ووهان، برغامو، ميلانو: تداعيات فكرية في زمن كورونا

 

رائف زريق- مجلة الدراسات الفلسطينية

حتى هذه اللحظة، لم تحصد كورونا من الأرواح ما يجعلها وباء فتاكاً بمستوى الطاعون أو الحمى الإسبانية أو الحروب الكبرى. وعلى الرغم من ذالك، فإنها قد تكون أكثر الأحداث عالمية ومشهدية في التاريخ البشري، نظراً إلى سرعة انتقالها من ناحية، ومواكبتها بالإعلام المصور والتقارير المفصلة في جميع أرجاء المعمورة من ناحية ثانية، كما أن الاحتياطات الكثيرة التي اتّخذتها مبكراً الدول والأجهزة الصحية أوجدت مسافة ما بين الخوف من المرض، والمرض بذاته، والموت من المرض. هذه المسافة أتاحت للبشر إمكان التأمل في معنى الكوارث، وفي علاقة البشر بالطبيعة، وفي سؤال الشر والعناية الإلهية، وسؤال علاقة الحياة والموت بالسياسة والأنظمة السياسية. وفي هذا السياق، فإن هذا النص هو محاولة لفهم بعض أوجه هذه الأسئلة الكبرى.

التفكير في الكارثة
بداية، حير سؤال الكارثة – وهو سؤال الشر – الفكر الديني، قبل أن يشغل الفكر الفلسفي لاحقاً. فمنذ طوفان نوح، حتى آخر الهزات الأرضية وأمواج التسونامي التي أزهقت آلاف الأرواح البريئة، بقي السؤال معلقاً: كيف ولماذا يسمح الرب بإزهاق هذه الأرواح؟ وكيف يسمح للشر بأن ينتصر وللمعاناة بأن تسود؟
انتبه الفكر الإنساني مبكراً جداً إلى أن وجود ثلاث مسائل لا يمكن أن يستقيم معاً في اللحظة نفسها، وهي: (1) وجود إله قادر على كل شيء؛ (2) وجود إله رحوم راغب في منع الشر ودرئه عن البشرية؛ (3) حقيقة وجود الشر والكارثة والمعاناة في العالم.
إن إمكان وجود هذه الثلاثية في الوقت نفسه ضرب من المستحيل على المستوى المنطقي. فإذا كان الرب قادراً وراغباً في درء الشر، فلماذا يوجد الشر في هذا العالم؟ قد تستقيم المقولة الأولى مع الثالثة (وجود إله قادر مع وجود حالة الشر)، لكن في هذه الحالة علينا أن نصل إلى نتيجة تقود إلى عدم تحقق المقولة رقم 2، وهي وجود الله بصفته راغباً في منع الشر، وهذه فرضية إشكالية وضرب من التجديف. وقد تستقيم المقولة 2 مع المقولة 3 (وجود رب راغب في منع الشر مع وجود الشر)، إلّا إن هذا يفترض عدم تحقق المقولة 1، أي أن الله غير قادر على منع الشر وهو نوع آخر من التجديف.
إذا كان الرب رحيماً وقادراً على كل شيء، يبقى وجود الشر معضلة غير قابلة للفهم والإدراك العقلي.

غير أن الطريقة التي أوجدها العقل الديني لتجاوز هذا المأزق المنطقي هي إمّا اعتبار الشر نوعاً من العقاب الرباني الناجم عن فكرة الخطيئة، وإمّا اعتبار الشر ضرورة لا بد منها من أجل خير أسمى وأعلى، وإمّا التنازل عن حل المعضلة حلاً يقبل به العقل، والاكتفاء بالإيمان كحل لهذه المعضلة، وهذا هو الحل الذي انتهى إليه دوستويفسكي في روايته “الإخوة كارامازوف”.
مع دخول عصر النهضة الأوروبي، استُبدلت الصيغة الثيولوجية لهذه الأسئلة بأُخرى فلسفية. غير أن الهزة الأرضية التي ضربت مدينة لشبونة البرتغالية في سنة 1755، وهدمت كنائسها وأوقعت عشرات آلاف القتلى، جددت النقاش بشأن طبيعة علاقة البشر بالطبيعة والكون. وقد ساهم في هذا النقاش معظم الفلاسفة في تلك الفترة، ومنهم فولتير وروسو وكانط الذين تناولوا معنى هذه الهزة والدمار الذي جلبته.
وفي حقيقة الأمر، استغل بومبال – حاكم لشبونة – الهزة والخراب المادي والمعنوي الذي خلفته كي يعيد بناء المدينة وترميمها بموجب رؤية وتصور جديدين، كما أتاحت له الفرصة للانتقام من بعض القيادات الفكرية الدينية، مثل الجماعات اليسوعية وقائدها غابرييل مالاغريدا. ولم يقبل بومبال بالتأويلات التي رأت في الهزة إنذاراً إلهياً سببه جنوح أهالي المدينة وابتعادهم عن الدين، فاستغل المناسبة من أجل إضعاف قوة الكنيسة والأرستقراطية المتحكمة في المدينة (بعكس الأثر الذي تركته الهزة الأرضية في ليما في البيرو، إذ زادت في قوة الكنيسة).
أمّا فلسفياً فشكلت الهزة مناسبة لأبرز مفكري العصر التنويري أمثال إيمانويل كانط للذهاب في عملية العلمنة إلى مراحل جديدة، وتأسيس نظرية تقوم على انفصال البشر عن الطبيعة. فبنو البشر بصفتهم المادية هم جزء من الطبيعة، لكن وجودهم الذهني والأخلاقي ليس امتداداً لها، بل إنه يتجاوزها ويقف منفصلاً عنها ومتوازياً معها.
لقد استوعب كانط بعمق عملية خروج الإنسان من الطبيعة وخروج الطبيعة من الإنسان، واعتبر أن أولئك الذين يسألون أنفسهم ويسألون الطبيعة عن السبب (والأصح: الغاية) في حدوث الهزة الأرضية، وما هو المغزى منها، وما هي الإشارة التي ترسلها إلينا الطبيعة حين تحدث مثل هذه الهزة الأرضية، فهم إنما يسألون السؤال الخطأ الذي يقوم على افتراض خطأ فحواه أن الطبيعة تتحدث معنا، أو أنها تخاطبنا، أو ترسل إلينا رسالة. والحقيقة – مثلما يعتقد كانط – هي أن الطبيعة لا ترسل إلينا أي رسالة، والاعتقاد أنها تخاطبنا هو اعتقاد ساذج ويفتقر إلى التواضع، لأنه يعتبر الإنسان كأنه مركز الكون، وأن الطبيعة توجه نفسها إليه وتخاطبه، فهذا كله هو بقايا فكر قديم يجب التخلص منه، كأن الطبيعة تعتني بنا بنوع يشبه العناية الإلهية. إن هذا التفكير الذي كان سائداً جداً أيام كانط، لا يزال شائعاً اليوم أيضاً، في أكثر من مناسبة. فمثلاً عندما يصاب إنسان خيّر بمرض عضال، نقول معلقين: “إنه لا يستحق ذلك”، وإذا وجد الشخص نفسه كنزاً في حديقة منزله فقد نقول: “إنه يستحق ذلك”؛ والعكس صحيح أيضاً، فإذا ما عرفنا شخصاً “شريراً” أصابه مرض ما فقد نقول إن “الطبيعة تقاضيه، وإنه يستحق ذلك.”
يتفهم كانط هذه الرغبة الكامنة لدى بني البشر، في أن يعتبروا الأحداث الجارية في عالم الطبيعة كأنها نوع من الثواب والعقاب، أو كأنها تحدث ضمن مشيئة، أو أن لها هدفاً هو إنصاف بني البشر، فتعاقبهم تارة وتكافئهم تارة أُخرى.
لا عقاب ولا ثواب، فالطبيعة عمياء في تعاملها معنا، وهناك أسباب ميكانيكية أو بيولوجية لوقوع الأحداث، أي لا وجود لمسببات، وعلاقات سببية مادية لحدوث الأشياء، فالطبيعة لا تملك أي غاية أو هدف كي تلقن الإنسان درساً، أو تسعى لإقامة العدالة أو تبشر بالأخلاق. إن عالم الطبيعة شيء والعالم البشري شيء آخر، فالعالم الطبيعي هو عالم الضرورة المادية العمياء التي تسير بحسب قوانين خاصة بها، ولا تعرف العدالة، أمّا العالم الإنساني فهو عالم الحرية الذي يعرف الأخلاق والعدالة والواجبات، وليس فيه أي شيء طبيعي لأنه من صنع العقل الإنساني. والأخلاق تفترض الحرية ولذلك فهي في حالة جفاء مع الضرورة المادية للطبيعة، والطبيعة تحتكم إلى الضرورة المادية ولا تعترف بالأخلاق والعدالة. إن العالم منقسم إلى ما هو كائن كحقيقة مادية وضرورة سببية – الطبيعة – وإلى ما يجب أن يكون، أي الأخلاق والعدالة، بين ضرورة مادية تحكمها القوانين الصارمة للطبيعة، وبين الواجبات الأخلاقية القائمة على الحرية. صحيح أن الإنسان ليس مركز الطبيعة، إلّا إنه مركز الأخلاق، فهو عبد في مملكة الطبيعة وملك في مملكة الأخلاق، لأن جوهر الأخلاق هو الحرية، والإنسان كائن حر.
يتركنا كانط إذاً، أمام عالم طبيعي غريب عنا، يعمل بموجب قوانينه الصارمة، ولا يأبه بنا. وعندما تضربنا المصائب الطبيعية فليس هناك من سبب لاعتبار ذلك نوعاً من العقاب أو الثواب، فالأشياء تحدث في الطبيعة لضرورات الطبيعة وليس لواجبات أخلاقية، غير أن هذه الضرورات الطبيعية المادية هي ضرورات عمياء، وبالتالي لا تتلاءم مع أي نوع من التوقّع الذي يفترض التقاء الطبيعة مع البشر في حوار من أي نوع كان. يدعونا كانط إلى تحمّل عبء المصادفة، والقبول بأن ما حدث هو مجرد مصادفة لها سبب، لكن ليس لها غاية. وبناء على ذلك، فإنه يدعونا إلى التمعن في جراحنا الوجودية المفتوحة، غير القابلة للتضميد، في عالم هجره الله، وطبيعة هجرها السحر.
التقى فولتير مع كانط في كثير من هذه النقاط، لكن روسو في رسالته الشهيرة إلى فولتير كان يميل إلى نوع من الفكر المحافظ الذي يحاول الدفاع عن فكرة العناية الطبيعية، إلّا إن أهم ما جاء في رسالة روسو إلى فولتير، وهو الأمر الذي لا يزال حاضراً حتى اليوم، ليس محاولته الدفاع عمّا تبقّى من فكر العناية الإلهية أو الطبيعية، وإنما استحالة الفصل التام بين الطبيعة والبشر، أو بين فعل الطبيعة وبين فعل البشر. وإذا شئنا أن نطور مقولة روسو لقلنا إنه لا توجد تماماً أحداث طبيعية صرفة، فكل حدث طبيعي هو حدث اجتماعي سياسي، ليس بمعنى أن له أبعاداً سياسية واجتماعية واقتصادية، بل لأن تشكل الحدث هو عبارة عن لحظة التقاء عوامل الطبيعة بعوامل بشرية تقع ضمن مسؤولية البشر والمجتمع والدولة. فلنضرب مثلاً التسونامي التي ضربت نيو أورلينز في الولايات المتحدة قبل 15 عاماً: إن مجرد هبوب الريح وارتفاع مستوى سطح المياه، هو أحداث طبيعية، إلّا إن نتائجها على حياة البشر وأملاكهم ليست أمراً طبيعياً، إذ كان من الممكن إعطاء إنذار مسبق، وإجلاء الناس في مراحل مبكرة، وكان من الممكن أيضاً تزويدهم بقوارب إنقاذ مطاطية وإقامة مراكز وطواقم إنقاذ مدربة، إلخ. هذه الأمور كلها ليست من صنع الطبيعة، وإنما من صنع البشر والمجتمع والدولة. فعند الحديث عن الكوارث الطبيعية مثل كورونا، علينا أن ننتبه إلى أن الفيروس قد يكون حادثاً طبيعياً في عالم الطبيعة إلّا إن نتائجه وطرق التعامل معه تتعلق بالتركيبة الاجتماعية والسياسية. وعليه، فإن النتائج في نهاية الأمر – أو جزء منها – تقع ضمن مسؤولية البشر كبشر، حتى إن كان الحدث في بدايته يبدو كأنه قادم من عالم الطبيعة.

الفكر الكارثي
ينطلق الفكر السياسي الكارثي من الكارثة باعتبارها الأساس والمنطلق والمنطق الناظم للفكر السياسي برمّته، وأن الهدف من العقد الاجتماعي والمؤسسات والدولة هو تحاشي الكارثة ومنع وقوعها، وبالتالي فهو نوع من الفكر الوقائي. لقد كان هوبس أول مَن أسس لهذا النوع من الفهم السياسي لطبيعة الدولة الحديثة.
ففي الحالة الطبيعية – خارج الدولة – كانت حياة البشر عبارة عن جحيم مستمر لأنه لا أمان ولا استقرار فيها، لا أخلاق ولا قواعد ترشد البشر إلى كيفية التصرف، بل إن الكل يسعى وراء غرائزه ومصالحه وشهواته من دون أي ضابط. وفي هذه الحالة يدخل الجميع في صراع مستمر مع الجميع، وتسود حالة مطلقة من انعدام الأمن: العقود لا تُحترم، ولا معنى لحق الملكية، وحياة البشر مباحة تماماً، إنه جحيم حقيقي.
لا يستطيع الأفراد في حالة كهذه الاتفاق على أي شيء، ولا وجود لأي قيمة أو منظومة معيارية. وبدلاً من أن يتوافقوا فيما بينهم على القوانين والأخلاق والشرائع فإنهم يقيمون عليهم ويوكلون أمورهم كلها إلى – الحوت الأكبر – صاحب السيادة المطلق، ويتنازلون عن حريتهم، فينوب عنهم ويقرر في شؤونهم جميعاً. إن التنازل عن الحرية ضروري لحفظ الأمن والحياة، فالفرد يتنازل عن حريته ليحظى بالأمان على حياته، وكل ما يحصل عليه من حقوق أُخرى تكون ممنوحة من طرف صاحب السيادة المطلق الذي يقرر في شأنها ويرسم حدودها ويمنحها ويحجبها بأمر منه. لكن مع هوبس، تحول جوهر الفكر السياسي في فهم كيفية الانتقال من الحالة الطبيعية إلى الحالة المدنية والمجتمع المدني، وليس الانتقال من حالة الخطيئة إلى حالة الخلاص (مثلما ساد في الفكر السياسي الديني في القرون الوسطى).
إن أهم ما يميز الفكر الكارثي هو تواضعه النسبي، فالوقود الحسي الذي يغذي الفكر الكارثي هو ضرورة تحاشي الكارثة والخوف منها، وبهذا المعنى فإنه لا يتوقع كثيراً من الدولة وأجهزة الدولة، مع أن الحوت الأكبر – صاحب السيادة – هو صاحب السيادة المطلق ويجمع لديه جميع الصلاحيات المطلقة، الأمر الذي يوحي بدولة ديكتاتورية في كل شيء. إلّا إنه من الناحية الأُخرى فإن الدور المناط والمتوقع من هذا الحوت الأكبر هو فقط الحد الأدنى من الحماية وحفظ الأرواح وتحرير المواطن من هاجس الخوف المحدق به. أمّا الدولة التي ينظّر لها هوبس فدولة واسعة الصلاحيات من ناحية، لكن مهماتها من ناحية ثانية، محدودة جداً، كما أن المتوقع منها محدود أصلاً، وليس لديها أي أجندة أو رغبة في تحقيق الفضيلة أو تثقيف المواطن أو تحقيق رفاهيته أو سعادته، ولا ترى أن من الواجب عليها أن تحقق أي شيء من ذلك. الدولة الهوبسية واسعة الصلاحيات وضيقة المهمات في الوقت نفسه، وبالتالي فهي قد تكون مزيجاً من الديكتاتورية والفوضوية. إن هذا المنطق المحافظ هو، إلى حد كبير، المنطق الذي يفسر تطور الفكر الليبرالي في العصر الحديث، وبموجب هذا المنطق فإن ما يفسر الفكر الليبرالي وصعوده ليس كتابات مفكرين مثل جون لوك وستيوارت ميل، بقدر ما هو الرغبة في الحياة وفي تجاوز الحروب الدينية التي حرقت أوروبا على مدار مئات الأعوام وانتهت بصلح وستفاليا في سنة 1648.
إن جوهر الليبرالية، بهذا المعنى، هو تعبير عن المنطق القائل إن من الأفضل أن نحيا ونعيش مختلفين عقائدياً وفكرياً كل بحسب دينه وفكره وعقيدته، بدلاً من أن نستمر في حرب لا نهاية لها تأكل الأخضر واليابس ولا تُبقي على شيء. وكثيرون من المفكرين السياسيين في القرن العشرين – وعلى رأسهم جوديث شكلار وروبرت نوزيك، وإيزايا برلين – يفهمون الفكر الليبرالي وحتى منظومة حقوق الإنسان باعتبارهما “ليبرالية الخوف”، أي تلك الليبرالية القائمة على تجاوز وتخطي المصائب والكوارث والحروب التي قد تحل بالبشرية، والركون إلى منظومة تضمن الحد الأدنى من الحياة وظروف الحياة الأساسيين. وبهذا المعنى فإنها نظرية متواضعة وغير طموحة، لكنها واقعية وقابلة للتحقيق.
ومن أجل توضيح معنى هذا الفكر الكارثي وجوهره، من المفيد مقارنته بمدرسة فكرية أُخرى تبدأ من جمهورية أفلاطون وتنتهي بشيوعية كارل ماركس. وإذا كان الخوف من الكارثة هو المنطق الناظم للفكر الهوبسي وما جاء بعده، فإن الأمل بالحياة الوافرة والسعيدة هو ما يقف وراء هذا الفكر الذي نستطيع أن نصفه بالفكر اليوتوبي (سيحتجّ ماركس طبعاً على هذه التسمية!). والفكر اليوتوبي هو فكر طموح بطبيعته، ويعتقد أن دور السياسة ودور الدولة لا ينحصران في إخراجنا من الحالة الطبيعية – حالة الحرب المستمرة – بل يتعديان ذلك أيضاً ليحققا لنا الحياة الكريمة والرغيدة. وإذا كان هوبس يعتقد أن إقامة الدولة تحررنا من حالة الحرب والصراع المستمرين، فإن ماركس يلفت نظرنا إلى أن الحرب والصراع لم ينتهيا قط، وإنما انتقلت حالة الحرب من عالم السياسة إلى عالم السوق والاقتصاد، وعلى المجتمع أن ينقذ أفراده من حالة الحرب المستمرة في عالم السوق، والتي تحصد يومياً ملايين الضحايا من الجوع والفقر.
إلى جانب الخوف من الدولة الهوبسية التي قد تنتهي إلى دولة نيوليبرالية لا تكترث لآلام مواطنيها، مثلما هي الحال في أميركا اليوم، هناك تخوف من نوع آخر هو التخوف من الدولة الطموحة التي تسعى لرعاية مواطنيها وحمايتهم وتوفير الغذاء والصحة والتعليم لأفرادها، لأنه في كثير من الأحيان فإن الدولة التي تحمي هي الدولة التي تتدخل أيضاً، لأن مَن يتوقع من الدولة أن تتصرف كالعائلة الموسعة من حيث الحماية، عليه أن يتوقع أيضاً أن تتدخل كالعائلة في شؤونه الحياتية، وبالتالي فإن سؤال كيفية توفير الحرية وتوفير الحماية في الوقت نفسه هو التحدي الأعظم الذي يواجه كل فكر يساري متنور ومتحرر. ولا توجد أجوبة واضحة للتوازن المطلوب بين الاثنين، ولهذا ليس مفاجئاً كيف انتهى بعض اليساريين ليصبحوا من أنصار النيوليبرالية.
قد تمثل الصين من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أُخرى حالتين حادتين بكل ما يتعلق بالتعامل مع كورونا: الصين مثال لدولة تحمي وتتدخل في حياة الأفراد، وأميركا لا تحمي ولا تتدخل. ولا شك في أن أحد النقاشات التي بلغت حدة واضحة في عصر كورونا – وإن لم تبدأ مع كورونا – هو النقاش بشأن معنى اليسار واليمين والفوارق بينهما، أي ما هو الفرق بين اليمين واليسار عندما يجري التعامل مع أزمة كورونا؟ لقد طالب اليسار بدولة تمنح كثيراً من الحريات السياسية والمدنية للأفراد – أي أنه نادى بدولة نحيفة عندما يدور الحديث عن السياسة، وطالب بدولة كثيفة وحاضرة عندما يدور الحديث عن الخدمات الاجتماعية والصحية والمادية، وسؤال الجمع بين الدولة النحيفة والكثيفة في الوقت نفسه هو سؤال زادت راهنيته في عصر كورونا، وطفا على السطح بأسئلة كثيراً ما شغلت الفكر السياسي منذ قرون.

الخوف من الموت والخوف من الحياة
ليس بعيداً ذلك اليوم الذي سنشتاق فيه جميعاً إلى أيام كورونا، مثلما نشتاق إلى البرابرة في قصيدة كفافيس. كان كفافيس قد أنهى قصيدته “في انتظار البرابرة” بالجملة التالية “والآن؟ ومن دون البرابرة، ما الذي سيحدث لنا؟ هؤلاء البرابرة كانوا حلاً من الحلول.”
كذلك هي كورونا، كانت لنا حلاً من الحلول. صحيح أن البرابرة كانوا وهماً، لكن كورونا حقيقة، والبرابرة لم يقتلوا في حين قتلت كورونا، لكن كلاهما يقوم بدور مشابه من عدة أوجه، وأهمها استحضار الخوف الذي يرجىء الحواس والمشاعر الباقية كلها: الطموح، والحب، والجوع، والنعاس. الخوف يؤجل كل شيء لأنه مسؤول عن غريزة الحياة والحفاظ عليها، لكن هناك شيئاً مريحاً جداً في هذا التأجيل لبقية الهموم والمشاغل الأُخرى: المقالة التي يجب أن تُنجز، والشغل الذي يجب إنهاؤه، والوعد الذي وعدناه وعلينا أن نفي به، وحتى التظاهرة السياسية الواجب إقامتها. هناك تحرر من كثير من الالتزامات من دون صراع مع الضمير، لا بل أكثر من ذلك، فكورونا تحررنا حتى من غضبنا وأحقادنا، وفوق هذا من مشكلات صحية أُخرى نواجهها لكنها ليست ملحة أو طارئة، كارتفاع الوزن أو منسوب الكوليسترول أو الوجع في الركبتين. هناك شيء ما مريح ومغرٍ في هذا الانغماس في الحياة النيئة؛ في الحياة بصفتها ظاهرة بيولوجية أولاً وقبل أي شيء، فهذا الانشغال المستحكم بعدم الإصابة بالمرض يُشعرنا كل يوم نعيشه من دون الإصابة به، بأننا حققنا نصراً صغيراً على الموت، لكنه ذو قيمة ويستحق الاحتفاء من أجله بالحياة. ما أجمل الحياة.

أعتقد أن من المهم الإبقاء على هذه الحكمة المتواضعة، إلّا إنها كسائر الحكم الأُخرى تبقى دائماً جزئية وموقتة وتصف جزءاً واحداً من الحياة، وترينا وجهاً واحداً من أوجهها فقط لا غير. الحياة حياة قبل أن تكون حكمة، وللإحاطة بها يجب أن نعيشها لا أن نختزلها إلى حكم، أو مثلما قال الشاعر: “الخلاصة، مثل الرصاصة في قلب شاعرها، حكمة قاتلة.”
إلّا إن الإيغال في منطق الانتصار الصغير على الحياة ربما يكون مدخلاً إلى هزيمة الحياة نفسها، لأنه يغرينا بالتعامل مع الحياة باعتبارها منطقة خطرة حيث يصبح الخوف من الموت هو بحد ذاته الخوف من الحياة نفسها، كما أن الخوف من الخطأ قد يصبح هو الخوف من الحقيقة والمعرفة. الحياة لا تأتي إلينا بكلّيتها، وإنما علينا أن نذهب إليها لنقرع أبوابها أيضاً، فالحياة الآمنة تماماً وأبداً ليست حياة، لأن جوهر الحياة ليس البيولوجيا، وإنما هي التي تقف فوق البيولوجيا، وقد فهمت العرب هذا القلق إزاء نوائب الدهر عندما قالت: “ليت الفتى حجر”. إن الأمان المطلق يأتي فقط إذا تحول الفتى إلى حجر، أي إذا توقف عن أن يكون إنساناً، أي أنه يتحقق فقط مع الموت. الحياة هي منطقة خطرة فعلاً، لكن الأمر كذلك لأنها الحياة.
إن الحياة البيولوجية النيئة هي شرط الحياة طبعاً ومن حقنا الدفاع عنها وواجبنا الحفاظ عليها، لكننا حين نحتفي بالحياة فإننا لا نحتفي ببيولوجيتها، بل بالتسامي على هذه البيولوجية في حالات الصداقة والحب والنضال والمقاومة والمخاطرة.
وفي نهاية المطاف، فإن جوهر الحياة ليس البيولوجيا، وإنما الحرية، ومفتاح الحرية هو الشجاعة لأنها تجعلنا ننغمس في الحياة وتجعلها تمطر علينا. وتمتلىء الحياة بقدر ما نضع فيها من قيم، لكن هذه القيم مرهونة دائماً بالمخاطرة لأنها لا تضع حسابات الذات ومصالحها على أنها الموضوع الوحيد، فالطموح والحب والكرم والنضال السياسي كلها ضرب من المخاطرة، أحياناً بمصالحنا الذاتية، وأحياناً بحريتنا، وأحياناً أُخرى بحياتنا. إن هذه المخاطر هي التي تملأ الحياة نفسها بالمعنى والمغزى وتجعلها تستحق أن تعاش.
هذه طبعاً ليست دعوة إلى أن يهمل الناس صحتهم، أو أن يخرجوا إلى العالم غير آبهين بصحة الآخرين، أو عدم اتخاذ الحيطة في أيام كورونا، وإنما الهدف من ذلك كله هو أنه لا يمكننا تعميم فلسفة كورونا وفلسفة الخوف باعتبارهما فلسفة عامة للحياة في مجملها، ولا تحويل فلسفة الاستثناء إلى فلسفة القاعدة، ولا جَعْل فلسفة البقاء فلسفة لمجمل الحياة. الخوف ضروري كي يحافظ المرء على حياته، لكن حياة ملؤها الخوف هي حياة ناقصة حتماً وباهتة جداً.

رائف زريق: كاتب وأكاديمي فلسطيني.
المصدر: مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 123 صيف 2020

Author: فريق التحرير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *