 2025، طالب عدالة بإلغاء الأوامر العسكرية التي تمنع سكان مخيم طولكرم المهجّرين من العودة إلى منازلهم، إلا أن الجيش رفض هذا الطلب.

الاعتداءات على الأونروا
في كانون الثاني 2025، قدّم عدالة و”جيشاة-مسلك” – مركز للدفاع عن حرية التنقل – التماسًا إلى المحكمة العليا ضد القوانين التي تهدف إلى وقف عمل الأونروا في الأراضي الفلسطينية المحتلة. تعد الاونروا شريان حياة حيوي لدعم اللاجئين الفلسطينيين. وبعد امتناع المحكمة عن إصدار أمر احترازي مؤقت لوقف سريان القانون، داهمت الشرطة الإسرائيلية وأغلقت ست مدارس تابعة للأونروا في القدس المحتلة، ما حرم نحو 800 طفل لاجئ من الحق في التعليم.

وتصاعدت حدة الاعتداءات عقب إقرار تشريعات إضافية في كانون الأول 2025 تجيز مصادرة ممتلكات الأونروا وقطع الخدمات الأساسية عنها. وقامت السلطات الإسرائيلية لاحقًا بقطع المياه والكهرباء عن منشآت الأونروا في القدس الشرقية، بينما دمّرت الجرافات مقر الوكالة هناك تدميرًا شبه كامل في كانون الثاني 2026. ومن المقرر عقد جلسة أمام المحكمة العليا بشأن الالتماسات ضد القوانين المناهضة للأونروا في 27 أيار 2026، بعد عدة تأجيلات.

ورغم القيود المتزايدة، تواصل الأونروا تقديم مساعدات إنسانية محدودة في القدس الشرقية وغزة، وهي مساعدات بالغة الأهمية في ظل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة وتفاقم الأزمة الإنسانية في جميع أنحاء الأرض المحتلة. 

عن مركز عدالة

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *