يوم الأرض ورهانات الحاضر: حوار مع نبيه بشير حول الصراع على الأرض والهوية والوعي

في هذا الحوار، يستعرض نبيه بشير، الباحث والمحاضر الجامعي، الجذور العميقة ليوم الأرض، ويستشرف مستقبل الهوية الفلسطينية في الداخل في مواجهة تحديات التفكيك الممنهج. وقد أجرت “مدونة فلسطين الميدان” هذه المقابلة مع بشير، ابن بلدة سخنين، على خلفية اهتمامه السابق بكتابة هذه التجربة وإلقاء محاضرات حولها، وذلك بتاريخ 29 آذار/مارس 2026.

وتقدم المقابلة تحليلاً سوسيوسياسياً معمقاً لمركزية يوم الأرض في الوجدان الفلسطيني، متجاوزة كونه احتجاجاً مرحلياً على مصادرة الأراضي، لتعيد تعريفه بوصفه منعطفاً تأسيسياً في صراع الوجود والحيّز الثقافي. ويرى بشير أن هذا الحدث مثّل انتصاراً للفطرة النضالية الشعبية على تردد القيادات التقليدية، بما أسس لخطاب جديد يدمج بين الحقوق المدنية والمطالب القومية الأصيلة.

كما تستعرض المقابلة ديناميات الذاكرة الجمعية وتطورها عبر الأجيال، محذّرة من “القنابل الموقوتة” المعاصرة، وفي مقدمها أزمات السكن وتفشي الجريمة الممنهجة، بوصفها أدوات استعمارية حديثة تستهدف تفكيك النسيج المجتمعي. وعلى الرغم من القراءة النقدية لتراجع دور المؤسسات السياسية القطرية، فإن التحليل يخلص إلى رؤية استشرافية متفائلة تراهن على وعي الجيل الشاب، الذي نجح في ابتكار أبجديات مقاومة عابرة للأيديولوجيات الكلاسيكية، معززاً مفهوم الانتماء الشامل لفلسطين التاريخية بوصفها فضاءً هوياتياً موحداً، بما يؤكد فشل سياسات الأسرلة والتدجين في كسر إرادة البقاء. 

  1. كيف تنظر إلى يوم الأرض كحدث يتجاوز مجرد الاحتجاج على مصادرة أراضٍ عينية، ليغدو صراعاً على الوجود والحيز الثقافي والحضاري الفلسطيني؟

بنظرة استرجاعية إلى الوراء، تتبدى أهمية انطلاقة يوم الأرض عام 1976 في كونه شكل حراكاً شعبياً فرض نفسه على معظم القيادات العربية في الداخل، ووحد صفوف الفلسطينيين في إسرائيل تحت شعار واضح مفاده رفض الاستمرار في التعامل معهم بوصفهم رعايا لدولة تصادر، يوماً بعد آخر، مقومات حياتهم وبقائهم على أرضهم، وتدفعهم نحو التحول إلى عمال أجراء في السوق الإسرائيلية. ومن هذا المنظور، مثّل ذلك اليوم انطلاقة لمقاومة سياسات هدفت إلى تجريدهم من أسباب الحياة، وفي مقدمها الأرض، التي لا يمكن من دونها ضمان أي مستقبل كريم لهذا المجتمع على أرض وطنه.

وقد أدرك الفلسطينيون في حينه أنهم يواجهون معركة وجودية تهدد أساس بقائهم، وهو إدراك فُرض بدوره على مختلف القيادات. كما تتجلى أهمية يوم الأرض في تحوله، منذ لحظته الأولى، وبدعم من منظمة التحرير الفلسطينية، إلى يوم وطني جامع شارك فيه الفلسطينيون في مختلف أماكن وجودهم، في مخيمات اللاجئين، والضفة الغربية، والبلدان العربية، وكذلك في أوروبا.

وفي الحقيقة، أبدت بعض القيادات القطرية العربية، المتمثلة في لجنة رؤساء السلطات المحلية واللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي، قدراً من التردد حيال تحول يوم الأرض إلى مناسبة فلسطينية شاملة، إذ سعت إلى تقليص دلالاته وحصره في إطار احتجاج مدني صرف. وقد ساهم هذا التوجه في نشوء توترات ومناوشات خلال التظاهرات، ولا سيما من جانب حركة أبناء البلد (التي تأسست عام 1972)، وخصوصاً عند إلقاء كلمات القيادات القطرية في المحطة الختامية للتظاهرة القطرية، التي كانت تُنظَّم سنوياً بالتناوب بين سخنين وعرابة ودير حنا حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي. 

  1. برأيك هل نجحت القيادات السياسية العربية في الداخل في جسر الهوة بين الخطاب المدني والخطاب القومي؟ وكيف مثّل يوم الأرض عام 1976 نقطة تحول في هذا السياق؟

مثّل يوم الأرض منعطفاً بالغ الأثر في تشكل الوعي السياسي الذاتي لدى الفلسطينيين في إسرائيل، غير أن هذا لا يعني أنه يحمل دلالة واحدة ثابتة لدى الجميع؛ بل إن معناه يتبدل من جيل إلى آخر، ومن سياق إلى آخر، ومن فئة إلى أُخرى. ومن هنا، تبرز أهمية الحفاظ على طبيعته الديناميكية المرنة، بما يتيح له أن يحتمل معاني متعددة في آن واحد. فقد حمل يوم الأرض، عبر الزمن، دلالات متباينة تبعاً لاختلاف السياقات المحلية والإقليمية، وتفاوتت معانيه بين الحركات والأحزاب، كما اختلفت من مكان إلى آخر ومن مرحلة إلى أُخرى. فالمعاني التي حملها لدى الناس لم تكن بالضرورة منسجمة مع تلك التي سعت القيادات إلى فرضها؛ وما قبل الانتفاضة الأولى (1987) ليس كما بعدها، كما أن دلالاته في الضفة الغربية وقطاع غزة ومخيمات اللجوء تختلف عنها في الداخل الفلسطيني (48).

ومع ذلك، يلفت النظر أن غالبية المقاربات رأت في الخطاب الذي تبلور حول يوم الأرض، وفي سياق التحضير له، خطاباً هجيناً سعى إلى التوفيق بين البعدين القومي والمدني، وهو ما أفضى بطبيعته إلى نشوء توترات ناتجة من التفاعل بين هذين البعدين. فقد تأخر الحزب الشيوعي، بوصفه القوة السياسية الأوسع جماهيرياً في حينه، في بلورة طرح يجمع بينهما، مفضلاً التخفيف من حدة التوتر والميل نحو الخطاب المدني، إلى أن شكلت لحظة يوم الأرض مدخلاً لإمكان الدمج بين الخطابين.

ومع منتصف الثمانينيات ومطلع التسعينيات، ظهرت حركات وأطر سياسية سعت إلى هذا التوفيق، مثل “القائمة التقدمية للسلام” (1984) و”ميثاق المساواة” (1990)، غير أنها لم تنجح في صياغة مشروع سياسي قابل للتطبيق. لاحقاً، برز “التجمع الوطني الديمقراطي” (1995) بطرح يقوم على تحدي مفهوم “الدولة اليهودية” عبر تقديم بديل يتمثل في فكرة “دولة جميع مواطنيها”، وهو طرح سعى، ضمن أمور أُخرى، إلى ردم الفجوة بين الخطابين المدني والقومي. وقد أثار هذا التوجه ردات فعل حادة، إذ اعتُبر استفزازاً مباشراً للفكرة الصهيونية، وترافق مع تصاعد محاولات المؤسسات السياسية والفكرية شيطنته واستهداف القائمين عليه، ولا سيما عزمي بشارة. 

  1. كيف اختمر يوم الأرض عبر تراكم الأحداث خلال الخمسينيات والستينيات التي مهدت لانطلاقه بشكل مفاجئ للجميع؟

أسوة بسائر التحولات التي تطرأ على المجتمعات، لم يكن يوم الأرض حدثاً معزولاً عن سياقاته المحلية والإقليمية، ولا نتيجة ظرف واحد محدد، بل جاء ثمرة سيرورة سياسية طويلة ومحاولات متكررة لصوغ علاقة يمكن التعايش معها ضمن إطار الدولة العبرية. فقد شهدت البقية الباقية من المجتمع الفلسطيني في حدود 1948 مبادرات عديدة، وبُذلت جهود كبيرة لبلورة مثل هذه الصيغة، ولا سيما من جانب “حركة الأرض” في أواخر الستينيات ومطلع السبعينيات. غير أن الدولة العبرية رفضت هذه المبادرات، وتمسكت برؤيتها التي تقوم على التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم رعايا خاضعين للرقابة الدائمة، مع فرض أدوات لإدارة شؤونهم.

ومن هذا المنطلق، لم يكن يوم الأرض “حدثاً مفاجئاً”، بل نتيجة طبيعية لهذه التراكمات التاريخية، ومحاولة لإعادة رسم معالم العلاقة المستقبلية مع الدولة العبرية ومع الشعب الفلسطيني في آن واحد. أمّا أبرز العوامل التي ساهمت في تصعيده إلى حدث جامع ومؤسِّس ومستمر، فتمثلت في انبثاقه من شرائح اجتماعية وثقافية شعبية واسعة، غير حزبية، رأت بصورة فطرية أن الدولة العبرية ماضية في سياساتها الرامية إلى تضييق الخناق على المجتمع الفلسطيني واقتلاعه من وطنه. وتشير العديد من الشهادات إلى أن القيادات السياسية الفلسطينية في الداخل كانت مترددة ومتخوفة إزاء تنفيذ الإضراب العام، ولم تتوقع مآلاته، بل سعت، باستثناء بعض القيادات مثل توفيق زيّاد وصليبا خميس، إلى الحؤول دون انطلاقه. غير أن هذه الشرائح الشعبية فرضت توجهها، وقادت الحدث. 

  1. كيف تقرأ دور المؤسسة الإسرائيلية في يوم الأرض وتداعياته اللاحقة؟ وهل نجح الخطاب الإسرائيلي في تدجين الذاكرة الجمعية ليوم الأرض عبر تحويلها من مواجهة سياسية أصلانية إلى طقس احتفالي سنوي يفتقر إلى الأدوات النضالية الفاعلة؟

لم تنجح المؤسسات الإسرائيلية، في السابق، في تدجين الذاكرة الجمعية ليوم الأرض، على الرغم من محاولاتها الحثيثة لتقزيم أهميته، أو وصمه بالإرهاب، أو إضفاء دلالات سلبية عليه. فقد اعتمدت حتى النقابات العمالية ووسائل الإعلام المركزية، مثل صحيفة “هآرتس”، منذ مرحلة التحضير للإضراب العام في أواخر سنة 1975، مفردات وتحليلات مستمدة من معاجم النزاعات العسكرية، وراحت تلوّح بتهديد السكان من تنفيذ الإضراب، متوعدة بإنزال أقصى العقوبات. وكذلك فعلت المؤسسات الحاكمة، بما فيها المؤسسة العسكرية، التي وصفت الإضراب العام بأنه إعلان تمرد وعصيان، وتعاملت مع المواجهات التي رافقته بوصفها ساحة حرب. وعلى الرغم من هذا الترهيب، ومحاولات التدجين، واستقطاب بعض المثقفين والمتعلمين، فإن هذه الجهود لم تنجح، ويُعزى ذلك، فيما يبدو، إلى أن الإضراب الذي تحول إلى يوم الأرض كان في جوهره ثمرة قرار وحراك شعبيين، نابعين من إدراك فطري لدى مجتمع واجه مخاطر وجودية بفعل السياسات الإسرائيلية والتخاذل الدولي.

صحيح أن إحياء ذكرى يوم الأرض قد يبدو، أحياناً، كطقس مفرغ من مضمونه، لكن التمعن في تراكم هذا الطقس السنوي ومساهماته التربوية يكشف عن أهميته البالغة. إذ لا يمكن العودة إلى الوراء لاستعادة الفعل الشعبي الذي تجلى في انطلاقة يوم الأرض، لأن التاريخ وسياقاته في تغير دائم. ويكمن التحدي أمام القيادات والحركات الشعبية في تهيئة الأرضية سنوياً لإبداع أهداف مرحلية واستحداث أدوات نضالية فاعلة.

أمّا فيما يتعلق بمعاني يوم الأرض في الداخل، فقد شهدت تحولات ملحوظة، ولا سيما حين فرضت لجنة المتابعة العليا (التي تأسست سنة 1982 بوصفها الهيئة التمثيلية الأعلى للفلسطينيين في الداخل – 1948) قراراً يقضي بتحويل يوم الأرض إلى يوم احتجاج أو مهرجان للمطالبة بالمساواة المدنية، بما ساهم في نزع طابعه القومي الساعي إلى تأكيد الانتماء إلى الشعب الفلسطيني، والمطالبة بالاعتراف بالفلسطينيين في الداخل بوصفهم مجموعة قومية تتمتع بحقوق جماعية، إلى جانب الحقوق المدنية الفردية. وقد جاء هذا التحول في أعقاب الانتفاضة الأولى (كانون الأول/ديسمبر 1987)، ويمكن فهمه في حينه بوصفه تعبيراً عن خشية القيادات العربية من ردات فعل أجهزة الدولة. ثم تعمق هذا المسار عقب محادثات مدريد (1991)، إذ تحول إحياء يوم الأرض إلى مهرجان خطابي، تراجعت فيه الدلالات القومية، واشتد فيه التنافس بين الأحزاب والحركات، ولا سيما الحزب الشيوعي، والحركة التقدمية، وحركة أبناء البلد.

ومن الطبيعي أن تتبدل المعاني مع تحول التاريخ وتغير السياقات المحلية والدولية، وكذلك مع تطور إدراكنا واعتمادنا مقاربات متعددة لضمان حياة كريمة. لكن هناك أمر واحد مركزي أثبته يوم الأرض الأول منذ ذلك الحين، وهو أننا، كمجتمع، قادرون على مقاومة السياسات التي تتهدد وجودنا على أرضنا. وفي الحقيقة، فإننا لطالما عانينا من افتقار إلى قيادات سياسية قطرية ومحلية شجاعة، ترى المستقبل وتخطط له. وربما ينبع هذا الافتقار من طبيعة اللعبة السياسية الإسرائيلية نفسها، لكن يتعين على القيادة التي تمتلك رؤية استراتيجية أن تبحث عن سبل لتجاوز هذه اللعبة السياسية المقيتة، وأن تفرض نفسها وتصوراتها على مؤسسات الدولة، وألاّ تنخرط في لعبة سياسية نعرف جميعاً أن حدودها ضيقة جداً وأن أهدافها لا تصب في مصلحتنا، لا كأفراد ولا كمجتمع. فقد استولت القيادات السياسية على الفعل السياسي بيننا، وغاب الحراك الشعبي، أو لعل الأدق القول إن هذه القيادات ركبت على الحراك الشعبي وتحكمت فيه. وقد تجلت هذه المسألة مجدداً في الحراك الشعبي الأخير ضد الجريمة، إذ فرض هذا الحراك على القيادات اتخاذ قرارات جوهرية، وقادها بدلاً من أن تقوده هي. 

  1. كيف تقرأ صمت الناس أحياناً: هل هو تعب، أم قناعة بعدم جدوى الاحتجاج؟

يرتبط صمت الناس بالسياق؛ فأحياناً يأخذ طابع التعب والشلل فعلاً، كما لمسنا ذلك بوضوح في ردات فعلنا في بداية حرب الإبادة عام 2023 التي تشنها إسرائيل على غزة والضفة الغربية. وأحياناً أُخرى يتخذ طابع الإحباط من اللعبة السياسية المفروضة علينا، ولا سيما في ضوء تجربة السلطة الفلسطينية، وأحياناً يحمل دلالة الشعور بعدم جدوى الاحتجاج.

لكننا، في كل مرة، نتفاجأ بفطرة الناس من جديد، إذ يفرضون حراكاً من نوع مختلف. وأبرز دليل على ذلك الحراك والمبادرات الشعبية اللافتة التي شهدناها حين توفرت الفرص لمساندة أهلنا في غزة وسورية، وكذلك الحراك الشعبي الأخير ضد الجريمة (سخنين، 22 كانون الثاني/يناير 2026). فمظاهر الاحتجاج تتبدل باستمرار، وتتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للسياقات والظروف. 

  1. بماذا تريد أن تختم مقابلتك، وكيف ترى مستقبل فلسطين والفلسطينيين؟

أخيراً، أقول إنني متفائل جداً، على الرغم من الصورة القاتمة التي تُعرض أمامنا، أو التي يجري رسمها لنا، والتي تشمل طغيان قيادات مأزومة وبائسة، وتفكك عناصر أساسية في النسيج المجتمعي، بما يغذّي نزعات فردانية سلبية لدى جيل الشباب منذ بداية التسعينيات، من جهة، وشعوراً بالعجز أمام تفشي الجريمة المدعومة من أجهزة أمنية وشرطية وازنة، من جهة أُخرى. ومع ذلك، وبخلاف كثير من التصورات السائدة، أرى أن كل جيل جديد ينشأ بيننا يجعلنا، كمجتمع، أكثر قوة.

فالجيل الشاب يمتلك عناصر شخصية افتقرت إليها الأجيال السابقة، مثل الثقة بالنفس، والتعامل الجدي مع خطاب المواطنة، والانفتاح على أفكار وآفاق نضالية عالمية جديدة. كما يتسم هذا الجيل بعدم إيمانه بالأيديولوجيات الكبرى، وعدم انخداعه بها بسهولة، وعدم اعتباره الأطر الحزبية الإطار الوحيد للفعل السياسي، بل يسعى إلى ابتكار وسائل مقاومة بديلة تنسجم مع لغته ومفاهيمه وتصوراته وآماله، حتى وإن بدا لنا أحياناً أنه جيل غارق في نزعة فردانية تسعى إلى تحقيق الذات. غير أن هذا الجيل يبدع أبجديات سياسية خاصة به، تجمع بين الهمّين الشخصي والجماعي، ولا يعني ذلك أنه يشعر بالغربة عن يوم الأرض أو عن ضرورة إحياء ذكراه، بل إنه ينظر إلى هذه المسألة من زاوية مختلفة عمّا اعتدناه. ولا تزال كثير من ملامح هذا الوعي لدى الجيل الشاب غير مدروسة حتى الآن.

إننا نواجه اليوم أزمات متعددة، لكنها ليست، بالضرورة، أعمق من تلك التي سبقت انطلاقة يوم الأرض الأول. فقد كنا نعيش، آنذاك، ضمن ذهنية شكلها الحكم العسكري، قوامها الخوف من كل حركة أو تغيير، والانشغال بتأمين لقمة العيش. أمّا اليوم، فنحن نكافح على عدة مستويات: في مواجهة سياسات الدولة في مجالات التربية والتعليم، والاقتصاد، والحقوق المدنية، والتمييز المرتبط بالأرض والإسكان؛ وفي ظل غياب العمق العربي، والنفاق الدولي، وعجز المؤسسات الدولية؛ فضلاً عن مواجهة مشكلات اجتماعية معقدة ناتجة من تحولنا إلى مجتمع في طور التشكل من جديد. وهذا التحول طبيعي، لكنه يتطلب قيادات محلية وقطرية واعية تواكبه وتؤطره بشكل صحي وآمن.

لقد تفسخ النسيج الاجتماعي الذي عرفناه سابقاً، ولم يعد قائماً كما كان؛ فقد تراجعت سلطة الوالدين على أبنائهم وبناتهم، كما فقد كبار السن كثيراً من مكانتهم، وهو ما قد يفسر، جزئياً، تسارع تفشي الجريمة ومظاهر العنف في السنوات الأخيرة. كما يتجلى هذا التفسخ في صعود ظواهر جديدة، مثل ازدياد معدلات الطلاق، وهي ليست بالضرورة ظاهرة سلبية في ذاتها، لكن ما يثير القلق هو السياقات التي تنتجها.

محلياً، تُعدّ مسألة الأرض والمسكن قنبلة موقوتة لا بد من أن تنفجر في مرحلة ما، في ظل سياسات الدولة العنصرية والبغيضة، إذا لم تتوفر حلول سريعة وجدية لمعالجتها. فقد تحولت مدننا وقرانا إلى ما يشبه مخيمات للاجئين، ومع الاكتظاظ السكاني تتفاقم مشكلات اجتماعية ونفسية يصعب معالجتها في ظل استمرار هذا الواقع. وتؤرق مسألة الأرض والمسكن جميع الناس، من دون تمييز بين غني وفقير، وذلك ببساطة لأن مخزون الأراضي قد استُنفد. وينعكس هذا القلق، المرتبط بغياب إمكان توسع البلدات العربية وتوفير أراضٍ جديدة للسكن، في شعور عام بانعدام الأمان لدى الناس.

لكنني، مع ذلك، لا أرى أي داعٍ للتخوف من مسألة الانتماء، لأن شعور الانتماء يتوسع بصورة دائمة. فلو عدنا إلى السبعينيات لتخوفنا من هذه المسألة، لأن وعينا كان ضيقاً ومحصوراً في بلدتنا فقط، وكان انتقال عدد من الشباب والصبايا إلى بلدة أو مدينة أُخرى يُعدّ أشبه بالهجرة ودليلاً على ضعف مشاعر الانتماء. أمّا اليوم، فأرى أن مفهوم الانتماء قد اتسع، وأصبحنا نرى في فلسطين التاريخية كلها وطننا، ولا ضير في انتقال شريحة من الشباب والصبايا إلى بلدات أُخرى.

وخير مثال على ذلك ما جرى في مدينة حيفا. فأذكر أنها، حتى مطلع التسعينيات، كانت مدينة خاملة وأقرب إلى تجمعات سكنية للعمال، ولا سيما للسكان العرب. لكن منذ مطلع التسعينيات شهدنا انتقال شرائح من الشباب والصبايا العرب من قراهم وبلداتهم إلى حيفا، وهو ما أحدث تحولاً إيجابياً ملحوظاً على المدينة عموماً، وعلى المجتمع العربي فيها خصوصاً. فقد أبدعت هذه الشرائح أدوات لتعزيز انتمائها الوطني للمدينة، وبثت فيها روحاً جديدة.

ومع ذلك، لا يعني هذا إمكان تجاهل القنبلة الموقوتة المتمثلة في الاكتظاظ وافتقارنا إلى مسطحات أرض سكنية. فالوطن ليس فكرة مجردة، بل يتشكل من خلال تفاعلاتنا مع محيطنا في الحياة اليومية. وقد ساد، قبل عقود، تخوف من احتمال تراجع اللغة العربية أو انحصارها في وظائف تواصلية تقنية، ومن تنامي مشاعر الاغتراب وتلاشي الحس الوطني تدريجياً. غير أن الواقع أثبت أن مجتمعنا أكثر وعياً، وقادر على إيجاد سبل وأدوات للحفاظ على لغته وإثرائها وممارستها ثقافياً. ولا شك في أن القنوات الفضائية العربية ووسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في توفير أدوات جديدة في هذا المجال، غير أن ما ينقصنا، بلا شك، هو وجود مؤسسات أهلية وثقافية تدعم هذا التوجه وتعززه.

عن المؤلف: 

نبيه بشير: باحث في مركز أبحاث المثلث كفر قرع ومحاضر في جامعة بير زيت.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *