القانون الدولي وتدمير البيوت في الأراضي الواقعة تحت الاحتلال
عبد الحميد صيام
القدس العربي، 27 – يوليو – 2019

بمباركة من المحكمة الإسرائيلية العليا، قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم الإثنين الماضي بهدم مبان سكنية تضم أكثر من 100 شقة في وادي الحمص في بلدة صور باهر. وتعود قصة وادي الحمص لعدة سنوات مضت عندما صدر قرار عسكري بمنع البناء على جانبي الجدار العازال بمسافة 250 مترًا والمقام أصلا في المنطقة التابعة للحكم المحلي الفلسطيني. وأقرت المحكمة آنذاك هدم المباني والمنازل المقامة على هذه المساحة، فتوجه أهالي المنطقة للمحاكم الإسرائيلية، فتصدر المحكمة العليا التي تدعي أنها مستقلة تماما عن الحكومة، أمرا بمنع الهدم، فتفاجأوا بقرار يصدر عن المحكمة العليا الإسرائيلية يوم الأحد 20 تموز/يوليو بتأييد منع البناء وتوصية بهدم جميع المباني المقامة عليها. توجهت الجرافات الإثنين 21 تموز/يوليو الجاري إلى المنطقة وأنذرت السكان بالخروج فورا وقامت بالهدم والجنود يهتفون ويرقصون ويقهقهون تعبيرا عن فرحهم، بينما شرد أكثر من 500 فلسطيني جلهم من الأطفال والكهول. كما أصيب العشرات من سكان المباني المهدومة لأنهم رفضوا الخروج من منازلهم.
انتهاكات قانونية
نحاول في هذا المقال أن نحاكم قرار المحكمة الإسرائيلية العليا وقرار الهدم من منظار القانون الدولي والقانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، لنرى كم من الانتهاكات ارتكبتها هذه المحكمة المسيسة والتي تعمل لخدمة الاحتلال الذي هو في حد ذاته انتهاك للقانون الدولي من الأساس. وللقضية أبعاد قانونية أربعة:
البعد الأول – أن هناك احتلالا وقع في حرب 5 حزيران/يونيو عام 1967 ويشمل الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة. وبما أن هذه المناطق مأهولة بالسكان فقد أقرت الأمم المتحدة في العديد من قراراتها انطباق اتفاقية جنيف الرابعة على هذه الأراضي، كما ينطبق عليها مبدأ عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة المسلحة الذي ورد في مقدمة القرار الشهير 242 (1967) والذي طالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلت في هذا النزاع. وقد أكدت جميع قرارات الأمم المتحدة الصادرة بعد عام 1967 على موضوع أن هذه الأراضي هي أرض محتلة – لا خلاف على ذلك. وعادت محكمة العدل الدولية وأكدت على هذا المبدأ في رأيها الاستشاري القانوني الصادر بتاريخ 9 تموز/يوليو 2004 كما سنرى لاحقا.
البعد الثاني – بما أن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراض محتلة، لا جدال في ذلك، إذن فإن أحكام اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 تنطبق تماما على سكان هذه الأراضي. فلنراجع بعض الأحكام:
تنص اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 في بندها الرابع على أن اتفاقية جنيف الرابعة تحمي أولئك “الأشخاص الذين يجدون أنفسهم في لحظة ما وبأي شكل كان، في حالة قيام نزاع أو احتلال تحت سلطة طرف في النزاع ليسوا من رعاياه أو دولة احتلال حماية المدنيين الواقعين تحت الاحتلال ليسوا من رعاياها”. وبما أن الفلسطينيين ليسوا من رعايا دولة الاحتلال فتأمين حمايتهم يصبح قانونا نافذا لا مجال للاجتهاد فيه. وفي حال محاكمة أحدهم قضائيا يجب ألا يحرم هذا الشخص من محاكمة عادلة قانونية. وللأشخاص المحميين بموجب هذا الاتفاق الحق في احترام أشخاصهم وشرفهم وحقوقهم العائلية وعقائدهم الدينية وعاداتهم وتقاليدهم. ويجب أن يعاملوا معاملة إنسانية في جميع الأوقات. وحسب المادة 33 لا يجوز معاقبة شخص محمي بموجب هذه الاتفاقية عن مخالفة لم يرتكبها شخصيا، كما تحظر العقوبات الجماعية وجميع تدابير التهديد والإرهاب. ويحظر الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم. وحسب المادة 49 “لا يجوز لدولة الاحتلال أن ترحل أو تنقل جزءا من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها”.
وحسب المادة 53 “يحظر على دولة الاحتلال أن تدمر ممتلكات خاصة ثابتة أو منقولة تتعلق بأفراد أو جماعات أو بالدولة أو السلطات العامة أو المنظمات الاجتماعية أو التعاونية”.
وبما أن الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراض محتلة، إذا فلا تنطبق قرارات المحاكم الإسرائيلية العادية على سكان الأراضي المحتلة. فليس للمحكمة الإسرائيلية العليا سيادة على الأرض المحتلة.
البعد الثالث – هل من حق دولة الاحتلال بناء جدار عازل على أرض هي أصلا محتلة؟
شرعت دولة الاحتلال في بناء جدار عازل تطلق عليه اسم “سياج دفاعي” منذ عام 2000. وقد طلبت الجمعية العامة المنعقدة في دورة طارئة خاصة في كانون الأول/ديسمبر عام 2003 في قرارها 14/10 من محكمة العدل الدولية أن تعطي رأيا قانونيا في مسألة بناء الجدار الواقع بشكل رئيسي وأساسي على أرض يملكها الفلسطينيون. وقد استمرت مداولات المحكمة منذ قرار الجمعية العامة إلى أن أصدرت الرأي الاستشاري بتاريخ 9 تموز/يوليو 2004 وجاء فيه:
“على إسرائيل الالتزام بالتوقف فورا عن أعمال بناء الجدار، والقيام بتفكيكه على الفور، وإلغاء الإجراءات التشريعية والتنظيمية المتعلقة ببنائه، أو جعلها غير ذات تأثير. وعلى إسرائيل الالتزام بتقديم تعويضات عن الأضرار الناجمة عن الجدار، التي لحقت بجميع الأشخاص العاديين، أو الاعتباريين المتأثرين ببناء الجدار”.
– المستوطنات التي أقامتها إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة هي انتهاك صريح للقانون الدولي. وبناء الجدار والقواعد المرتبطة به قد تؤدي بمسار الجدار إلى إيجاد (حقائق على الأرض) تؤدي إلى الضم الفعلي للمساحات والأراضي؛ مما يؤدي إلى التأثير على الحدود المستقبلية ما بين إسرائيل والدولة الفلسطينية، وترى محكمة العدل الدولية أن الضم الفعلي لأجزاء من الضفة الغربية إلى إسرائيل يشكل خرقا لحق تقرير المصير.
– إن اتفاقية جنيف الرابعة تنطبق على الأراضي الفلسطينية المحتلة لأنها وقعت في أيديها نتيجة حرب.
– إن الجدار الفاصل، يمس مختلف الحقوق المقننة في الاتفاقيات والمواثيق التي وقعت إسرائيل عليها، وهي: الحق في حرية الحركة، والحق في عدم التدخل في خصوصية البيت والعائلة، والمقننة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، أما حقوق العمل، والحق في مستوى حياة لائق، الحق في الصحة والتعليم، فهي مقننة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية والثقافية.
البعد الرابع – كيف نصف جريمة هدم بيوت وادي الحمص
حسب المادة السابعة من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والمختصة في تعريف “الجرائم ضد الإنسانية”؟ ينص البند (ح) على أن من الجرائم ضد الإنسانية: “اضطهاد أية جماعة محددة أو مجموع محدد من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس”.
أما البند (ك) فيشير إلى: “الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية”.
أما المادة (د) والمعنونة “إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان” فتعني: نقل الأشخاص المعنيين قسراً من المنطقة التي يوجدون فيها بصفة مشروعة بالطرد أو بأي فعل قسري آخر بدون مبررات يسمح بها القانون الدوليا”.
أما المادة الثامنة المعنونة “جرائم الحرب” فبندها الرابع يقول: “إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات والاستيلاء عليها دون أن تكون هناك ضرورة عسكرية تبرر ذلك وبالمخالفة للقانون وبطريقة عابثة”.
الخلاصة: إن ما قامت به إسرائيل يوم الإثنين الماضي من هدم للمباني في وادي الحمص يعتبر جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية. فإسرائيل دولة محتلة والأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة أراض واقعة تحت الاحتلال وتنطبق عليها اتفاقية جنيف الرابعة، وأن الجدار العازل غير شرعي ويجب ان يفكك حسب رأي محكمة العدل الدولية، وأن ما قامت به إسرائيل يقع ضمن إختصاص المحكمة الجنائية الدولية باعتباره جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية لأنها عقوبة جماعية ضد أناس مدنيين لا يشتبكون مع جيش الاحتلال أثناء العمليات العسكرية. الخطوة التالية هي المتابعة والتوجه للمحكمة الجنائية مسلحين بقوة القانون لمواجهة القوة والاستهتار بالقانون الدولي.