“يوميات أكرم زعيتر 1971-1975”: في أهمية حفظ الذاكرة الفلسطينية

يلحُّ صقر أبو فخر، في تقديمه لكتاب “يوميّات أكرم زعيتر 1971-1975: في أتّون الدبلوماسيّة“، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (بيروت/ الدوحة، 2026)، والذي أعدّه معين الطاهر وهبة أمارة ونافذ أبو حسنة (جاء في 640 صفحة من القطع الكبير مع مُلحق بوثائق وصُوَر وفهرس عام)، على أنّ يوميّات أكرم زعيتر هذه، الطافحة بالمعلومات الصادقة والصحيحة، لهي شوطٌ هامّ من عمليّة الحفاظ على الذاكرة الفلسطينية، مستكملةً ما سبق أن نشرَه أكرم زعيتر في المضمار نفسه: “وثائق الحركة الوطنيّة الفلسطينية” 1918-1939: من أوراق أكرم زعيتر” (1979)، و”الحركة الوطنيّة الفلسطينية 1935-1939: يوميّات أكرم زعيتر” (1980)، و”من أجل أُمّتي: من مذكّرات أكرم زعيتر” (1994)، إضافةً إلى يوميّاته الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أوّلها سنوات “الأزمة 1967-1970” (2019)، وثانيها “آمال الوحدة وآلام الانقسام 1949-1965” في جزأين (2021).

يوميّات أكرم زعيتر الجديدة في هذا الكتاب تغطي الفترة من مطلع 1971 حتّى منتصف آذار/ مارس 1975، والتي يرى الأستاذ أبو فخر، بحقّ، أنّها فترة شديدة الخطورة وكثيرة التحوّلات وذات أهميّة استثنائيّة، إذ شهدت معارك أيلول/ سبتمبر 1970 في الأردن، ولا سيّما في عمّان، وخروج المقاتلين الفلسطينيين نهائيًّا من الأردن إلى سورية (1971)، واغتيال رئيس وزراء الأردن وصفي التلّ (1972)، والاجتياح الإسرائيلي الأوّل لجنوب لبنان (1972) إثر عمليّة ميونيخ، واغتيال محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في بيروت (1973)، وحرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973 وما تبعها من قطع النفط العربي عن الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، وتبنّي منظمة التحرير الفلسطينية فكرة الدولة الفلسطينية عام 1974، وخطبة ياسر عرفات في الأمم المتحدة في العام نفسه.

يشير الأستاذ أبو فخر إلى أنّ القارئ يقع على وقائع مثيرة في زمن وجود أكرم زعيتر سفيرًا للمملكة الأردنية في بيروت، إذ يسلّط الضوء في يوميّاته على صراع الاستخبارات الفلسطينية والأردنيّة في لبنان طوال الفترة بين 1971 و1973، ويشير إلى عمليّة السطو على “بنك أوف أميركا” في شارع المصارف في بيروت في خضمّ حرب أكتوبر/ تشرين الأول 1973، ويلفت الانتباه إلى أنّ زعيتر لم يكتفِ بتدوين مذكّراته، بل إنّه كان مكلفًا بجمع ما استطاع من وثائقَ وبياناتٍ وصُوَرٍ ورسائل ومقالات وصحف وتسجيلات، ما يُبرزُ جوانب وضّاءة ومعاني نبيلة للتاريخ الفلسطيني الحديث الذي شاركَ زعيتر فيه. ويلاحظ الأستاذ أبو فخر أنّ زعيتر ناله قدرٌ من الإحراج لعدم مشاركته في جنازة القادة الفلسطينيين الثلاثة كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار، بسبب التوتّر السياسي والإعلامي آنذاك بين المملكة الأردنية وحركة فتح.

يُسهب صقر أبو فخر فيما تطرّق إليه زعيتر بالتفصيل في يوميّاته هذه حول الفيدرالية الفلسطينية–الأردنية، أو الفدرالية بين الضفّتين الغربية والشرقية تحت تاج الملك، أي ما تطوّر إلى مشروع المملكة العربية المتحدة (آذار/ مارس 1972) الذي تضمّن وحدة سياسية بين دولتين: دولة فلسطين وعاصمتها القدس، والمملكة الأردنية وعاصمتها عمّان، على أن تكون عمّان هي العاصمة الاتحاديّة المركزيّة، وأن تُنفَّذ هذه الرؤية بعد التحرير.


(أكرم زعيترووصفي التل )


يذكر الأستاذ أبو فخر أنّ يوميّات أكرم زعيتر منحت الاجتياح الإسرائيلي للأرض اللبنانية في 16 أيلول/ سبتمبر 1972 تركيزًا خاصًّا واهتمامًا مميّزًا، إذ جاء هذا الاجتياح إثر عملية ميونيخ في بداية الشهر نفسه، وكانت منظّمة “أيلول الأسود” قد نفّذتها، فاتّسع نطاق الاجتياح العسكري ليشمل قصف منطقة الهامة غربي مدينة دمشق، والمزيرب في درعا، وسحم الجولان في القنيطرة والسويداء وجبلة في اللاذقية، ومخيم نهر البارد في شمال لبنان.

يشير صقر أبو فخر إلى أنّ زعيتر أفاضَ في عرض وقائع حرب تشرين الأوّل/ أكتوبر 1973، مستندًا إلى المراسلات الدبلوماسية التي اطّلع عليها أو شارك في صوغها أو نقلها إلى الرئيس اللبناني سليمان فرنجيّة، واسترسل، في الوقت نفسه، في الحديث عن الموقف الأردني الذي أرسل قوات مدرّعة إلى الجبهة السوريّة، وعن توقيع اتّفاقيتي فكّ الاشتباك في جنين على الجبهة المصريّة في 18 كانون الثاني/ يناير 1974، وعلى الجبهة السوريّة في 31 أيّار/ مايو 1974.

أكرم زعيتر، المناضل الفلسطيني منذ شبابه، المفكّر القومي أبدًا، الدبلوماسي الأردني على مدى عقود، كان سفير الأردن في سورية، ثمّ وزير خارجية الأردن ووزير البلاط الملكي، وسفير الأردن في لبنان من 1971 إلى 1975، وترأس اللجنة الملكية لشؤون القدس، واختير عضوًا في مجلس الأعيان الأردني، وهو المولود في نابلس عام 1909، المساهم في تأسيس “حزب الاستقلال العربي” إلى جانب محمد عزة دروزة وصبحي الخضرا وعوني عبد الهادي ورشيد الحاج إبراهيم وحمدي الحسيني وعجاج نويهض وفهمي العبوشي، والمشارك في تأسيس “عصبة العمل القومي” في مؤتمرها التأسيسي في بلدة قرنايل في جبل لبنان عام 1933، ورفيق درويش المقدادي في جمعية الجوّال القومي بين 1934 و1935، وصديق شكري القوتلي زمن إقامته في دمشق. توفي في العام 1996 مخلّفًا مذكّرات ووثائق ومؤلّفات عديدة، منها: “تاريخنا بأسلوب قصصي” (مع درويش المقدادي، القدس، 1937)؛ “مهمّة في قارّة” (بيروت، 1950)؛ “القضيّة الفلسطينية” (القاهرة، 1955)؛ “القروي شاعر العروبة: سيرته في ذكرياته” (بيروت، 1979)؛ “بدوي الجبل وإخاء أربعين سنة” (بيروت، 1987).

تمكّن معين الطاهر وهبة أمارة ونافذ أبو حسنة من إنجاز ما استحقّه أكرم زعيتر في إصدار يوميّاته على مدى قرابة خمس سنوات، فجاء إعدادها وثيقةً محكمة لصفحة ناصعة من تاريخ فلسطين الحديث، ولعلّ ما دوّنه أكرم زعيتر على آخر ورقة من يوميّاته هنا دليلٌ على حسِّه التاريخي وبُعده التأريخي:

في 1975/3/15، السبت، زرت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، وهي مؤسّسة نفتخر بها ونعجب بجهودها، ولعلّها هي الشيء الذي قلّدنا فيه اليهود وتفوّقنا فيه عليهم. ولقيت الصديق وليد الخالدي، أمين سرّها العام (السكرتير العام)، وقدّمت إليها ثلاثة صناديق من الكتب والوثائق المتعلّقة بالقضية الفلسطينيّة هدية. وكنت منذ سنوات أهديت إليها نحو ألف وثيقة أصليّة عن القضية الفلسطينية، وُضعت في خزانة حديدية لا تؤثر فيها النار ولا الماء، وكُتب على أعلاها “أوراق أكرم زعيتر”. وقال لي وليد: لقد تقرر تكليفي الإشراف على طبع هذه الوثائق في مجلّدات، إذا تمّ ذلك وصارت أوراقي مرجع الباحثين في تاريخ القضيّة الفلسطينية لأكونَنّ من أسعد الناس.

عن ضفة ثالثة

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *