يجب على إسرائيل الاعتراف بدولة فلسطينية – اليوم

قد يتم فهم عنوان المقال كمناورة خيالية في العلوم السياسية . فإسرائيل تخوض حرب استنزاف وحرب عصابات، وتواصل التخلي عن مخطوفيها ، وتتحول المجاعة والدمار في قطاع غزة إلى كارثة إنسانية قد تؤدي إلى إنهاء الحرب قسرًا في المستقبل القريب، وتحديدًا بقرار من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
إنهاء الحرب، وإعادة جميع المخطوفين ، واستبدال حماس بحكومة فلسطينية أخرى معتدلة وشرعية، وتجريد القطاع من السلاح بواسطة قوات عسكرية دولية وإقليمية، وإقامة سلطة انتقالية مؤقتة في غزة وإعادة إعمارها – هذه هي الخطوات الأولى والضرورية في إطار عملية سياسية طويلة ومتعرجة محاطة بالغموض .
هذه العملية ستؤدي في النهاية إلى تحقيق المبدأ البراغماتي والأخلاقي المتمثل في تقسيم البلاد إلى دولتين، وإلى إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح ومحايدة إلى جانب إسرائيل. هذا سيكون النصر السياسي والأمني النهائي على حماس، وهو أيضًا انتصار للصهيونية السوية .
من هنا، يجب أن نبدأ من النهاية، أيضًا على ضوء تداعيات زيارة الرئيس ترامب إلى السعودية والإمارات وقطر في الشهر الماضي، التي عززت المحور السني – المحافظ – الثري ، الذي يتجاوز اليوم إسرائيل والفلسطينيين . يدعم هذا المحور الاستقرار الإقليمي، وحتى أنه يدعم اتفاق نووي مع إيران دون تصعيد إلى مواجهة عنيفة معها. الولايات المتحدة ودول الخليج يفضلون الصفقات الاقتصادية عن الحروب، كنوع من التعبير المُحسّن عن “السلام الاقتصادي الرأسمالي”.
تدعم الولايات المتحدة والدول العربية والمجتمع الدولي بأسره اليوم إنهاء الحرب وإعادة الأسرى، واستبدال حماس بحكومة فلسطينية شرعية ومحبة للسلام . حكومة أخرى في إسرائيل كان يجب أن تتخذ مبادرة سياسية وتضع استراتيجية مختلفة تمامًا، من أجل مصالح إسرائيل القومية والأمنية، سواء فيما يتعلق بقطاع غزة أو فيما يتعلق بحل القضية الفلسطينية بشكل عام.
لا يمكن الفصل بين مصير قطاع غزة ، وبين مصير الضفة الغربية ، بالملايين الخمسة الفلسطينيين الذين يعيشون في هذين الجزأين من البلاد، والذين لن يغادروا إلى أي مكان أخر رغم أحلام الترانسفير الوهمية . ومن هنا ، كان ينبغي على حكومة إسرائيلية أخرى مسؤولة، وتتمتع بالحكمة السياسية والرؤية الاستراتيجية، أن تعلن اليوم استعداد دولة إسرائيل للاعتراف بدولة فلسطينية إلى جانبها، دولة تُقام خلال العقد القادم، بشروط معينة ، وعدم الخوف من الإعلان الفرنسي السعودي المتوقع تسليمه إلى الأمم المتحدة بعد نحو أسبوعين، حول دعم دولة فلسطينية .
ذلك أن أحد أسباب فشل عملية أوسلو في التسعينيات كان الغموض بشأن التبني الصريح لحل الدولتين – ففي الاتفاقيات هناك لم يتم ذكر “دولة فلسطينية” بشكل واضح وصريح .
صراع “بين دول” :
من وجهة نظر أخلاقية وقانونية وباسم مبدأ حق تقرير المصير، يمكن تبرير دعم قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل (وليس مكانها، كما تريد حماس)، باعتباره أمراً مشروعًا وعادلًا. مع ذلك، أود أن أؤكد هنا على المنطق الأمني-السياسي للاعتراف الإسرائيلي المشروط بدولة فلسطينية مستقبلية، كما أود أن أشير بإيجاز إلى الشروط التي ينبغي على إسرائيل وضعها لتحقيق ذلك في إطار تسوية سياسية شاملة.
إن الاعتراف المشروط بدولة فلسطينية (المعترف بها حاليًا “على الورق” من قبل 147 دولة عضو في الأمم المتحدة) من شأنه أن ينقل عبء الإثبات إلى السلطة الفلسطينية ، على أساس أدائها على أرض الواقع، في عدد من المستويات والمجالات . يجب أن يحصل الفلسطينيون ليس فقط على جميع الحقوق، بل أيضًا أن يوافقوا على جميع التزامات الدولة ذات السيادة، على أساس مبدأ التبادلية ، ووفقًا لقواعد ميثاق الأمم المتحدة بشأن تحقيق سيادتهم .
هذا الاعتراف سيحول الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني إلى صراع “بين دولتين” حول قضايا دولية واضحة (مثل ترسيم الحدود المستقبلية والترتيبات الأمنية)، وربما يُسهّل مناقشة القضايا الأكثر صعوبة المتعلقة بالهوية ( القدس وقضية اللاجئين). كما سيُزيل هذا الاعتراف البُعد الديني-الأصولي للصراع، ويجعل المفاوضات أكثر عدالة وإنصافًا، على الأقل من الناحية الإجرائية.
إذا اعترفت إسرائيل بدولة فلسطينية، فلن يكون بمقدور هذه الدولة المطالبة بحق عودة عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى أراضي دولة إسرائيل، لأن هذا يتعارض مع الاعتراف المتبادل بين الدولتين كدولتين سياديتين وقابلتين للحياة . إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيلغي المطلب الفلسطيني الحالي لحق العودة إلى دولة إسرائيل، ومعارضة الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية (بالمفهوم القومي وليس الديني ) .
وحتى لو كان الأمر يتعلق بموضوع مفهوم من تلقاء ذاته فإن التجربة التاريخية تُظهر أن اتفاقيات السلام فقط هي التي تستطيع تحقيق الأمن . وقد ثبت ذلك من خلال صمود السلام بين إسرائيل ومصر منذ مارس/آذار 1979، وبين إسرائيل والأردن منذ أكتوبر/تشرين الأول 1994 . فالسلام مع الدولتين المتجاورتين عزز من وضع إسرائيل الاستراتيجي بشكل لا يُقاس .
إن الاعتراف بدولة فلسطينية سيمكن إسرائيل والولايات المتحدة من توسيع نطاق اتفاقيات إبراهام ، والوصول إلى علاقات دبلوماسية ، وسلام، وتطبيع مع المملكة العربية السعودية، وباقي دول جامعة الدول العربية ، ودول منظمة التعاون الإسلامي، مثل إندونيسيا . ولن يبق هناك للأطراف غير الدول ، مثل حزب الله وحماس، ولا للدول المعادية مثل إيران، مبررٌ لاتخاذ موقف عدائي وعنيف ضد إسرائيل.
مكاسب اقتصادية :
سيُمهّد الاعتراف بدولة فلسطينية الطريق لتحسين الوضع الاقتصادي لإسرائيل والأردن ومصر والسلطة الفلسطينية، ولن يقتصر ذلك فقط على دول الخليج الغنية.
الجهات الفاعلة والدول الوحيدة التي تعارض حاليًا فكرة “دولتين لشعبين” هي حماس وحزب الله وإيران وأيضاً الحكومة الإسرائيلية الحالية . تجدر الإشارة إلى أنه في الماضي القريب، أقرّ عدد من رؤساء الحكومة (بمن فيهم نتنياهو) بإمكانية قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلى جانب إسرائيل . يجب على دولة إسرائيل أن تُقرر إلى أي جانب من التاريخ تريد الانتماء ، طالما أن الغالبية العظمى من دول المجتمع الدولي تؤيد حالياً حل الدولتين.
إن الاعتراف بالسلطة الفلسطينية كدولة سيساهم ليس فقط في أمن إسرائيل، بل أيضًا في أمن السلطة وتقويتها، على حساب حماس والعناصر الأصولية. ففي دولة فلسطينية ذات سيادة، لا مكان للميليشيات المسلحة، بل للأحزاب السياسية فقط . والتطورات الأخيرة التي حدثت في لبنان وسوريا تعزز فهم أن الدول القادرة على السيطرة على أراضيها وممارسة سيادتها العملية تُسهم في أمنها وأمن جيرانها، على حساب الجهات الفاعلة غير الحكومية المتمردة التي تُهدد سيادتها وسلامتها الأقليمية .
صحيح أن عملية المصالحة قد تستغرق سنوات طويلة، بالنظر إلى عمق الكراهية والصدمة بين الشعبين في أعقاب الحرب الحالية. لكن اعتراف إسرائيل بدولة فلسطينية سيقضي إلى حد كبير على دوافع الإرهاب لدى الأجيال القادمة – على الأقل بالنسبة للقطاعات المعتدلة (من كلا الشعبين، وليس فقط الفلسطينيين) التي تؤمن بإمكانية التعايش السلمي.
سيكون هذا الاعتراف خطوة أولى في عملية حل النزاع بطرق سلمية ( بدلاً من إدارته) ، وسيُحوّله إلى نزاع على ترسيم الحدود، على غرار العديد من الحالات الأخرى في العالم، كما هو الحال في أمريكا اللاتينية (مع العديد من النزاعات الإقليمية وغياب الحروب).
المفتاح: المعاملة بالمثل :
الشروط التي يمكن لإسرائيل أن تطلبها من السلطة الفلسطينية لا تختلف في جوهرها عن الشروط التي طرحتها إسرائيل في عمليات التفاوض السابقة مع منظمة التحرير الفلسطينية: سيتعين على دولة فلسطين الاعتراف بإسرائيل كدولة للشعب اليهودي ، لن يكون بمقدور دولة فلسطين المطالبة بحق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى دولة إسرائيل إلا بموافقة متبادلة ستكون الدولة الفلسطينية منزوعة السلاح ولن تدخل في أي تحالفات عسكرية، أي أنها ستكون محايدة أيضًا؛ ستلتزم الدولة الفلسطينية بمنع الإرهاب والعنف ضد إسرائيل ، وسيكون لزاما على الأحزاب والمنظمات السياسية في الدولة الفلسطينية تبني الشروط الثلاثة القائمة في أساس العلاقات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية: الاعتراف بإسرائيل ، التخلي عن الإرهاب ، والاعتراف بالاتفاقيات القائمة .
ستقام دولة فلسطينية في غضون خمس سنوات من بدء المفاوضات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، السلطة الفلسطينية لتحديد الحدود وحل جميع القضايا المطروحة على جدول الأعمال .
خلال الفترة الانتقالية، ستخضع السلطة الفلسطينية لسلسلة من الإصلاحات بإشراف الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية. سيتم تنفيذ اجراءات لنزع التطرف في النظام التعليمي في السلطة الفلسطينية، وعلى أساس التبادلية ، أيضاً في دولة إسرائيل ، سعيًا لتحقيق المصالحة بين الشعبين . ستعزز إسرائيل والسلطة الفلسطينية من التعاون بينهما في مختلف المجالات، الاقتصادية والأمنية، بما في ذلك إمكانية إقامة كونفدرالية بعد قيام دولة فلسطين.
إذا لم تعترف دولة إسرائيل بدولة فلسطينية اليوم ولم تقم هذه الدولة، فستصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية ومنبوذة ، وأمام خيارين صعبين: إما دولة يهودية غير ديمقراطية (نظام فصل عنصري)، أو دولة ديمقراطية غير يهودية، مع نهاية المشروع الصهيوني المجيد. من مصلحة إسرائيل الوطنية والأمنية إقامة دولة فلسطين، وليس مجرد نزوة أخلاقية أو ” جميل” نقدمه لجيراننا الفلسطينيين .
على هذه الأرض، “بين البحر ونهر الأردن”، يقيم شعبانٌ ذوي مطالب مشروعة ومبررة . ووحده قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، في ظل شروط وضمانات معينة، سيمكن دولة إسرائيل من العيش بسلام وأمان . قد يبدو الأمر تبسيطا، لكن ليس للشعبين وطن أخر . وبما أنه من المستحيل أن يعيش الشعبان تحت سقف سياسي واحد، فإن قيام دولة فلسطين هو مصلحة أمنية ووجودية لدولة إسرائيل، إذا ما رغبت في البقاء والازدهار في المستقبل المنظور، كدولة يهودية وديمقراطية.
المصدر: هآرتس