ورقة أولية …في الحاجة إلى مبادرة لتجديد حركتنا الوطنية

ماجد كيالي

منذ أكثر من ثلاثة عقود ربما، أي منذ انتهاء الكفاح المسلح من الخارج، إثر الغزو الإسرائيلي للبنان (1982)، أو في لحظة تحول حركتنا الوطنية من كونها حركة تحرر إلى سلطة في الضفة والقطاع، وفقاً لاتفاق اوسلو (1993)، أو مع تآكل وهم التسوية والتفاوض، كما تجلّت في مفاوضات كامب ديفيد2 (2000) وإخفاق الانتفاضة الثانية ونمط العمليات التفجيرية (2000 ـ 2004)، برزت أصوات فلسطينية تتحدث عن أفول الزمن الفصائلي، بما له وما عليه، بشعاراته وبناه وأشكال عمله، وخياراته السياسية، كتقرير لواقع انحسار مكانة الفصائل في مجتمعات الفلسطينيين، وتآكل ادوارها النضالية في مواجهة اسرائيل، وافتقادها لمبرر وجودها، وحتى للهوية الفكرية او السياسية التي تأسّست عليها.
بيد أن المسألة لا تتعلق فقط بإدراك حقيقة الوضع الفلسطيني، وحاجة شعبنا إلى تجديد حركته الوطنية، او توليد حركة جديدة، بالاستناد إلى مراجعة نقدية ومسؤولة للتجربة الماضية، بالاستفادة من ارثها الكفاحي، والبناء على إيجابياتها ومنجزاتها، وهي بالتأكيد مراجعة تشمل الأفكار والرؤى وأساليب العمل والخيارات، وإنما هي تتعلق أيضاً بهذا الفارق الكبير بين الإدراك، أو الحاجة، من الناحية النظرية، والعجز عن القيام بأي خطوة، في هذا الاتجاه، من الناحية العملية.
ثمة أسباب عديدة لهذا العجز، أو التلكؤ، ضمنها تشتت مجتمعات الفلسطينيين، وخضوعهم لأنظمة مختلفة ومتباينة، واستناد نظامهم السياسي (المنظمة والسلطة والفصائل) الى طبقة سياسية متماسكة تناهز حوالى ربع مليون، مع “استقلالية”، أو انفصال، هذا النظام عن شعبه، في موارده، وحتى في نفوذه وشرعيته، بحكم اعتماده في ذلك على الخارج، مع ضعف البنى التمثيلية والمؤسّسية، وضعف تمثّل الديموقراطية في العلاقات الداخلية، ودعم النظامين الدولي والإقليمي لهذا «الستاتيكو»، او لهذا الجمود، في هذا النظام، والتنازع بين الفصيلين الرئيسيين، والخشية من ضياع منظمة التحرير في ظل هذه الأوضاع العربية والدولية.
مع ذلك ثمة سبب آخر يعزز استمرار حال العجز أو التلكؤ، يتمثل بضعف المبادرة في مجتمعات الفلسطينيين، بسبب غياب وعي الطبقات الوسطى لذاتها، ولمصادر قوتها، وتردّد المثقفين الفلسطينيين، وغياب اشكال العمل الجمعية في ما بينهم، وهذا ينطبق على طبقة رجال الأعمال الذين يمتلكون الموارد والاستقلالية، ولكنهم يحجمون عن الانخراط في مجال العمل السياسي العام، أو التوظيف في العمل في مجال القضية الوطنية. 
لهذا فعلى رغم غنى مجتمعات الفلسطينيين، من حيث الموارد البشرية وتنوّعها، إلا أنه لا يوجد حتى الآن، وبعد سبعة عقود على النكبة، منبر فلسطيني مستقل خارج المنابر الرسمية او الفصائلية، لا تلفزيون مستقل، ولا اذاعة (مع التقدير للإذاعات المحلية في الداخل)، ولا مجلة ولا جريدة، ولا مراكز دراسات فاعلة (مع التقدير لمؤسسة الدراسات الفلسطينية ومركز «مسارات» والمراكز التابعة للجامعات في الداخل)، أي لا يوجد منبر يتحدث باسم غالبية الفلسطينيين غير المنتمين إلى الفصائل.
هذه دعوة يمكن ان تضاف الى عديد من الدعوات والمبادرات، موجهة الى الفلسطينيين من المهتمين او من العاملين في المجال العام، من اصحاب الرأي والتجربة، والأكاديميين والمثقفين والطبقة الوسطى ورجال الأعمال، لاستثمار طاقاتهم والتعبير عن ذاتهم، عبر المبادرة الى تنظيم جهودهم، بالتحول من مجرد قوة رأي، او قوة معنوية، إلى قوة مادية ضاغطة، يكون لها رأيها في شكل النظام السياسي الفلسطيني، قوة معنيّة بالتأثير في الحراكات السياسية الجارية وفي صياغة المشروع الوطني الفلسطيني وتجديد الحركة السياسية الفلسطينية.
ليس الحديث هنا عن تشكيل فصيل جديد، فالفلسطينيون ليسوا في حاجة إلى ذلك مع وجود 15 فصيلاً، وإنما الحديث يتعلق بضرورة بلورة هذه الكتلة الواسعة، التي تشكل الغالبية من الفلسطينيين، والتي لها رأي آخر، غير رأي «فتح» او «حماس» أو أي من الفصائل، في تيار، يقدم رؤاه وأفكاره في كل ما يتعلق بالشأن الفلسطيني، الخيارات والمؤسسات والعلاقات، وأشكال الكفاح، تيار يسعى ويعمل للإجابة على مختلف الأسئلة التي طرحتها التجربة الوطنية الفلسطينية، طوال نصف قرن، بعد ان كفت الفصائل عن المراجعة، او بعد أن نضبت قدرتها على تقديم الإجابات المناسبة على أسئلة كهذه.
ما يعزز من أهمية وشرعية هذه الدعوة، التي تأخرت بمقدار أكثر من عقدين، اننا اليوم في صدد مرحلة انتقالية على مختلف الصعد، كما من الأسباب الآتية:
أولاً، أن كل الكيانات السياسية القائمة، كاللجنة التنفيذية والمجلسين الوطني والتشريعي ورئاسة السلطة، انتهت شرعيتها منذ زمن طويل، وتآكلت فاعليتها، منذ زمن أطول، مع واقع تهميش المنظمة، والتركيز على السلطة، التي لم تصبح دولة حقاً، والتي باتت هي أيضاً تفتقد للشرعية، بل إنها، كخيار للوصول إلى الدولة الفلسطينية، وصلت إلى طريق مسدود، إن بسبب الموقف الإسرائيلي أو بسبب الموقف الأمريكي مؤخّراً. فوق ذلك فإن معظم الفصائل باتت فاقدة شرعيتها، ومبرّر وجودها، فبعد أن لم تعد تفعل شيئاً في ميدان الكفاح ضد إسرائيل فقدت ما يسمى «الشرعية الثورية»، وبعد أن لم يعد لها مكانة في مجتمعها باتت فاقدة شرعيتها التمثيلية، وفوق هذين فمعظم الفصائل السائدة ليس لها هوية معينة، لا سياسية ولا فكرية. على الصعيد العربي والإقليمي والدولي، أيضاً، ثمة مرحلة انتقالية ما، يفترض حضّ النقاش في شأن كيفية التعاطي معها، وهذا يشمل التحولات الحاصلة في اسرائيل أيضاً.
أما من الناحية السياسية، فإن ضرورة هذه الدعوة تتأتّى ليس فقط من إخفاق خيار الارتهان لعملية التسوية لأكثر من عقدين، كما تمثلت باتفاق أوسلو الذي قامت السلطة على أساسه، مع عجزها، أو عدم أهليتها، عن طرح أية خيارات بديلة أو موازية من الناحية العملية، إذ هي تتأتى، أيضاً، من تقادم الشعارات والبني السياسية وطرائق الكفاح التي اعتمدت في الساحة الفلسطينية، طوال نصف قرن. يؤكد ذلك حاجة الفلسطينيين، في مختلف أماكن تواجدهم، إلى مشروع وطني جامع، يوازن بين الممكن والمطلوب، وبين الآني والمستقبلي، وبين الواقع والطموح، من دون القطع التعسفي بين هذين الحدين، ما يعيد الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني، أي وحدة قضيته وكفاحه ومستقبله، بعد ان بات هذا الشعب على شكل مجتمعات، او «شعوب»، متعددة، مختلفة الاتجاهات والاولويات، بحكم غياب المنظمة، وحصر الخيارات الوطنية بخيار تجزيئي هو دولة في الضفة والقطاع. اي المطلوب مشروع وطني يتأسس على الحقيقة والعدالة، وعلى التطابق بين قضية فلسطين وخريطة فلسطين وشعب فلسطين، مع الاخذ في الاعتبار كل المسائل التي تولدت بعد قيام إسرائيل.
وعلى الصعيد الشعبي ثمة قطاع واسع من الفلسطينيين، لا سيما بعد تهمش منظمة التحرير، بات يشعر بأنه خارج العملية الوطنية الفلسطينية، وأن الكيانات السائدة، في رؤاها وبناها وطرق عملها، باتت متقادمة ومستهلكة. أيضاً، فإن ضرورة هكذا دعوة تنبع من تغيّر أحوال الفلسطينيين واختلاف ظروفهم السياسية والاجتماعية، لا سيما مع ازدياد مسارات تفكّك مفهومهم عن ذاتهم كشعب، وتراجع إدراكاتهم لمصيرهم المشترك، بحكم تبدّد إجماعاتهم الوطنية، وافتقادهم إطاراتهم الجمعية، وتفتت مجتمعاتهم، سيما بعد الكوارث التي مُنيت بها تجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والعراق وسورية. 
والحال، لم يعد بإمكان الفلسطينيين الاستمرار على واقعهم القديم مع كل التغيرات في البيئات العربية والدولية، ومع كل هذا الخراب المحيق في المشرق العربي، والانفجارات الحاصلة فيه، من لبنان إلى اليمن مروراً بالعراق وسورية، والتصرّف كأن لا شيء يحدث، أو لا شيء يؤثر في أحوال الفلسطينيين السياسية والاجتماعية وأشكال كفاحهم ضد عدوهم، وفي ما اعتبر يوماً أنه القضية المركزية.
نعم، الفلسطينيون أحوج ما يكونون اليوم إلى مبادرات لإعادة البناء، بيد أن هذا لا ينتظر منه إعلان حرب ضد إسرائيل، أو رفع شعارات الكفاح المسلح، إذ لا الظروف العربية والدولية تسمح بذلك، ولا الفلسطينيون لديهم الإمكانات لهذا الأمر بعد كل التجربة السابقة، وفي ضوء ارتهاناتها، ومآلاتها. 
القصد أن جهدنا المفترض يستلزم الاشتغال، في هذه الظروف والمعطيات، على إعادة بناء الوضع الفلسطيني، وعلى المتاح والممكن، والذي تم نسيانه، أو اللامبالاة إزاءه، في خضم ادعاءات الانشغال بالعمل المسلح لتحرير فلســـطين، أو بالمفاوضة لإقامة دولة فلسطينية. والحقيقة، فإن الإخفاق في هذين المشروعين، أو الخيارين، إنما يرجع أساساً إلى ترهل البنى السياسية الحاملة لهما، وإلى تخلف الإدارة الفلسطينية وضمنها تخلف قدرتها على استثمار الموارد المتاحة، مع إدراكنا أن العملية الوطنية الفلسطينية ذات وجهين، أحدهما يتعلق بالصراع ضد إسرائيل، وثانيهما يتعلق بتنظيم البيت الفلسطيني، أي المجتمع والكيانات السياسية، وإدارة الموارد، وهو الأمر الذي تعرض للإهمال، أو أنه لم يكن في مركز اهتمام القيادات الفلسطينية.
المهم أن الفلسطينيين في حاجة ملحة لإعادة تعريف إجماعاتهم الوطنية وأهدافهم السياسية، بغض النظر عمّا يستطيعونه أو ما لا يستطيعونه في هذه المرحلة أو تلك. وبدهي أن ذلك يتأسس على جانبين، أولهما، التمييز بين ما تتيحه لهم الظروف الدولية والإقليمية والعربية وبين حقهم التاريخي والمشروع في أرضهم ووطنهم. وثانيهما، إضفاء مضامين قيمية على قضية التحرير بحيث لا تقتصر القصة على الصراع على الأرض وإنما على قيم الحقيقة والعدالة والحرية والمساواة، أيضاً.
ولعل الفلسطينيين في خضم صوغهم مشروعهم الوطني يعززون فهمهم لاعتبار أن هدف أية إجماعات سياسية هو الحفاظ على وحدتهم في أماكن وجودهم كافة، وتعزيز إدراكاتهم لكونه شعباً، إذ ما قيمة أية مشروع سياسي يتأسس على تقويض وحدة هذا الشعب أو تجزئته أو محو إدراكاته لذاته كشعب كما لقضيته؟ ثم ما قيمة أي تسوية لا تتأسس على عناصر الحرية والمساواة والحقيقة والعدالة (ولو النسبية)؟
لقد اثبتت تجربة قرن من الزمان، أن الشعب الفلسطيني شعب شجاع، ولديه استعداد عال للتضحية، وأنه يمتلك إمكانات كبيرة، وتجربة غنية، وكفاءات كثيرة وهذه كلها أمور تصب في رصيده وفي رصيد أية مبادرة تحاول انتشاله من هذا الدّرْك الذي وصل إليه، بسبب تآكل البنى الفصائلية، وأفول دورها، وافتقارها إلى روح التجديد والتغيير.

هذه بعض الأفكار الاساسية التي يمكن ان نشتغل عليها، إذ ان الوقت بات مناسباً لإحداث نقلة في دور اصحاب الرأي، أو المثقفين الفلسطينيين، المستقلين، من كونهم قوة معنوية، مشتتة، إلى كونهم قوة مادية ضاغطة، ومتبلورة في منبر، ومعنية بالتأثير في الحراكات السياسية الجارية، ما يتطلب مبادرة من المثقفين الفلسطينيين المؤمنين بأن لهم دوراً ما…

لذا الاقتراح بأن تتركز الجهود في بحث المواضيع الآتية:
ـ صوغ رؤية سياسية جديدة تعيد الاعتبار لقضيتنا كحركة تحرر وطني، وتطابق بين قضية فلسطين وشعب فلسطين وأرض فلسطين، وتجيب على مختلف الأسئلة التي تطرحها هذه القضية، بما في ذلك المسألة الإسرائيلية.
ـ وضع التصورات التي تفيد بإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني (المنظمة السلطة الفصائل).
ـ البحث في أشكال النضال الممكنة والأكثر جدوى وتناسباً مع إمكانيات شعبنا..
مفهوم ان اي خطوة عملية باتجاه بلورة تيار كهذا ستواجه تعقيدات وصعوبات وعراقيل جمة، مع ذلك فإن كثيرين من المنضوين في الفصائل من المناضلين سيجدون أنفسهم فيها، والمهم ان مبادرة كهذه ستحظى على تجاوب فلسطيني لا سيما من الاجيال الجديدة من الشباب.

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *