وضع السلطة المتدهور والحملة في غزة يسمحان لحماس بالتآمر على عباس

ليس هناك شيء جيد يهدد الآن الضفة الغربية. وضع السلطة الفلسطينية سيء، ويتوقع أن يزداد سوءا. هذا هو الرأي المشترك لكل الجهات الامنية الاسرائيلية التي دورها متابعة ما يحدث في المناطق. رغم أن رئيس السلطة المسن محمود عباس صحيح الجسم ويقوم بعمله، عمره 86 سنة، بدأ يعطي اشاراته. الحرب على الوراثة في السلطة بدأت بالفعل. تأثير اسرائيل على ما يحدث هناك، وايضا الردع العسكري الذي تريد اسرائيل ترسيخه محدود.

في الوقت الذي فيه السياسيون في اليمين يتطاولون احيانا على عباس، لأغراضهم الخاصة، فانهم في جهاز الامن يعرفون الحقيقة: عباس هو عدو سياسي لإسرائيل، لكن النضال ضدها يديره في الساحة السياسية والدولية. عباس لا يؤيد الارهاب أو يشجعه (مع ذلك السلطة تدير لعبة مزدوجة في كل ما يتعلق بالدعم الاقتصادي لعائلات الفلسطينيين الذين قتلوا اثناء تنفيذ عمليات في اسرائيل). مشكوك فيه إذا كان من سيحل محله أو من سيحلون محله في قيادة السلطة سيتصرفون مثله. التزامهم بالعمليات السياسية ستكون اقل. ربما ايضا أن الرغبة في الحصول على دعم جماهيري اوسع في الضفة يدعوهم الى مغازلة دعم الارهاب.

السلطة لا تستطيع أن تسجل لنفسها برضى احداث الاسابيع الاخيرة في قطاع غزة. داخل الساحة الفلسطينية يبدو أن الرابح الرئيسي هي حماس. هذه المنظمة التي تسيطر على القطاع قررت الوقوف جانبا ومشاهدة الجهاد الاسلامي وهو يصطدم مع اسرائيل. الجيش الاسرائيلي والشباك اغتالوا قياديين من هذه المنظمة الصغيرة وأضعفوا قوتها العسكرية. الآن يبدو أنه سيكون أصعب على الجهاد الاسلامي فتح جولة قتال اخرى مع اسرائيل في القطاع على مسؤوليته. في حين أنهم في حماس سارعوا الى جني مكاسب من سياستها عندما رفعت اسرائيل على الفور جميع القيود التي فرضتها على القطاع في إطار عملية بزوغ الفجر، حيث استأنفت حركة البضائع ودخول العمال واعلنت عن نيتها توسيع سياسة التسهيلات.

هذه التطورات تضع علامات استفهام على استراتيجية السلطة. طوال السنين أيدت استئناف المفاوضات السياسية ووافقت على العمل كنوع مقاول من الباطن لإسرائيل في محاربة الارهاب في الضفة. المقابل الذي وعدت به، الى جانب افق سياسي لم يتم تجسيده طوال فترة ولاية حكومة شارون واولمرت ونتنياهو وبينت – لبيد، كان اقتصادي – اجتماعي. ولكن الآن الفجوة الاقتصادية بين الضفة والقطاع يمكن أن تتقلص وحماس يمكنها الوصول الى هذه الانجازات دون أن تتنازل بشكل علني عن مواقفها الايديولوجية ودون أن تجلس وتجري مفاوضات مباشرة مع اسرائيل.

حماس في الحقيقة اضطرت الى التنازل بدرجة معينة عن تمسكها بفكرة “المقاومة”، المعارضة العنيفة لإسرائيل، ولكن على الاجندة تقف جائزة كبيرة من ناحيتها: الى جانب سيطرتها على القطاع فقد وجدت هنا ثغرة لإمكانية تقويض حكم السلطة في الضفة الغربية. في 2014 كشفت اسرائيل شبكة ارهابية متشعبة لحماس في الضفة، ارادت تنفيذ عمليات ضد اسرائيل واسقاط سلطة عباس، في القضية التي سميت في الشباك “ثعلب الاشباح”. في السنة الماضية، في القضية التي اسمها “تنين مقلوب” (كما يبدو أن للشباك ثمة هواية بأسماء الحيوانات)، تم في الضفة اعتقال شبكة أصغر لحماس، خططت لتنفيذ عمليات انتحارية داخل حدود الخط الاخضر. مقاربة حماس حتى الآن واضحة جدا – الحفاظ على هدوء مصطنع في القطاع، إذا لم تكن هناك اسباب تجبرها على التصرف بشكل مختلف، مع تشجيع دائم للارهاب في الضفة بواسطة قياداتها في الضفة وفي تركيا وفي لبنان. التفكير هو أنها بذلك تكسب ثمن مزدوج، من اسرائيل وايضا من السلطة.

الفساد الهيكلي في سلطة عباس الى جانب صراعات الاجيال في المعسكرات داخل فتح تعقد الوضع. حكم السلطة لا يحظى بشعبية في الضفة وهي تعتبر بالنسبة لكثيرين ضعيفة ومتعفنة وايضا خاضعة جدا لإسرائيل. ولكن ايضا انعكاس قوة اسرائيل لم يعد كالسابق. في 2002، في ذروة الانتفاضة الثانية، اعاد الجيش احتلال معظم مدن الضفة، في عملية عنيفة استمرت آثارها على الارض لسنين. دخول الدبابات وحاملات ناقلات الجنود المدرعة الى داخل المدن، وموجة الاعتقالات والتصفيات في اعقابها، اوقفت بالتدريج الانتفاضة. هذه ايضا جسدت للجيل الاكثر شبابا الذي لم يتذكر مشاهد 1967 الفجوة في ميزان القوة العسكرية لصالح اسرائيل.

اعضاء الخلايا المسلحة التي تعمل في الضفة الآن هم في العشرينيات في المتوسط. هم لا يذكرون مشاهداتهم بشأن القوة التي يمكن لإسرائيل أن تستخدمها. حاجز الخوف تصدع. في الخلفية يقف ما يوصف بأنه الكرة الفلسطينية المفقودة – الفتيان، ومن بينهم ايضا من لديهم تعليم أكاديمي، والذين امكانياتهم الاقتصادية مقلصة جدا.

في بداية شهر آذار، بعد نصف سنة على الهدنة التي فيها سمحت اسرائيل لأجهزة الامن الفلسطينية بالعمل في مخيم جنين للاجئين، وهذا لم يؤد الى نتائج حقيقية، دخل الجيش الاسرائيلي لإجراء اعتقالات اولية في المخيم. ومثلما نشر هنا في حينه فان راكبين للدراجات مسلحين تعقبوا القوات وأطلقوا عليها النار من مسافة قصيرة. منذ ذلك الحين فان العديد من اقتحامات الجيش الاسرائيلي لجنين وايضا للقصبة ومخيمات اللاجئين في نابلس، تمت مواجهتها بمقاومة مشابهة وحتى أكثر شدة. في إطلاق النار تشارك خلايا محلية، التي عدد من الاعضاء فيها مرتبطون بشكل غير مباشر بالتنظيم (تنظيم فتح)، الذراع الميداني لفتح.

الانباء السيئة تظهر ايضا في كل توجه يتم قياسه على الارض. منذ بداية السنة هناك ارتفاع حاد في حجم الاحداث التي يصاحبها إطلاق نار ضد الجيش الاسرائيلي، ارتفاع عدد القتلى الفلسطينيين في الضفة وارتفاع في هجمات نشطاء اليمين المتطرف ضد الفلسطينيين. العمليات داخل الخط الاخضر قفزت بين اذار وايار، في موجة ارهاب تم وقفها بعد ذلك، ايضا بفضل الجهود الكبيرة للجيش الاسرائيلي في اغلاق الثغرات التي توجد في خط التماس (ليس اقل من تسع كتائب ما زالت تعمل في هذه المهمة، وفي نفس الوقت بدأت اعمال هندسية لإغلاق مقاطع واسعة في الجدار التي لم يسبق أن تم اكمالها).

تضاف الى ذلك احتمالية ضئيلة لعملية سياسية مهمة بين السلطة الفلسطينية واسرائيل في الفترة القريبة القادمة الى جانب اهتمام مؤدب فقط تظهره الولايات المتحدة والدول الاوروبية بما يحدث هنا، مثلما جسد ايضا في الزيارة الباردة للرئيس الامريكي جو بايدن للسلطة في الشهر الماضي. في هذه الظروف، يجب ألا نستغرب الارتفاع المتواصل لدعم حل الدولة الواحدة، حسب استطلاعات اجريت في اوساط الجمهور الفلسطيني في المناطق. وهناك ايضا نقطة يجب أن نذكرها وهي أن الديمغرافيا لا تقف في مكانها. ففي كل سنة فيها حكومة اسرائيل لا تحاول الدفع قدما بحل سياسي يزداد عدد المواطنين الاسرائيليين الذين يعيشون في المستوطنات، الذين بدون اخلاءهم لن يكون بالإمكان القيام بعملية كهذه. في نفس الوقت يضاف المزيد من الفلسطينيين في المناطق التي توجد تحت سيطرتها، المباشرة أو غير المباشرة.

عن أطلس للدراسات والبحوث ( نقلا عن هآرتس)

Author: عاموس هرئيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.