ولو بعد 40 عامًا


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

1) فتاة أميركية، رشيقة وأنيقة وعفوية، في العشرين من عمرها، وفي السنة الأخيرة لدراسة اللغويات. التقيتها أول مرة في إحدى ساحات حرم جامعة ويسكونسن في مدينة ماديسون الجميلة، في بداية دراستي للفلسفة هناك. كان ذلك في فصل الشتاء لعام 1977، فصل شتاء لم يعرف سوا الثلج والبرد الذي يخترق الجلد ليطال العظام. والتقينا مرات عديدة بعد ذلك، وتجاذبنا أطراف أحاديث كثيرة. وشكوت لها من وجع غربتي عن بلادي وخطيبتي والأهل والأصدقاء. وشكت لي بدورها من وجع بعدها عن حبيب لها يسكن في المكسيك. في صيف ذلك العام تزوجت أنا، وتخرجت هي، وطارت للتو إلى أحضان الحبيب، وانقطع الإتصال بيننا. وفي خريف عام 2016 جمعنا الفيسبوك مرة أخرى، فتبادلنا الأخبار حول مآلات أحوال كل منا. فعرفت بأني ترملت ولي بنتان، وعرفت أنها تطلقت بعد أن أنجبت ولدين، وعادت بعد ذلك إلى بلادها، وتزوجت لاحقًا من رجل أميركي طيب (كما قالت). وفي صيف عام 2017، وبعد 40 عامًا بالتمام والكمال على افتراقنا، تصادف وجودنا في بلدتين مجاورتين قرب مدينة سان فرانسيسكو، أنا لزيارة ابنتي، وهي لزيارة ابنها، فتهاتفنا والتقينا، وكان عناق. وأدركنا وقتها كم تغيرت ملامحنا وكم عبث الزمن بكل منا بعد هذه الفترة الطويلة. وتزامن يوم اللقاء مع يوم ميلادها الـ60، فاحتفلنا، وكان بريق الفرح والأمل في العيون فاضحًا، وبشهادة المرافقين من الطرفين.

2) في كتابه الصادر عام 1998 بعنوان “ثورة الحقوق” (The Rights Revolution)، يروي المؤلف صموئيل ووكر (Samuel Walker) قصة خيالية لشاب أميركي أبيض ومدلل ويتعاطى المشروبات الروحية بكثرة. والقصة باختصار تقول التالي: ذات صباح، غادر ذلك الشاب المدينة التي يسكنها (في إحدى الولايات الجنوبية لأميركا الشمالية) قاصدًا سفح جبل ينحدر نحو الوادي في منطقة غير بعيدة. وفي مساء ذات اليوم، وبعد أن أنهكه التجوال، جلس على حافة الوادي، أكل وشرب وغط في نوم عميق. واستمر هذا السبات لمدة 40 عامًا بالتمام والكمال. وحين أفاق من نومه، نظر حوله فرأى الأضواء تتراقص على قمم بنايات عالية. سار باتجاه تلك الأضواء إلى أن دلته إشارات المرور أنه على مدخل المدينة، مدينته، فاستغرب كثيرًا. وحين تقدم باتجاه مركز المدينة أذهله ما رأى: عمارات شاهقة تتساقط منها الأضواء، على جانبي شوارع عريضة تتوسطها سكك حديدية تسير عليها قطارات سريعة، يختلط داخل حافلاتها البيض من الركاب مع السود. وحين حطت قدماه في ميدان مركز المدينة زادت دهشته وزاد ذهوله: رأى رجالًا سود يخاصرون نساء بيض، ورجالًا بيض يعانقون نساء سود، ورجالًا ونساء سود يحملون حقائب “رجال الأعمال”. وهنا يعلق المؤلف على المشاهد الغريبة التي رآها ذلك الشاب الذي غرق في السبات 40 عامًا بالقول: ما حدث خلال هذه الفترة المثيرة، إضافة إلى ثورة المواصلات والإتصالات والبنيان، هو أساسًا “ثورة الحقوق”، حقوق السود وحقوق النساء وغيرهم، ثورة أذهلت بعض تجلياتها ذلك الشاب الأميركي الأبيض والمدلل.

3) وبعد 40 عامًا بالتمام والكمال خرج كل من كريم يونس وماهر يونس من غياهب السجون الإسرائيلية إلى فضاء الحرية. دخل كل منهما عتمة السجن وهو في الخامسة والعشرين أو دون ذلك، وحطت قدماه على رصيف الشارع خارج جدرانه وهو في الخامسة والستين أو قرب ذلك. لقد تغيرت أحوال البلاد والعباد كثيرًا خلال تلك الفترة الطويلة: الشوارع والبنايات والحافلات والمناظر تغيرت. وبلدتا عارة وعرعرة بدورهما تغيرتا وصارتا أضعاف ما كانتا عليه، سكانًا وبيوتًا ومدارس ومساجد ومقابر. ومن الأهل والجيران والأصدقاء من رحل ومنهم من ينتظر، ومن كان طفلًا في العاشرة من العمر صار رجلًا أو أمرأة في الخمسين، وهكذا. نعرف عن السجون والسجناء الكثير، ولكن ما نجهله عنها وعنهم أكثر. ويعرف السجناء عنا وعن همومنا خارج جدران السجون الكثير، لكن ما يجهلونه عنا وعنها أكثر. وما نجهله عنهم وما يجهلونه عنا ذو علاقة حميمة بما يدور في النفوس والأذهان من أفكار ومشاعر ورغبات وتوقعات وهموم وأحلام، واقتران كل ذلك بالحرية، توفرها أو نقصها أو الحرمان منها. وهل يستطيع الواحد منا أن يتخيل ما الذي كان يدور في ذهن كل من كريم وماهر وهو يرى قدميه تحطان على الرصيف خارج جدران وأسلاك السجن لأول مرة بعد 40 عامًا؟! وهل يستطيع الواحد منا أن يتخيل ما الذي يعنيه لقاء وعناق الأحبة خارج تلك الجدران والأسلاك لأول مرة بعد 40 عامًا؟! لا يدرك قيمة وأهمية الحرية أكثر من الذي نقصته أو حرم منها لفترة طويلة، فما بالك إذا كان طولها 40 عامًا؟! فهنيئًا لكما الحرية يا كريم ويا ماهر.

4) وللإجمال: بعد 40 عامًا التقينا في آخر الدنيا، صديقتي الأميركية وأنا. وأدركنا للتو كم غير عبث الزمن من ملامحنا وحركاتنا ونظراتنا والكلام. ظلت صديقتي أنيقة كما كانت، ولكنها لم تعد رشيقة أو عفوية كما كانت. وكنا فخورين بما أنجب وأنجز كل منا. وبعد 40 عامًا من السبات العميق، أدرك ذلك الشاب الأميركي الأبيض والمدلل، حسب ما جاء في الكتاب المذكور أعلاه، كيف تغيرت الدنيا من حوله بسبب ثورة البنيان وثورة الحقوق، حقوق السود وحقوق النساء أساسًا. وبعد 40 عامًا تنفس كل من كريم يونس وماهر يونس نسائم الحرية خارج جدران السجن وأسلاكه الشائكة، وأدركا كيف تغيرت أحوال البلاد والعباد من حولهما. وفي زمن قديم، اهتدى بنو إسرائيل إلى الطريق بعد تيه في الصحراء دام 40 عامًا (كما جاء في أحد أسفار التوراة). وختامًا، ومن باب تربية الأمل، واستخلاص بعض العبر من هذه الحالات، أقول: نحن الفلسطينيون، وإن كنا قد حدنا عن الطريق أو أنهكنا طول المسير أو خذلنا الدليل، فسوف نعرف يومًا كيف نصل إلى بر الأمان، بر الحرية والكرامة الوطنية واستعادة الحقوق، ولو بعد 40 عامًا.

(المقال مستوحى من مناسبة خروج كل من كريم يونس وماهر يونس إلى فضاء الحرية بعد 40 عامًا من الأسر)

عن عرب48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سعيد زيداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *