1948 انكشاف الصدمة والنكبة المستمرة


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

نعيش، هذه الأيام، لحظات تاريخية تعمّ فيها حالة ثورية يصنعها الفلسطينيون، في فلسطين وفي أماكن وجودهم حول العالم. وليس اندلاع العنف في الأراضي الفلسطينية المحتلة وداخل الخط الأخضر، سوى الحلقة الأخيرة من سلسلة امتدت على مدى خمسة وسبعين عاماً من النضال، الذي يخوضه الفلسطينيون ضد عسف وتصلب الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي غير المسؤول. وتعدُّ مقاومة السكان العرب في فلسطين، برأي العديد من الباحثين والمختصين، ردة فعل طبيعية في مواجهة النظام الاستعماري، وهدفاً مشروعاً من أجل الاعتراف، بحقوقهم وتقرير مصيرهم، مثلما حصل في انتفاضة يوم الأرض عام 1976، وانتفاضة الحجارة «الانتفاضة الأولى» أواخر الثمانينيات، وفي الانتفاضة الثانية في مطلع الألفية الحالية، والاحتجاجات ضد الاعتداءات على غزة، وطرد الفلسطينيين وتهجيرهم طوال هذه الفترة.
مرّت القضية الفلسطينية، كما كتب إدوارد سعيد، بالعديد من التغييرات منذ عام 1948، ففي الولايات المتحدة، كان الدعم العسكري لإسرائيل كبيرا، فضلاً عن تقييد فرص الاعتراف بحقوق الفلسطينيين، بما في ذلك نكبة 1948، التي ساهم فيها المجتمع الدولي، وأدّت إلى قيام دولة إسرائيل في فلسطين، والمقاومة المكبوتة للاحتلال، التي اندلعت إبّان الانتفاضة الأولى، والإمكانات غير المحققة لاتفاقات أوسلو، وتقسيم الأراضي في أعقاب الانتفاضة الثانية، والاضطراب الحالي ضد الوضع الراهن.. كل هذا، ساهم في ظهور خطابات معيارية مختلفة، ومؤسسات، بدّلت من طبيعة الحركة الوطنية الفلسطينية ومقاومتها.

ما أثار الاضطرابات الحالية، ظاهرياً، العديد من الحوادث، لعلّ من أبرزها، العنف الذي تعرض له الشبان الفلسطينيون في باب العمود، في الليالي الأولى من شهر رمضان المبارك، وقيام القوات الإسرائيلية بقطع أسلاك السماعات في المسجد الأقصى، وإطلاق القنابل الصوتية داخل الحرم الشريف، الذي يعتبر رمزاً دينيا وروحيا لدى الفلسطينيين، وأحد عناوين خلاصهم الوطني. في الوقت الذي استمر فيه التهجير الوحشي للعائلات الفلسطينية، منذ أكثر من عقد، من الحي المقدسي الصغير المعروف باسم حي الشيخ جرّاح. وساهم التعامل الوحشي مع سكانه الفلسطينيين، في انتفاضتهم، لتمتد الاضطرابات عبر البلدات الفلسطينية، وتنعكس على المدن (المختلطة) التي تقع داخل الخط الأخضر، فنزل الشبان إلى شوارع الناصرة واللد والرملة وحيفا وبئر السبع وغيرها، احتجاجاً على ممارسات الاحتلال، فنظّموا مظاهرات لم تخضع للتوحيد والتنظيم على يد أي حزب سياسي. وطالبت الاحتجاجات العفوية بتحقيق العدالة والحرية وإنهاء الاحتلال، وقيام فلسطين حرة، فردّت إسرائيل، على يد جيشها وشرطتها، بوحشية غير منضبطة، وبأعمال قتل عشوائية متواصلة يقودها مدنيون إسرائيليون، بحماية الشرطة الإسرائيلية وتحريض وسائل الإعلام التي تمولها الدولة.
حلقة العنف رافقت الاستعمار الصهيوني لفلسطين، وقيام إسرائيل منذ البداية. و»النكبة» بوصفها من أكثر الأحداث مأساوية في التاريخ الجمعي للمنطقة، وكما يعبّر عنها الفلسطينيون، في أدبياتهم، تشير إلى الدمار الحاصل عام 1948 الذي شمل أكثر من 500 بلدة بسكانها، ترافق مع قيام دولة يهودية ضمن حدود الخط الأخضر. أدى قرار الأمم المتحدة لتقسيم فلسطين إلى انهيار شبة كامل للمجتمع الفلسطيني، واتباع سياسة التطهير العرقي للفلسطينيين، شملت عمليات قتل وطرد، وهروب الغالبية العظمى من أصل نحو 940000 فلسطيني، كانوا يعيشون في فلسطين التاريخية.
يحيي الفلسطينيون، في 15 مايو من كل عام، ذكرى النكبة. وتصادِف هذا العام الذكرى السنوية الثالثة والسبعين، لما يعتبره كل فلسطيني طرداً عنيفاً وقسرياً من وطنه، من أجل إقامة دولة ذات أغلبية يهودية، كما أرادت الحركة الصهيونية. وتلخص مأساة حي الشيخ جراح القصة الفلسطينية برمتها، فمازالت النكبة تُروى وتُعاش من جديد، ومازال اللاجئون الفلسطينيون الذين أُعيد توطينهم قسراً عام 1948 يعيدون إحياء الذكرى مرة أخرى.. وما يعيشه هؤلاء صدمة جماعية مستعادة ومتكررة، حتى بالنسبة لمواطني إسرائيل الفلسطينيين، الذين فقدوا منازلهم وممتلكاتهم ونزحوا داخلياً، عام 1948، مازالت النكبة، بالنسبة إليهم، تجربة متواصلة من الحرمان، الذي تفرضه الحالة الاستعمارية، على المستويات كافة، بما في ذلك الحرمان من الحقوق الثقافية والتاريخية والقانونية. كما يحتفي الفلسطينيون «بالنكبة» باعتبارها تمثل بداية مقاومتهم ضد القوة غير المتسقة التي يمتلكها المستعمِر المفروض من قبل القوى العظمى، والرد الطبيعي للمستعمَر هو استخدام العنف، ضد الخضوع المديد لنظام استعماري قمعي وعنيف بطبيعته. وتعتبر المقاومة، بالنسبة للفلسطينيين، وبأشكالها المتعددة، شكلاً من أشكال البطولة، وتحدياً صارخاً لمحاولة الاستعمار الصهيوني المستمرة للقضاء على الشعب الفلسطيني، ولم تضعف أو تنضب المقاومة الفلسطينية، في مواجهة عنف الدولة المنظم، بل على العكس، تغير شكلها من الكفاح المسلّح، في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى الانتفاضة الجماهيرية في الثمانينيات، والعمليات الانتحارية التي رافقت الانتفاضة الثانية، أو مقاومة حماس في غزة، وثورة الأسرى وإضرابهم عن الطعام، أو شكل التيار الحالي من الاحتجاج المستقل ضد النكبة في كل مكان.
يستمد النظام الاستعماري الاستيطاني القائم حالياً نسغ حياته، من خلال القضاء المادي على وجود السكان الأصليين على الأرض، وبدون هذه الخاصية لا يستطيع هذا النظام تمكين المستوطنين من حيازة الأرض، فإسرائيل تعمل، ليس فقط على استغلال الفلسطينيين للاستيلاء على أرضهم وإجبارهم على القيام بالأعمال الوضيعة (كعمّال بناء للمنازل أو عمال بناء جدار الفصل) بل نفي وجود الفلسطينيين كشعب، وتحويلهم إلى جماعة غير مرئية، وأكثر ما يجسد هذه العقلية الاستعمارية، الشعار الصهيوني المعروف: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». نظر المستوطنون الأوائل إلى فلسطين على أنها أرض فارغة قليلة الزراعة، وروّج أبرز الكتاب والمفكرين الصهاينة، مثل ثيودور هرتزل وحاييم نحمان بياليك وماكس ماندلستام، إلى هذا، من خلال كتاباتهم، التي سعت إلى نفي الوجود الفلسطيني كشعب. ولا يمكن لهذا النظام أن يمنح حقوقا للمواطنين الفلسطينيين، فالاحتياجات الإنسانية الأساسية، مثل الهوية والأمن، غير معترف بها. والمستوطن الصهيوني يتعامل مع الفلسطيني، ليس بوصفه عضواً في جماعة يمتلك حقوقاً متأصلة، بل يعتبره دخيلاً غير شرعي على «أرض الميعاد». فهم، أفراد بلا هوية، ليس بمقدورهم العيش، إلا من خلال كرم المستوطنين، وهذا لن يحدث إلا إذا اتبعوا قواعد السيد، وتنازلوا عن أي حق في الأرض. ولا تشعر إسرائيل بالذنب، لأنها ترى أفعالها عادلة ومبررة، وغالباً ما يُعزى عدم المساءلة الإسرائيلية إلى الماضي اليهودي المأساوي، مثلما صرّحت غولدا مائير في قولها الشهير (اقتبسه جدعون ليفي): «بعد ما فعله النازيون بنا، يمكننا أن نفعل ما نريد». وبناء على ذلك، يعبّر الجمهور الإسرائيلي، ووسائل الإعلام والقادة السياسيون عن مفاجأتهم، في كل مرة يثور فيها الفلسطينيون ضدهم، ويبدون مصدومين وغير مصدقين، لأنهم لا يعرفون، حقاً، من هم الأشخاص الذين يسيطرون عليهم ويتحكمون بهم. ويتجنب الإسرائيليون، عموماً، الخوض في الأسئلة الأخلاقية الناتجة عن الفعل الاستعماري، بهروبهم نحو رواية تاريخية تتمحور حول اليهود، وحول معرفتهم المحدودة بالفلسطينيين المستعمَرين، الخاضعين لهم، الذين يعيشون خارج الخط الأخضر أو ​​داخله.. وبوصفي فلسطينية، أعيش داخل الخط الأخضر، تعلمتُ، سواء في الشارع، أو داخل المؤسسات الأكاديمية، عدم رغبة الإسرائيليين في معرفة أي شيء عني، أو عن شعبي. هم يقبلون فكرة أن هذه الأرض كانت، قبل النكبة، خالية من البشر، وباتت الآن ملكا للأشخاص الذين كانوا بلا أرض. هم يعتقدون أن سكان الأرض المشتتين، تصادف أن كانوا جماعة من العرب عاشوا في ذلك المكان، بدون أي صلة عميقة تربطهم به، عاشوا، مع اليهود أصحاب الأرض التي كانت ملكا لهم دائماً وأبداً.
إن «متلازمة المفاجأة» الإسرائيلية هذه، تعدّ شرطاً وجودياً يسمح لهم بتبرير سلوكهم الاستعماري، فلا يرون في سياسات الفصل العنصري «الأبارتيد» وهدم منازل الفلسطينيين، وقوانين الميز العنصري (مثل قانون يهودية الدولة، وقانون النكبة) والقمع المستمر والقتل والاعتقالات ومصادرة الأراضي، استفزازات، بل يزعمون، ويجادلون بأن «حاجز الخوف انكسر» والحل في «تخويفهم أكثر» حتى يعودوا إلى أشغالهم ومنازلهم وحياتهم اليومية. تتعامل إسرائيل وقادتها ووسائل الإعلام مع هذه الانتفاضات كما لو أنها أحداث غير مسبوقة، تندلع على هيئة هبّات موسمية، ودائما ما تكون التفاصيل المحددة مفاجئة، غير أن سياقها يكون قصير الأجل على الدوام، ويجب أن يؤخذ التاريخ على محمل الجد، لأن الأزمات عابرة نسبياً. ومع ذلك، هناك، ثمة، زخم وطبيعة عرضية لهذه الأحداث، التي تبدو حتمية بطريقة ما. والنكبة هي السياق، لا يعرف الإسرائيليون شيئاً عن الكيفية التي ينظر فيها الفلسطينيون إلى الأمر، ويستمرون، في العيش تحت تأثير صدمة الاقتلاع والطرد. لا يدرك الإسرائيليون أن العنف ضد الفلسطينيين ليس جسدياً فقط، بل يتغلغل في تفاصيل وأعماق الدولة، في أنظمتها وهياكلها وسياساتها. ولا يمكن أن يُنسب، هذا العنف، إلى أفراد بعينهم قد يخضعون للمساءلة، لكنهم يتخفّون داخل النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الحاكمة. تستهدف السياسات الإسرائيلية العديدة الفلسطينيين، فهناك أكثر من ستين قانوناً تمييزياً، في إسرائيل، تحرمهم من جميع أنواع الحقوق والامتيازات الممنوحة لليهود، مثل هذا العنف البنيوي هو أشد سوءا، وأثره أطول أمداً من الاعتداءات الجسدية على الأشخاص والممتلكات.
لقد طفح الكيل بالناس فنزلوا إلى الشارع، ويُنظر إلى تمرّدهم كنتيجة مباشرة للصدمة التي تركت بدون علاج، يثورون ضد المستعمِر بدون السير وراء أي حزب وبدون أي دعم تنظيمي، يؤمنون بأن المقاومة هي طريقهم للاعتراف بهم، وتأكيد إنسانيتهم وتحرير أرضهم. وإن كانت المقاومة فعّالة، ولو من الناحية النفسية فقط، وإن لم تدم طويلاً، فقد كانت بديلاً لعقود من العجز إزاء واقعهم المكبّل بالقيد الاستعماري، لا يمكن معالجة صدمة النكبة، إلا بعد أن يعترف العالم بصدقها وأهميتها، ولاسيما إسرائيل. اليهود والفلسطينيون شعبان يتسمان بصدمات تاريخية معينة، تحدد نظرتهما للعالم. وصلت السرديات اليهودية والإسرائيلية إلى استيعاب الخلاص عام 1948 مع تأسيس دولة إسرائيل وما تلاها من ازدهار، لكن الأمر بالنسبة للفلسطينيين، كان يعني الحرمان الدائم والعيش في المنفى، أو تحت نير الاحتلال، لذلك، لن تكون نكبة 1948 ذكرى تاريخية فقط، فالصدمة مستمرة، ولا تزال تتكشف في التجربة اليومية والمعيشية لمعظم الفلسطينيين. إن الرفض العالمي للاعتراف بزخم الإبادة الجماعية المتغطرس، الذي وقف وراء تأسيس إسرائيل، يمثّل جرحاً مستديماً متواصلاً، يكبر يوماً بعد يوم، وتظهر جميع الحكومات المعنية مذنبة ومتواطئة. إن قيام إسرائيل وعدم الاعتراف بالتأثير العميق والدائم للنكبة، ومعالجتهما، يمنع فهم ما حصل في حينه، وفقاً للمنظور الفلسطيني. إن الاعتراف بعواقب النكبة والتعامل معها – بما في ذلك تهجير معظم الفلسطينيين من أرض أجدادهم، وعدم انضوائهم تحت ظل دولة تخصهم من الناحية القانونية – هو المفتاح لأي حل من شأنه تحسين ظروفهم، والطريقة الوحيدة لليهود والعرب والعالم بأسره، للمضي قدماً نحو هذا الحل. وإن لم تتصالح إسرائيل مع الإرث السياسي والثقافي للنكبة، فلن تنعم بالهدوء والاستقرار والحياة الطبيعية التي ستبقى معايير مراوغة ومنزلقة، في إسرائيل، ولا حدود لضبطها أو تعيينها.

عن القدس العربي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: كارول دانيال- كسبري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *