مراجعة نقدية للكفاح الفلسطيني كتاب “نقاش السلاح”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

 

 

بجرأة يخوض الكاتب الفلسطيني ماجد كيالي فيما سكت عنه الكثير من المثقفين والكتاب العرب والفلسطينيين في تناولهم للكفاح الفلسطيني ضد الاحتلال، كفاح ثقافي وسياسي مدعوم بكفاح ميداني عسكري، لكن مسيرة الكفاح الفلسطيني لم يقع تناولها بالنقد المطلوب لتقييم مسارها وتقويمه والتنظير والتأسيس لسبل أخرى للكفاح ضد كل مظاهر الاستعمار.

يقدم ماجد كيالي في كتابه الجديد “نقاش السلاح… قراءة في إشكاليات التجربة العسكرية الفلسطينية”، مراجعة نقدية للتجربة العسكرية الفلسطينية. وقد قسّم كيالي كتابه إلى خمسة أقسام: بداية بالتنظير للتجربة العسكرية الفلسطينية، وفيه يتناول قراءات للأدبيات التأسيسية لبعض الفصائل الفلسطينية في ما يتعلق بمسألة الكفاح المسلح، وخصوصا حركتي “فتح” و”حماس”.

أما القسم الثاني فيبحث في مسارات التجربة ومآلاتها، ويتناول بالتحليل بعض التجارب التاريخية الفلسطينية. أما القسم الثالث المعنون بـ”البحث في بديهية الكفاح المسلح”، ففيه يُعمل المؤلف معوله في البحث في ما إذا كان العمل المسلح خيارا للشعب الفلسطيني، باعتبار أنه كان يتم التعامل مع هذه المقولة كبديهية غير قابلة للنقاش. وفي القسم الرابع يتطرق كيالي إلى إلياس مرقص وياسين الحافظ ووجهة نظر كل منهما المبكرة والمختلفة. حاول الكاتب إبراز تميز المفكرين السوريين عن الكثير من المفكرين العرب بنقد التجربة الفلسطينية وعفويتها. وجاء القسم الخامس أشبه بمراجعة نقدية حيث بحث في الإحصائيات وحسابات الكلفة والمردود، وفيه يبلور المؤلف استخلاصاته ونقده للتجربة العسكرية الفلسطينية.

كما عزز موقفه النقدي بما جاء في الخاتمة التي عنونها بـ”المآلات التراجيدية للظاهرة الفدائية”. وقد أرفق كتابه بوثائق مرجعية كانت حركة “فتح” قد أصدرتها أواخر الستينات، تدعم وجهة نظره وتبين كيف كانت حركة فتح تتعاطى مع البعد العسكري.
الكفاح المسلح

يذهب المؤلف في القسم الأول “التنظير للتجربة العسكرية الفلسطينية” بعيدا في البحث عن ماهية العمل العسكري للحركة الوطنية الفلسطينية، ويعتبر أن “فتح” كانت الطليعة في التأكيد على البعد العسكري، بهدف التركيزعلى البعد الوطني الفلسطيني، واستعادة القضية الفلسطينية من الأنظمة العربية السائدة، والعمل على تحريك الجبهات، وفقا لفكرة “التوريط الواعي” التي انتهجتها “فتح”.

هذا النمط الذي سلكته المقاومة أعطاها خصوصيتها وتمايزها، لكن الجدير بالأهمية أن تأسيس “فتح” لفكرة المقاومة المسلحة كان بحد ذاته من جانب آخر ردا على كون المشروع الصهيوني هو مشروع استعماري إحلالي إجلائي، لا يستقيم الحديث معه وفق منطق السياسة وحده، وهكذا كان الوعي المتشكّل لدى الفلسطينيين والقائم على معادلة أن “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”، ناهيك عن كون التماهي مع العمل العسكري ساهم في الإسراع ببلورة الهوية الوطنية الفلسطينية، وهو ما لم يشر إليه الباحث كيالي. لكنه كان دقيقا في تحليله لفكرة “التوريط الواعي” من كونها فكرة ساذجة وعفوية لناحية أن الأنظمة العربية كانت لها أجنداتها واستراتيجياتها، فبدلا من توريطها تم توريط المقاومة في صراعات جانبية بدأت بالصراع مع النظام الأردني، وصولا إلى تداعيات الأحداث في لبنان.

ويسوق الكاتب مسار التطور في الوعي السياسي الفلسطيني المتعلق بالعمل العسكري، فتارة يتم استخدام أسلوب حرب الشعب الثورية، وتارة أخرى يتم الدمج بين النضال بجميع الأشكال العسكرية مع السياسية والجماهيرية.

ويتعرض المؤلف بالنقد والمراجعة للتجربة العسكرية الفلسطينية حيث تظهر عفوية وسذاجة الفكر السياسي الفلسطيني الذي نظّر للعمل العسكري، حرب الشعب طويلة الأمد، في اعتباره الجماهير العربية شريكة في الثورة الشعبية، دون الأخذ بالاعتبار أن هذه الجماهير مسلوبة الإرادة فاقدة لحريتها ورازحة تحت سلطة أنظمة مستبدة.

وفي هذا السياق يورد رؤية “فتح” لفكرة الكفاح المسلح، عبر تعميماتها الداخلية (التعميمات الـ12)، ففي هذه التعميمات تتضح عفوية النظرية العسكرية، لا بل طفوليتها وسذاجتها وافتقادها “للحد الأدنى من العقلانية في التعامل مع نقاط قوة العدو وما تعتقد أنه نقاط قوة لنا، وهو أمر مؤسف حقا أن تلك النظرة هي التي حكمت إطلاق الكفاح المسلح، في بداياته”. وهي “رؤية أدت إلى تآكل الحركة الوطنية الفلسطينية، وتدفيع الفلسطينيين أثمانا باهظة”.

وبحسب الكاتب فإن المشكلة تكمن في أن “هذه الأفكار لم تخضع للمراجعة والنقد” بل إن الكثير من المثقفين الفلسطينيين اختاروا التنظير لفكرة حرب الشعب طويلة الأمد، وانتهجوا الإشادة بالعمل المسلح، مثل الكاتب والسياسي ناجي علوش. في حين أن قلة من المثقفين الفلسطينيين كان لها دور ناقد في هذا الشأن، كالباحث يزيد الصايغ الذي تناول بالنقد “حال العفوية والتخبط في انتهاج الكفاح المسلح، وبين حدوده وتوظيفاته”.

كما تطرق الباحث إلى الحركات الفلسطينية الأخرى التي سلكت النهج ذاته، كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وليدة حركة القوميين العرب، التي انتهجت أسلوب الكفاح المسلح لكن بطريقة حرب العصابات وحرب التحرير الشعبية، وهو ما شكل “نكوصا عن الرؤية النقدية السابقة لحركة القوميين العرب”.

ويسري ذلك على حركة “حماس” التي سارت على خطى “فتح”، لكنها انتهجت هذا الأسلوب متأخرة عن “فتح” بربع قرن، وقد “بدأت من الداخل، وليس من الخارج”.

ويخلص المؤلف إلى التأكيد أن هيمنة الانزياح إلى العمل العسكري كانت شاملة، عميقة، حافرة تضاريسها في بنية الحركة الفلسطينية برمتها، ولربما كانت شعارات من قبيل “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة” و”هويتي بندقيتي” ترجمة بالغة لتقديس العمل العسكري.

في القسم الثاني “في مسارات التجربة ومآلاتها” يحاول المؤلف تتبع مسار تجربة العمل العسكري في المشهد الفلسطيني برمته، وهنا لا يبدأ بدراسته من واقع حركة المقاومة الفلسطينية متجسدة في حركة “فتح”، بل يغوص في تاريخ التجربة العسكرية منذ الثورة الفلسطينية الكبرى في العام 1936، فنجد أن تلك المرحلة قد تمخضت عن الدمج بين “أشكال العصيان المدني والمقاومة المسلحة”، لكن هذا الدمج سرعان ما أجهض بفعل توقف أطول إضراب عرفه العالم، فيما شهدت تلك الثورة نزوعا عسكريا، سرعان ما تم قمعه على يد قوات الانتداب البريطاني.

وهنا يشدد المؤلف على نقده لتلك التجربة حيث تبددت إمكانيات وقدرات الحركة الوطنية الفلسطينية في توجيه دفة الصراع مع الانتداب البريطاني بدلا من الاستيطان اليهودي وتجلياته العسكرية، الأمر الذي أتاح للمشروع الاستيطاني التفرغ لبناء قواه العسكرية والاقتصادية، وبدّد في الوقت ذاته من القدرات الفلسطينية، وجعلها تدخل المعركة الفاصلة في 1948 دون سند عسكري حقيقي ودون ترتيب للبيت الفلسطيني بمكوناته السياسية والاقتصادية.

وفي سياق متابعته لمسار العمل العسكري تناول المؤلف الانتفاضة الفلسطينية الثانية (2000 – 2005)، والانجراف نحو العسكرة، وتصعيد العمليات التفجيرية الاستشهادية، بعد أن كانت في الأشهر الأولى انتفاضة مدنية – شعبية، معتبرا أن تلك الخطوة قد دفعت الإسرائيليين إلى المضي في إقامة الجدار الفاصل الذي قطّع أوصال الضفة الغربية، ناهيك عن استغلال إسرائيل لصفة الإرهاب التي وصمت بها العمليات الاستشهادية للعمل على توحيد الإسرائيليين.

بيد أن الجانب الفلسطيني “افتقد للعمل الكفاحي بمعناه المنظم والمدروس والهادف”، واعتبر المؤلف أن هذه العمليات لم “ترتبط باستراتيجية واضحة”، مؤكدا أن الفلسطينيين قد استدرجوا إلى ميدان الصراع العسكري الذي تتفوق فيه إسرائيل، ما ساهم أيضا في افتقاد الانتفاضة عمقها الشعبي.

كما تطرق المؤلف إلى انتهاج حركة حماس “حرب الصواريخ” ضد إسرائيل بعيد سيطرتها على قطاع غزة. والمفارقة أن حماس لم يكن لها باع في التجربة العسكرية السابقة لحركة المقاومة الفلسطينية، وبدا كفاحها كاستعادة لتجربة مجهضة، منتهيا إلى رأي نقدي لإحدى أهم مشكلات العمل الفلسطيني والتي “تكمن في غياب المراجعة، وسيادة العواطف والأوهام والرغبات والروح القدرية، في الصراع ضد إسرائيل، وهذا أكثر ما يخدمها”.

وفي هذا السياق يدعم الباحث وجهة نظره بإحصاءات عن مجمل الخسائر البشرية الإسرائيلية إبان احتلالها للقطاع (1967 – 2005) ويتحدث هنا بلغة الأرقام، إذ أن العدد الإجمالي للقتلى الإسرائيليين هو 230 فقط، بمعنى أن الانسحاب الإسرائيلي من القطاع لم يحدث لأنه شكل عبئا عسكريا واستنزافا بشريا للمقدرات العسكرية الإسرائيلية، بقدر ما هو استراتيجية إسرائيلية جديدة، وإلا ما مغزى أن يتحول القطاع إلى سجن تتحكم سلطات الاحتلال بمعابره وسمائه وبحره؟ فالخطوة الإسرائيلية بالانسحاب جاءت بهدف “ترك الفلسطينيين ليقلعوا شوكهم بأيديهم”، وخوفا من الخطر الديموغرافي، ناهيك عن الأبعاد الاقتصادية والسياسية والأمنية، والأهم من ذلك تشتيت قضية الشعب الفلسطيني الكبرى إلى قضايا متناثرة مبعثرة.

وفي سياق تلخيصه لتجربة العمل العسكري الفلسطيني يجد المؤلف أن ثمة تجربتين متمايزتين، ولكل منهما خصوصيتها، لم تكن لهما علاقة بتجربة العمل العسكري، أولاهما الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وثانيتهما تجربة فلسطينيي الـ48 في مقارعتهم للمشروع الاستيطاني وتمسكهم بالأرض وهويتهم. ويخلص إلى التأكيد أن تجربة الانتفاضة الأولى جديرة بالدراسة واستخلاص العبر، لما لها من دور بارز في “كشف حقيقة إسرائيل كدولة استعمارية عنصرية، وباعتبارها الأكثر تناسبا مع إمكانات الفلسطينيين والمعطيات المحيطة بهم”.
صرخة ناقدة

في القسم الثالث من مؤلفه “البحث في بديهية الكفاح المسلح” حاول المؤلف جاهدا تتبع المسارات السياسية للحركة الوطنية الفلسطينية، عبر سعيها لانتهاج طريق العمل العسكري، فوجد أن الفلسطينيين متفقون في توصيف طبيعة إسرائيل، لكنهم مختلفون في ما بينهم، وبشدة في كيفية التصدي لعدوهم. فمنهم من طالب بتحرير فلسطيني من النهر إلى البحر (فلسطينيو الشتات)، ومنهم من دعا إلى إقامة دولة على الأراضي المحتلة منذ العام 1967.

لكن الملاحظ أن نضال فلسطينيي الـ48 قد اتخذ طابعا خاصا بهم، طابعا سلميا يسعى للتأكيد على الهوية ونيل الحقوق في التعايش مع الإسرائيليين. في حين لم يتمكن فلسطينيو الضفة والقطاع من انتهاج شكل نضالي خاص بهم إلا بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى، باعتبارها محطة فاصلة سبقتها العديد من الهبات والاحتجاجات.

لكن في الانتفاضة الثانية (أواخر 2000) حدث تطور دراماتيكي باتجاه عسكرة الانتفاضة، ويعزوها المؤلف إلى أن كوادر الفصائل الفلسطينية التي عملت في الخارج، وانتقلت إلى الداخل، بفعل اتفاق أوسلو، قد نقلت خبرتها العسكرية ومنظورها السياسي، وكانت “بمثابة الحامل الموضوعي لهذه التجربة”، ناهيك عن حالة التنافس بين الفصائل، ما أدى إلى بروز ظاهرة الكتائب والسرايا.

ويشدد المؤلف على أن “إسرائيل لعبت دورا كبيرا في تعزيز الطابع العنفي للانتفاضة الثانية، واستدراجها للتحول إلى ظاهرة عسكرية، بسبب شدة العنف الذي واجهت به الانتفاضة في بداياتها”. لكن الباحث لم يتطرق إلى دور بعض الدول الإقليمية الأخرى، إيران مثلا، في دعم حركتي حماس والجهاد الإسلاميتين وتشجيعهما على المضي في الخيار العسكري، فقد بدأت الأجنحة العسكرية لحركتي “حماس” و”الجهاد” بالتشكل عبر دعم خارجي إيراني شديد الوضوح، بمعنى أن التوريط الإيراني وتحديدا لحركة “الجهاد”، كان واضحا وجليا لاستثماره في صراعات إيران وأجنداتها الخارجية، وذلك في إطار مزاعم إيران أن “دفاعها” عن فلسطين يأتي في إطار دفاع ما عُرف بأن فلسطين هي قضية الأمة الإسلامية، والعربية أيضا.

واضح أن المؤلف استطاع تتبع مسار أسطرة الكفاح المسلح، وقد عزاها إلى ما سماه بالأسطورتين الأساسيتين: أن قضية فلسطين قضية كل العرب، وأن الشعب الفلسطيني لديه من القوة لتحقيق ذلك. وإزاء ذلك تضخم من جديد العمل العسكري، وباتت النظرة التقديسية له خارج أي نقد أو مساءلة أو مراجعة.

في القسم الرابع “إلياس مرقص وياسين الحافظ وجهة نظر مبكرة ومختلفة…” سلّط المؤلف الضوء على إسهامات هذين المفكرين السوريّين في مسألة نقد التجربة الفلسطينية، وتحديدا في شقّها العسكري، على عكس الكثير من المثقفين العرب والفلسطينيين الذين جنحوا نحو تأليه العمل العسكري.

فمن المعروف أن موقف إلياس مرقص كان واضحا وجليا في التشديد على نقد الشعارات الدعائية، والأمر عينه بالنسبة إلى ياسين الحافظ. ولعل اختيار المؤلف لهذين المثقفين العربيين كان غايته التأكيد على أن العقل السياسي الفلسطيني لم يستطع أن يخرج من إطار عفويته وسذاجته ولربما طموحه وأحلامه في تحقيق الحد الأقصى، عبر التمني بكون الشعب الفلسطيني هو الطليعة لتحرير فلسطين، في حين أن هذا الشعب هو مشتت، ولاجئ، ويعيش تحت سطوة أنظمة قمعية همها المحافظة على استقرارها، والذي هو بحد ذاته استقرار للكيان الإسرائيلي.

أما في القسم الخامس “الإحصائيات وحسابات الكلفة والمردود” فحاول كيالي توثيق الخسائر البشرية الناتجة عن الصراع الدائر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بالرغم من إقراره بصعوبة ذلك، نظرا لغياب المصادر الموثوقة، أو لجنوح الفصائل الفلسطينية إلى المبالغة، لأنها تستمد أسطرة وجودها من فعلها العسكري، أو إخفاء إسرائيل لخسائرها.

ولعل إيراد الكاتب لكمّ كبير من الأرقام مسألة متعبة تتطلب من القارئ جهدا إضافيا لتحليلها، لذا كان يحبذ أن يلجأ إلى تحويل الجداول البيانية للمعطيات الإحصائية إلى خط بياني Line graph أو دوائر بيانية Pie chart.

ويبقى ما توصل إليه من خلاصات واستنتاجات هو المهم في هذا المجال، ولعل أبرزه أنه “رغم كل تأثيرات الكفاح المسلح في الداخل والخارج إلا أنه لم يصل إلى العتبة التي يؤثر فيها على إسرائيل إلى الدرجة التي تضطرها إلى تقديم تنازلات سياسية”، على الرغم من الخسائر البالغة والباهظة للفلسطينيين، إلا أن الفلسطينيين يقدسون البطولات والتضحيات، وهو ما أعفى القيادات الفلسطينية من المساءلة عن حسابات الجدوى والكلفة والمردود.

في القسم السادس “مراجعة نقدية – استنتاجات وملاحظات” يضع المؤلف خلاصة ما توصل إليه عبر العديد من الملاحظات النقدية الهامة، منها أن الفصائل الفلسطينية لم تجر مراجعة نقدية لتاريخها، وهي ليست مستعدة للإقرار بضرورة المراجعة، ويعزو ذلك إلى أن أمرا كهذا “قد يضعها في موضع المساءلة، أو لأنه يضر بشرعيتها، أو يمسّ بصدقيتها، وبهيمنتها”. فعلى الرغم من تغير الظروف السياسية، وإقامة سلطة فلسطينية تحت الاحتلال، إلا أن الصمت عن تجربة العمل العسكري بكل مآلاتها هو سيد الموقف، فما بالنا باستمرار هذه التجربة والتفاخر بها في قطاع غزة.

كما يشدد المؤلف على أن الظروف الدولية لم تعد تسمح للفلسطينيين “بممارسة المقاومة المسلحة بالطريقة المتخيلة أو المرجوة”. وكأن المؤلف يدعو العقل السياسي الفلسطيني إلى التفكير جديا في ابتكار أشكال نضالية جديدة قادرة على تحقيق خطوة نحو تحقيق الحلم، بتكاليف أقل بكثير مما دفعه الشعب الفلسطيني طوال خمسة عقود على انطلاقة ثورته أواسط الستينات من القرن الماضي.

حصيلة ما أراد الباحث التأكيد عليه أن فكرة الكفاح المسلح قد أدّت دورها في استنهاض الفلسطينيين، كما يسميها، “من الضياع والتشتّت، ومكّنتهم من وعي مكانتهم كشعب”، والآن قد آن الأوان للتفكير بصوت عال، ومناقشة مستقبل النضال الفلسطيني دون الخوف من كسر المحرمات، وبعيدا عن لغة التحامل أو التخوين أو الشك.

كتاب “نقاش السلاح” يحمل في طياته صرخة مفادها أن أي مشروع سياسي دون حامل ثقافي مآله الفشل، لأن العفوية والسذاجة سوف تتحكمان به، وتصوغان مساره ومآلاته، وهو دعوة إلى إعادة التفكير بحاضرنا، والاستفادة من دروس ماضينا، حتى نستطيع أن نرسم لمستقبلنا، مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية والحلم الفلسطيني.

لا يمكنني أن أصف الكتاب إلا باعتباره كتابا يحرّض العقل السياسي الفلسطيني على إعادة النظر ليس فقط في النقاش والسجال حول التجربة العسكرية بل وأيضا في مجمل القضايا الفلسطينية الشائكة، وهو حقل كان المؤلف قد دشنه عبر نتاجاته السابقة.

الكتاب من إصدار المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت ـ عمان، ومكتبة “كل شيء” في حيفا، مايو 2020، ويقع في 268 صفحة من القطع المتوسط.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *