وقف الحرب مصلحة وطنية عليا

لليوم الخامس والعشرين على التوالي تستمر الحرب الأكثر وحشية وضراوة ضد 2.3 مليون فلسطيني يعيشون في معسكر اعتقال كبير ومحاصر جواً وبحراً وبراً هو قطاع غزة.
يمر الوقت ولا تزال أهداف الحرب ملتبسة، ما يعزز الاعتقاد بأن الحرب طويلة.
يتكرر رفع شعار عن حق إسرائيل في الدفاع عن مواطنيها والبعض يتبنى الرواية الإسرائيلية فيرى أن إسرائيل تتعرض إلى تهديد أمني وجودي، ومن «حقها» إزالة الخطر الجاثم خلف حديقة البيت.
وإذا كان من المتعذر نفي وجود خطر أمني محدود، فإنه لا يرقى إلى خطر وجودي يهدد الدولة الإقليمية النووية العظمى.
الخطر الوجودي ما هو إلا ذريعة لامتلاك القوة الفائقة، والحفاظ على تفوق دائم وهيمنة دائمة على المنطقة، والتزمت في فرض الحلول السياسية مع الجوار.
عندما تقول المؤسسة الأمنية والسياسية الإسرائيلية إنها ستزيل الخطر الوجودي، معنى ذلك أنها ستدمر قطاع غزة أو معظمه وتحوله إلى خرابة، وستقضي في الوقت نفسه على  المقاومة وتنظيماتها، وتضع ما تبقى من سكان القطاع على قيد الحياة أمام مصير مجهول لا يستبعد فيه التهجير.
إن اعتماد الحل العسكري الوحشي التدميري أسلوباً وحيداً لإزالة التهديد دون حل سياسي للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني المزمن، لا يمكن له أن يزيل التهديد.
وحتى لو أزيل التهديد فإنه سرعان ما يتجدد طالما بقي الصراع المزمن دون حل.
فالقضية الفلسطينية كما يقول دومنيك دي فيلبان رئيس وزراء فرنسا السابق تظل أم جميع المعارك، ويهدد عدم حلها كل التقدم المحرز لتحقيق الاستقرار في المنطقة، ويضيف: لم تنس الشعوب أبداً أن القضية الفلسطينية والظلم الذي تعرض له الشعب الفلسطيني كان مصدراً مهماً للتعبئة وسط 2 مليار مسلم.
بوجود خطر وبعدم وجوده فإن المؤسسة الإسرائيلية تعتبر أن الصراع مع الشعب الفلسطيني لا يوجد له حل، إلا حل الإخضاع والتجاهل والتهميش الذي يعني تثبيت الاحتلال وشطب الحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة المعرفة في القانون الدولي، ويعني أيضاً تأجيج الصراع.  
كانت مصر تشكل تهديداً أمنياً لإسرائيل وبالعكس، وقد أزيل التهديد المتبادل بالاتفاق والحل السياسي بين الدولتين، بعد أن فشلتا في إزالته بالقوة أثناء حرب أكتوبر / تشرين الأول العام 1973، كانت بداية الحل إنهاء الاحتلال لصحراء سيناء وسحب المستوطنين، وبزوال الاحتلال زال التهديد.
صراع إسرائيل مع الشعب الفلسطيني يُحل سياسياً أيضاً بإنهاء الاحتلال وتراجع الاستيطان وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره دون وصاية من أحد.
الاحتلال هو تهديد دائم لملايين الفلسطينيين ويجب إزالته ووضع نهاية له فضلاً عن حل قضية اللاجئين، وعندئذ يزول المفجر الفلسطيني للصراع في طول المنطقة وعرضها.
يحلو لإدارة بايدن ولحكومات بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وكندا تقديم خطر «الإرهاب» باعتباره خطراً داهماً ووحيداً في المنطقة.
الإرهاب يحتاج هنا إلى تعريف قانوني وهو استهداف المدنيين مع سبق الإصرار والترصد، وما عدا ذلك فإن الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال من حقه الدفاع عن نفسه والتحرر من الاحتلال بكل الأشكال المشروعة.
تناسى الزعماء الذين تقاطروا على إسرائيل للتضامن معها ضد الإرهاب أن الاحتلال هو أبشع أنواع الإرهاب.
تجاهلوا أن الاحتلال والسيطرة على شعب بالقوة، يعيد إنتاج العنف بما في ذلك الإرهاب. كان للتغاضي الأميركي الأوروبي عن الاحتلال والتواطؤ مع فكرة اليمين القومي والديني الإسرائيلي القائلة إنه لا يوجد حل للصراع، دور كبير في تحطيم فكرة الحل السياسي الذي ينهي الاحتلال، وفي دفع الشعب الفلسطيني إلى نزع الثقة من عملية سياسية مخادعة والذهاب في استقطابات أخرى.   
إسرائيل في هذه المعركة لا تدافع عن الحضارة ضد الهمجية كما يقول مؤيدوها، إسرائيل كما تقول أفعالها على أرض قطاع غزة تقدم أبشع أشكال الهمجية.
تستطيع إسرائيل بقدراتها العسكرية الفائقة والمدعومة بالترسانة العسكرية الأميركية والغربية، تدمير قطاع غزة منزلاً منزلاً بما في ذلك المستشفيات والمدارس ودور العبادة، وإحلال كارثة بـ 2.3 مليون فلسطيني، تستطيع الأسلحة الإسرائيلية الحديثة قتل عشرات الآلاف وإصابة مئات الآلاف، وتستطيع الاستمرار في منع الكهرباء والوقود والماء والأدوية والطعام كأبشع أنواع العقاب الجماعي، لكنها لا تستطيع إخضاع  14 مليون فلسطيني منتشرين في العالم ويحظون بدعم ومساندة معظم شعوب العالم.  
مقابل ذلك، فإن التفاعل الفلسطيني مع الحرب ومعطياتها وآفاقها شديد الأهمية. وبخاصة إذا كان يستجيب للمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني. وفي مقدمة ذلك وقف الحرب وقطع الطريق على استكمال التدمير المنهجي لقطاع غزة، ومنع التهجير خارج الأرض الفلسطينية وداخلها.
إن التدخل السياسي في لحظة يغلب عليها الحسم العسكري مسألة في غاية الأهمية.
لا بديل عن بعد سياسي يعيد طرح معضلة الاحتلال على الأجندات العربية والدولية.
ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني الذهاب في الخيار العسكري إلى نهاياته في ظل أقصى استنفار لغطرسة القوة.
لا بد من توحيد الصف الفلسطيني على قاعدة إنهاء الاحتلال. وعلى قاعدة الشرعية الدولية وتقرير المصير والقرارات ذات الصلة.
ما يهم الآن تجاوز وصمة الإرهاب، التي يتم استخدامها لتصفية حركة حماس والجهاد وسائر تنظيمات المقاومة ودمج، التحرر الوطني بالإرهاب وتشويه القضية الفلسطينية، وذلك باعتماد اتفاقات جنيف وبروتوكولاتها وشرعة حقوق الإنسان وكل ما له صلة بنظم زمن الحرب، هذا الالتزام يقود إلى الاعتراف بالأخطاء والتجاوزات الفلسطينية للقانون الدولي لجهة استهداف مدنيين إسرائيليين. والتعهد بمعالجتها بما في ذلك محاسبة المسؤولين عنها.  يستطيع الشعب الفلسطيني أن يكون موحداً وفاعلاً ببرنامج وطني وأهداف سياسية قابلة للتحقيق تحظى بدعم وتأييد عربي وعالمي أكثري.
لقد ثبت بالتجربة صعوبة الجمع بين قوى فلسطينية ترفض الشرعية الدولية وقوى تقبل بها والانتماء لمشروع سياسي وطني قابل للتحقيق في الوقت نفسه.
إذا توحدنا وطنياً وسياسياً على قاعدة الشرعية الدولية سنكون أقرب إلى تحررنا رغم مرارة التجربة السابقة التي تحولت فيها الشرعية الدولية إلى ملهاة دولية.
وإذا توحدنا على رفض الشرعية سنُدمج بالإرهاب ونعطي مبررات إضافية لتصفية قضيتنا الوطنية.
الآن وأكثر من أي وقت مضى ليس من مصلحة الشعب الفلسطيني انقسام حركته السياسية واستفراد دولة الاحتلال ومن معها بحركة حماس وحركات المقاومة.
الاصطفاف الدولي الراهن شديد الخطورة والتعامل معه بحاجة إلى حكمة وعقلانية وذكاء. ولا شك في أن الأخذ بالخطاب الشعبوي التهييجي الداعي إلى توسيع الحرب، لا يخدم قضيتنا بل يساعد في مفاقمة الخسائر وإضعاف الذات، ويساعد في تحقيق العدوان لأهدافه الإجرامية.  
ويبقى سؤال الحرب الكبير، هل يستطيع الغرب مواجهة الحماقة السياسية في تدمير فرص الحل السياسي، وفتح نافذة فرص حقيقية؟

عن الأيام

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *