واقع المحكمة الجنائية الدولية وآفاق التحقيق في الجرائم المتعلقة بقضية فلسطين


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

مقدمة

بعد مرور اثني عشر عامًا على توجه السلطة الفلسطينية إلى المحكمة الجنائية الدولية، تمّ فتح تحقيق في جرائم حرب مزعومة ارتُكبت في الأراضي الفلسطينية في آذار/ مارس 2021، وذلك بعد أن أقرّت المحكمة بأنّ لها اختصاصًا قضائيًا على الأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. انتقل التحقيق إلى عناية المدعي العام الجديد، البريطاني كريم خان، بعد تولّيه المنصب في 16 حزيران/ يونيو 2021 مدة تسع سنوات، خلفًا للغامبية فاتو بنسودا. وتبعًا لذلك، سوف تتغير مقاربة الادعاء للتحقيق في الملفات التي أحيلت إلى مكتبه.

تنطلق هذه الورقة من ثلاثة معطيات، تتداخل فيها السياسة والقانون، لتحديد آفاق التحقيق في ملف فلسطين، وهي: 1. واقع المحكمة التي يحكمها الإطار السياسي من جهة أنها منظمة حكومية دولية، 2. تحدّيات على الأرض في ظل رفض تعاون سلطة الاحتلال الإسرائيلي، ومتطلبات التحقيق الميداني ومعارضة أميركا وحلفائها الغربيين للتحقيق، 3. التزام كريم خان بخارطة الإصلاح التي تبنّتها جمعية الدول الأطراف في المحكمة. وتنظر الورقة أيضًا في إمكانيات تسخير عمل المحكمة لخدمة القضية الفلسطينية، باعتبار أن اللجوء إلى العدالة الجنائية الدولية يمكن أن يسهم في مشروع التحرر الوطني، من دون أن يتوقف عليها.

أولًا: السلطة الفلسطينية والمحكمة الجنائية الدولية

توجهت السلطة الفلسطينية نحو المحكمة الجنائية الدولية في عام 2009، خضوعًا لضغط شعبي واسع من أجل معاقبة الاحتلال على عدوانه على قطاع غزة، وتغوّل استيطانه بعد مآلات “اتفاقية أوسلو”. واتسمت العلاقة بين السلطة والمحكمة بتردّد الطرفين في مساءلة إسرائيل. ويبدو أن تردّد السلطة تجاه اللجوء إلى المحكمة، وعدم انتظام خطواتها، كانَا بدافع الحرص على إبقاء باب المفاوضات مفتوحًا، واستعمال المحكمة ورقةَ ضغطٍ على إسرائيل وحلفائها لاستئناف محادثات السلام في إطار “مسار أوسلو”، إلى أن وصل الأمر إلى طريق مسدودة في عام 2014. في حين ظهر تردّد المحكمة في مساءلة إسرائيل من خلال رفض أول مدّعٍ عامّ، لويس مورينو أوكامبو، فتح التحقيق، وتأخّر خلفه بنسودا في الدراسة الأولية والشروع في تحقيقٍ ما زال يلفّه الغموض.

1. السلطة الفلسطينية بين مساءلة إسرائيل والتفاوض معها

ارتبطت الخطوات الثلاث التي خطتها السلطة الفلسطينية تجاه المحكمة الجنائية الدولية ارتباطًا وثيقًا بالعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ففي أعقاب الحرب الأولى على القطاع (2008/ 2009)، أودعت السلطة إعلانًا بقبول اختصاص المحكمة، وتقدمت بطلب التحقيق في جرائم إسرائيل، إلا أن المدعي العام أوكامبو رفضه بحجة أن وضع فلسطين آنذاك كان مجرد “كيان مراقب” في الأمم المتحدة، وليس “دولة”. وحتى بعد حصول فلسطين على صفة “دولة مراقب غير عضو” في الأمم المتحدة في عام 2012، لم تتخذ السلطة الإجراءات اللازمة للانضمام رسميًا إلى المحكمة قبل كانون الثاني/ يناير 2015، عبر انضمامها إلى نظام روما المؤسّس للمحكمة، أي في أعقاب الحرب الثالثة على قطاع غزة في صيف 2014. وانتظرت السلطة إلى أن اندلعت أحداث “مسيرة العودة الكبرى” في قطاع غزة في 30 آذار/ مارس 2018، لتقوم بإحالة الوضع في فلسطين إلى مكتب بنسودا في أيار/ مايو الموالي؛ وهي خطوة مهمة تُعفي المدعي العام من استئذان الدائرة التمهيدية من أجل فتح تحقيق. ويفيد انتظار الإحالة إلى ما بعد توقف المفاوضات مع إسرائيل في الفترات الفاصلة بين عامَي 2010 و2014 أن السلطة استعملت المحكمة ورقةَ ضغطٍ لاستئناف المفاوضات، ما جعل موقفها يغلب عليه التناقض وهي تحاول التوفيق بين الجلوس مع ممثلي إسرائيل على طاولة “مفاوضات السلام” من جهة، والتوجه إلى القضاء الدولي لمحاكمة قادتهم من جهة أخرى؛ أي ما بين التنسيق الأمني مع الاحتلال وتكريسه في الداخل، وملاحقة جنوده وقادته من الخارج، من قلب المؤسّسات الدولية.

2. جرائم توضيحية

عند إحالتها الوضع في فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية، طلبت السلطة الفلسطينية من مكتب بنسودا أن يحقق “في الجرائم المرتكبة في الماضي والحاضر والتي ستُرتكب في المستقبل، في جميع أنحاء إقليم دولة فلسطين”، وشدّدت على أن يشمل التحقيق هذه الفئات من الجرائم التي تعتبرها رئيسة، وهي: الاستيلاء على الممتلكات الخاصة والعامة وتدميرها، والتهجير القسري للفلسطينيين من أراضيهم، ونقل الإسرائيليين إلى الأراضي المحتلة، وقتل المدنيين والاعتداء عليهم، وتعذيب الفلسطينيين وإخضاعهم لمعاملة لاإنسانية، والاضطهاد، ونظام الأبارتهايد[1]. واللافت في وثيقة الإحالة هو المفارقة بين تركيز السلطة على الجرائم المتعلقة بالاستيطان وغيرها وتقليلها من أهمية جريمة الفصل العنصري المحورية، التي يصنفها القانون الدولي جريمةً ضد الإنسانية؛ إذ تكرّرت كلمتا “الاستيطان” و”المستوطنون” 57 مرة في هذه الوثيقة، في حين لم تَرِد الإشارة إلى “نظام الأبارتهايد” إلا مرة واحدة، في آخر لائحة فئات الجرائم السبع الأساسية، بحسب تقدير السلطة. واللافت أكثر أن هذه الإحالة تمّت بعد مضي نحو شهر فقط من تقديم السلطة شكوى ضد سياسات إسرائيل العنصرية للجنة القضاء على التمييز العنصري التابعة للأمم المتحدة، التي ترصد تنفيذ “الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري”[2]. وتكمن المفارقة في أن تعاون السلطة مع نظام الأبارتهايد الإسرائيلي يجعلها في الواقع شريكة في جرائمه؛ ما دفع المنظمة الحقوقية الأميركية “هيومن رايتس ووتش” إلى مطالبتها في تقريرها الأخير بـ “وقف جميع أشكال التنسيق الأمني مع الجيش الإسرائيلي التي تساهم في تسهيل ارتكاب جريمتَي الفصل العنصري والاضطهاد المرتكبتين ضد الإنسانية”[3]. وتناقض موقف السلطة هذا يجعل ملاحقتها الجنائية للمسؤولين الإسرائيليين عن نظام الأبارتهايد يبدو مجرد خطوة تكتيكية أخرى، بهدف الضغط على إسرائيل لاستئناف المفاوضات المتوقفة.

أما المدعية العامة، بنسودا، فقد حصرت التحقيق زمنيًا في الجرائم التي يشتبه في ارتكابها منذ تلقّي مكتبها إحالة من السلطة الفلسطينية في 13 حزيران/ يونيو 2014، وارتأت أيضًا أنه قد يغطّي ثلاث قضايا، هي:

جرائم حرب يُشتبه في أنّ مرتكبيها جنود إسرائيليين ضد مشاركين في المظاهرات التي انطلقت في قطاع غزة، في آذار/ مارس 2018، قرب السياج الحدودي مع إسرائيل.

جرائم حرب يُزعم ارتكابها من طرف “أفراد من السلطات الإسرائيلية” لنقلهم إسرائيليين مدنيين إلى الضفة الغربية المحتلة منذ 13 حزيران/ يونيو 2014.

جرائم حرب تتعلق بـ “الأعمال العدائية” التي شهدها قطاع غزة عام 2014، ويشتبه في أنّ مرتكبيها إسرائيليون، وعناصر في حركة حماس، وفصائل أخرى، يُنسب إليها استخدام المدنيين دروعًا بشرية، واستهداف المدنيين أو مواقع مدنية في إسرائيل، فضلًا عن القتل العمد والمعاملات اللاإنسانية داخل قطاع غزة.

وأوضحت بنسودا أن مكتبها يتوفر على قدر كافٍ من المعلومات التي تؤكد مقبولية الجرائم السابقة الذكر، باستثناء ممارسات الجنود الإسرائيليين التي ما زالت قيد البحث، نظرًا إلى شحّ المعلومات المتاحة للمحكمة[4]. ويعني ذلك أن ملاحقة الفصائل الفلسطينية ستكون أسهل كثيرًا من ملاحقة الجنود الإسرائيليين، خاصة أن إسرائيل ترفض التعاون مع المحكمة، وأنها قد تقطع عليها الطريق عبر التظاهر بمحاكمة بعض جنودها وقادتها، عملًا بمبدأ التكامل بين المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية، الذي يحظر على المحكمة الجنائية الدولية النظر في الجرائم التي تدخل في اختصاصها عندما تكون السلطات الوطنية وهيئاتها القضائية قادرة على مقاضاة رعاياها وراغبة في ذلك، إضافة إلى أنّ نظام روما الأساسي يحظر المحاكمة على الجريمة ذاتها مرتين. وبحسب بنسودا، تبقى كل هذه الجرائم المزعومة السابقة الذكر توضيحية Illustrative فحسب، اعتمدتها على سبيل المثال لا الحصر خلال الدراسة الأولية. ومع الشروع في التحقيق، يمكن أن يُوسّع مجال التحقيقات أو يُعدّل ليشمل جرائم إضافية تتعلق بأشخاص أو جماعات أخرى. وبما أنّ المدعي العام الجديد غيرُ مجبر على اعتماد مقاربة بنسودا، فالراجح أنه سيضع استراتيجية تعكس رؤيته ومقاربته ومعاييره المهنية، ما سيغير وضع التحقيق في الحالة في فلسطين.

3. متطلبات التحقيق على الأرض

يقترن دخول ملف فلسطين مرحلة التحقيق بضرورة تحويل “المعلومات” التي اعتمدت عليها الدراسة الأولية إلى “أدلة” وقرائن تدقيق ترتفع معايير إثباتها تدريجيًا. وسواء تعلّق الأمر بأفراد إسرائيليين أو فلسطينيين، يستدعي إصدار مذكرات قبض، أو أوامر بمثول أفراد أمام المحكمة، وجود أسباب معقولة للاعتقاد أنهم قد ارتكبوا جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، بحسب المادة 58 من نظام روما الأساسي. ولاعتماد التّهم قبل المحاكمة، يجب توافر أدلة كافية لإثبات وجود أسباب جوهرية تدعو إلى الاعتقاد أن المشتبه فيه قد ارتكب كل الجرائم المنسوبة إليه (المادة 61)، في حين أن إصدار المحكمة حكمًا يدين شخصًا متهمًا بجرائم دولية يُلزِم المدعي العام أن يقنع القضاة بأنّ المتهم مذنب من دون شك معقول (المادة 66)[5]. ولتحويل المعلومات التي فُتح على أساسها التحقيق في القضايا المتعلقة بفلسطين إلى أدلة، يُفترض أن يُرسِل مكتب المدعي العام محققين ومستشارين ومُدّعين للأراضي الفلسطينية المحتلة لجمع الأدلة المادية والجنائية وفحصها، واستجواب الضحايا والشهود وغيرهم؛ لتحديد أخطر الجرائم والأشخاص الذين يتحملون أكبر قدر من المسؤولية في ارتكابها[6]. وبما أن إسرائيل ليست دولةً طرفًا في نظام روما الأساسي الذي لا يلزم الدول غير الأطراف بالتعاون مع المحكمة، فلن تسمح للمحققين بولوج مسارح جرائمها، بعد أن أعلنت عن رفضها التعاون مع محكمةٍ لا تعترف باختصاصها.

ثانيًا: المحكمة الجنائية: منظمة دولية بين الأزمة والإصلاح

إضافة إلى الضغوطات والتهديدات التي تمارسها السلطتان الإسرائيلية والأميركية، فضلًا عن حلفائهما الغربيين، على المحكمة من أجل وقف التحقيق، يواجه ملف فلسطين تحديات تفرضها ازدواجية البنية القانونية والسياسية للمحكمة، وضعف قدرات الادعاء، فضلًا عن ظرفية الإصلاح التي تتطلب رفع معايير التحقيق ووضع أولويات للموارد الهزيلة للمحكمة.

1. المحكمة – المنظمة

في صيف 1998، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في العاصمة الإيطالية روما “نظام روما الأساسي” الذي دخل حيز التنفيذ عام 2002؛ وهي المعاهدة التي أُنشئت بموجبها أول محكمة جنائية دولية دائمة تقوم بدور تكميلي للمحاكم الوطنية، وتعاقب الأفراد بصفتهم مجرمين يتحملون مسؤولية جنائية لا تُلزم الدول التي ينتمون إليها، ولا تنظر إلّا في هذه الجرائم الدولية التي تدخل في اختصاصها؛ من قبيل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان. ويوضّح الإطار الأممي الذي نشأت فيه المحكمة تداخل القانون والسياسة في بنيتها؛ فهي “منظمة دولية، شبيهة بالأمم المتحدة ووكالاتها المختصة، التي تعمل بشكل وثيق تحت إشراف ورقابة الدول الأعضاء فيها”[7]. فما يميز المحكمة الجنائية الدولية هو أنها في الوقت نفسه محكمة جنائية ومنظمة حكومية دولية تديرها جمعية الدول الأطراف التي تتكون من 123 دولة وقّعت نظام روما الأساسي أو صدّقت عليه، وتتخذ من مدينة لاهاي الهولندية مقرًّا لها[8]. وتعتبر الجمعية هيئة سياسية تُعنى بالتشريع لتطبيق نظام روما، وتمارس أيضًا رقابة إدارية لا تمتد إلى الرقابة القضائية، بما في ذلك مسؤولية تمويل عمل المحكمة وانتخاب القضاة والمدعي العام ونائبه، وعزلهم[9]. ويصعب الحديث عن استقلالية المحكمة – المنظّمة في ظل سلطتَي الإحالة والإرجاء اللتين يمنحهما نظام روما لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بموجب المادتين 13 و16؛ إذ يحق له إحالة قضايا يقرّر أنها تهدّد الأمن والسلم الدوليين، وإيقاف التحقيق والمقاضاة في قضايا أخرى وتأجيلهما، لدواعٍ سلمية وأمنية أيضًا.

ويعتبر عدم اشتمال المحكمة على جهاز تنفيذي يضمن تطبيق أحكامها مِن أهم نقاط ضعفها؛ إذ تعتمد اعتمادًا كليًّا على تعاون الدول لولوج الأراضي التي يجب التحقيق فيها، والحصول على الوثائق أو الأدلة التي تبحث عنها، والتفتيش عن المشتبه فيهم، وإلقاء القبض عليهم وتسليمهم إليها. ورغم إلزام نظام روما الأساسي الدول الأطراف على التعاون مع المحكمة في ما تجريه من تحقيقات ومقاضاة (المادة 86)، فإنه لا ينصّ على إجراءات عقابية في حال رفضها التعاون، بل إنّ أقصى ما يمكن للمحكمة أن تذهب إليه هو أن تحيل الموضوع إلى جمعية الدول الأطراف، أو إلى مجلس الأمن في إطار متابعته القضايا التي قد أحالها إلى المحكمة. وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الأمن لم يتخذ بعدُ أيّ إجراء ضد الدول التي لم تتعاون في تطبيق قراراته بشأن قضيتَي دارفور وليبيا، على الرغم من طلبات المحكمة الملحّة[10].

2. أزمات المحكمة الجنائية الدولية

يوجد شبه إجماع على أن حصيلة المحكمة الجنائية الدولية غير مُرضية ومثيرة للجدل، نظرًا إلى تركيزها على القارة الأفريقية مدةً طويلة من عمرها. وبعد زهاء عقدين من العمل، أسفرت نحو 30 قضية عن أربع إدانات تمّ تنفيذها في حق متمردين من أفريقيا لارتكابهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية[11]، وشملت حصيلة المحكمة أيضًا تبرئة رئيس كوت ديفوار السابق، لوران غباغبو، ونائب الرئيس الكونغولي، جون بيير يبمبا، وإسقاط التّهم عن الرئيس الكيني، أوهورو كينياتا، ونائبه وليام روتو، وسحب التّهم عن فرنسيس موتاورا (مسؤول كيني آخر). واتّهم الاتحاد الأفريقي المحكمة الجنائية بالنزعة الكولونيالية، وممارسة “مطاردة عنصرية” بسبب ملاحقتها الحصرية لجرائم في أفريقيا، وضغط عليها إلى أن فتحت تحقيقًا في “الحالة في جورجيا” في عام 2016. ويشكّك حقوقيون في قدرة المحكمة على إدانة مسؤولين حكوميين، ويعزو القاضي ريتشارد غولدستون ذلك – وهو من جنوب أفريقيا – إلى صعوبة إثبات ضلوع المسؤولين الحكوميين في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا يقومون بارتكابها بأنفسهم في معظم الأوقات ولا يتركون وراءهم آثارًا تدينهم[12]. وتجدر الإشارة إلى أنه، إلى حدود عام 2020، لم يتم تأكيد نحو 62 في المئة من اتهامات الادعاء، خلال إجراءات ما قبل المحاكمة[13].

بلغت الأزمة الأفريقية حدّ رفض الاتحاد الأفريقي التعاون مع المحكمة والتهديد بانسحاب جماعي منها، ما اضطرها إلى توسيع دائرة التحقيق لتشمل جرائم يُشتبه في أنها ارتُكبت من جانب القوات الروسية في جورجيا، والقوات الأميركية في أفغانستان، وجنود وقادة إسرائيليين في فلسطين، وقوات ميانمار ضد شعب الروهينغا؛ ما أغضب هذه الدول وبعض حلفائها داخل جمعية الدول الأطراف. وأعلنت عدة حكومات، بما فيها حكومات كندا وألمانيا وأستراليا، عن معارضة التحقيق في مزاعم جرائم إسرائيل في الأراضي الفلسطينية. وعلى غرار باقي المنظمات الدولية، لجأت الدول المانحة إلى سياسة التمويل لكبح التوجهات الجديدة للمحكمة التي تعتمد في تمويل أنشطتها على مساهمات الدول الأطراف أساسًا. وتُعرف هذه المساهمات بالأنصبة المقررة Assessed contributions التي تُحدَّد وفقًا لحجم الاقتصاد الوطني في كلّ دولة وقوّته. وتبنّت كتلة غربية تضم أهم الدول المانحة (ألمانيا، واليابان، وبريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا وكندا)، سياسة “النمو الصفري الاسمي” منذ سنوات، وهي سياسة تكون فيها نسبة نمو الميزانية في حدود صفر في المئة، وذلك على الرغم من ازدياد احتياجات المحكمة بسبب ارتفاع عدد التحقيقات والدراسات الأولية[14]. وقد رصدت جمعية الدول الأطراف ميزانية تبلغ 148 مليون يورو لعام 2021، وهو مستوى التمويل نفسه لعام 2019، وأقل من ميزانية عام 2020 التي بلغت نحو 149 مليون يورو[15]. ويتسبب شحّ موارد المحكمة في تأخير الدراسات الأولية، والتحقيقات، والمقاضاة، وتقليص عدد القضايا التي يمكن لمكتب المدعي العام التحقيق فيها بفاعلية[16].

وقد أظهرت دراسة أكاديمية، نُشرت عام 2017، لستيوارت فورد، أستاذ القانون في كلية جون مارشال للحقوق في مدينة شيكاغو الأميركية، خطورة نقص موارد المحكمة الجنائية الدولية مقارنةً بمعظم المحاكم الوطنية في أميركا وأوروبا التي تحقق في جرائم أقلّ تعقيدًا، وأشار إلى أنّ عدد العاملين في شعبة التحقيقات في المحكمة الجنائية الدولية قد يبلغ، في أحسن الأحوال، 35 موظفًا، من بينهم 13 محقّقًا فقط. وفي المقابل، عَمِل أكثر من 1500 فرد في التحقيق في تفجير طائرة بان أميركان (الرحلة 103) فوق بلدة لوكربي الإسكتلندية، وضمّ فريق التحقيق في تفجير مدينة أوكلاهوما الأميركية أكثر من 2600 شخص، وعمل أكثر من 1300 شخص على التحقيق في حادث إسقاط الطائرة الماليزية (الرحلة “إم إتش-17”) فوق أوكرانيا في 2014[17]. وبدلًا من أن تضاعف جمعية الدول الأطراف موارد المحكمة الجنائية الدولية لتضمن إجراء تحقيقات ناجعة، فإنّ الدول المانحة تطلب منها وضع أولويات لمواردها الهزيلة في إطار برنامج إصلاح تقشفي من شأنه أن يؤثر في آفاق التحقيق في الحالة المتعلقة بفلسطين.

3. برنامج الإصلاح في التحقيقات

في مطلع عام 2020، عيّنت جمعية الدول الأطراف فريق خبراء دوليين ترأّسه القاضي ريتشارد غولدستون، لتقديم توصيات قابلة للتنفيذ من أجل “تعزيز أداء وكفاءة وفعالية المحكمة ونظام روما الأساسي”. وكشف تقرير الخبراء، في 30 أيلول/ سبتمبر 2020، عن اختلالات في عمل أجهزة المحكمة الأربعة: مكتب المدعي العام، ومكتب الرئاسة، وقلم المحكمة، والشّعب والدوائر القضائية. وخرج التقرير بـ 384 توصية تضمّنت إعادة هيكلة إدارية، وتفعيل آليات مراقبة عمل المحكمة، وأوصى بإنجاز إصلاحات حازمة. اعتمدت الجمعية توصيات فريق الخبراء وأنشأت آلية لمتابعة تطبيقها في إطارٍ زمنيٍّ محدّد وفي حدود الميزانية المتاحة[18]. ويؤكد الفريق أن موارد مكتب الادعاء المادية والبشرية لا تسمح له بمباشرة التحقيق في أكثر من ثماني قضايا في الوقت نفسه، في حين بلغ عدد التحقيقات 14 تحقيقًا حتى الآن، إضافة إلى ثماني دراسات أولية، وهو ما يُلزم المكتب الحسمَ في تحديد التحقيقات التي ستحظى بالأولوية والتي ستُرصد لها الموارد الكافية Prioritised، وتلك التي تُخفَّض أولويتها والموارد المخصصة لها De-prioritised، ثمّ التحقيقات الأخرى التي يتم تعليقها مؤقتًا Hibernated[19].

وأوصى التقرير بإعطاء الأولوية للقضايا التي تتوفر على أقوى الأدلة، كاعتراض المراسلات، وسجلات الطب الشرعي، وفيديوهات متزامنة مع ارتكاب الجريمة[20]، وحثّ مكتب الادعاء على اعتماد “عوامل الجدوى” Feasibility factors لتحديد أولوياته بعد فتح التحقيق. وعرّف الجدوى بمدى “قدرة المكتب على القيام بتحقيق فعّال وناجح يؤدي إلى مقاضاة المتّهم، مع توقعات معقولة بإدانته”، آخذًا في الاعتبار جودة الأدلة المتوافرة، وتعاون الدول، والوضع الأمني، وقدرته على حماية الشهود[21]. ومن شأن هذه المعايير أن تقلّص حظوظ حصول التحقيق في الجرائم المتعلقة بقضية فلسطين على الأولوية، خاصة تلك التي ترتبط بتحقيقات ميدانية، كالحرب على غزة وغيرها من العمليات العسكرية.

ثالثًا: كريم خان وبرنامج الإصلاح

بتولّي البريطاني كريم خان رئاسة الادعاء بالمحكمة الجنائية الدولية، انتقل ملف فلسطين إلى مرحلة ثالثة من شأنها أن تتأثر بسياساته وسلطاته. وفي حين لا يُعرف له رأي أو موقف تجاه فلسطين أو إسرائيل تحديدًا، فإنه يُعرف عنه تبنّيه برنامجَ إصلاح المحكمة – المنظمة، واعتماده معايير عالية جدًّا في التحقيق في الجرائم الدولية مقارنةً ببنسودا وأوكامبو؛ إذ يتفوق عليهما بخبرة قانونية وقضائية وأكاديمية واسعة. ويتميز كريم خان أيضًا بحرصه على التحقيق في إطار التعاون مع الدول المعنية، والتزامه بتطبيق مبدأ التكامل.

1. المدعي العام البريطاني: كريم خان

للتعرف إلى توجّهات كريم خان المستقبلية، لا بد من استحضار سياسات الهوية Identity politics، التي تؤدي دورًا رئيسًا داخل المنظمات الدولية، ولا بد أيضًا من التذكير بأن الحكومة البريطانية رشَّحته لرئاسة الادعاء، إيمانًا منها بأنه يجمع بين مهارات الادعاء، والإدارة، والحسّ السياسي[22]. وقد حظي ترشيحه ضد أكبر منافسيه، المرشّح الإيرلندي فرغال غاينور، محامي الدفاع عن ضحايا فلسطينيين وأفغان وكينيّين في المحكمة الجنائية الدولية، بدعم المجموعة الأفريقية التي اضطلعت بدور كبير في انتخابه؛ لانتقاده الشديد للمحكمة الجنائية الدولية واتهامها بتسييس القضاء، ونجاحه في الدفاع عن نائب الرئيس الكونغولي السابق، جون بيير يبمبا، وقائدين كينيَّين، وليام روتو وفرنسيس موتاورا، فضلًا عن دفاعه عن سيف الدين القذافي وثلاثة قادة من متمردي دارفور. ومثّل تصويت أغلبية جمعية الدول الأطراف لمصلحة خان اختيارًا استراتيجيًا لمحامٍ بريطاني ينحدر من أصول باكستانية وينتمي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية[23]، وموظّف في الأمم المتحدة مدعوم من دولة طرف، بريطانيا، أحد الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن. وقد أرضى انتخابه، على نحو خاص، المجموعة الأفريقية والدول الغربية التي كانت حريصة على اختيار مدّعٍ عامّ يمثل الدول الغربية، وفقًا لمبدأ التناوب الجغرافي. وستوضّح الشهور القادمة كيف سينعكس على التحقيق في ملف فلسطين دعمُ الحكومة البريطانية لانتخابه، في ضوء اعتراض رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، وعدد من حلفاء بريطانيا الغربيين الذين يمارسون على المحكمة ضغوطًا غير مسبوقة، بلغت حدَّ فَرْض إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، عقوباتٍ على بنسودا ومسؤول رفيع آخر في المحكمة، بعد فتح تحقيق على خلفية شبهات متعلقة بارتكاب عسكريين أميركيين جرائم حرب في أفغانستان.

2. مُدّعي الإصلاح

في معرض جوابه عن استبيان منظمات المجتمع المدني قبل انتخابه[24]، شدّد كريم خان على أنه سيتخذ تقرير الخبراء خارطة طريق لإصلاح مكتب الادعاء، وتحديد سلّم الأولويات في التحقيقات التي سيباشرها مكتبه. وتعهّد أيضًا بأن يتم التحقيق في القضايا بمشاركة محامين ومحققين من الدولة المعنية، وأن ينظر التحقيق في ظروف التجريم والتبرئة على حد سواء. والتزم بتطبيق قرار حول مبدأ التكامل الذي كان قد خرج به المؤتمر الاستعراضي لجمعية الدول الأطراف عام 2010، والذي “يشجع المحكمة، والدول الأطراف، وسائر الأطراف صاحبة المصلحة […] على مواصلة استكشاف السبل التي يمكن بها تعزيز قدرة السلطات القضائية الوطنية للتحقيق في أشد الجرائم خطورة التي تثير القلق الدولي، والمقاضاة عليها على النحو المبين في تقرير المكتب بشأن التكامل”[25].

يعني تمسُّك كريم خان بتوصيات فريق الخبراء أن التحقيقات التي يستحيل فيها الحصول على تعاون الدول المعنية، أو يتعذر ذلك، لن تحظى بأولوية التحقيق وموارد المحكمة، خاصة تلك التي تستدعي تحرّيات ميدانية، كما هو الشأن بالنسبة إلى جرائم العدوان الإسرائيلي على غزة. ففي محاضرة ألقاها في جامعة كينغز كوليدج اللندنية عام 2015، انتقد خان إحالة مجلس الأمن ملفَّي السودان وليبيا إلى المحكمة، وعاب على المحكمة قبولها هاتين الإحالتين رغم إدراكها أنه من دون تعاون هذه الدول لإجراء تحقيق على الأرض، لن يستطيع المحققون جمع الأدلة، والاستماع إلى الضحايا والبحث عن الشهود، ولن يكون هناك أساس لأي محاكمة عادلة[26]. ويطرح عدم تعاون الدول مشكلة مزمنة بالنسبة إلى المحكمة، باستثناء بعض الدعاوى التي تتم في إطار ما يُعرف بـ “الإحالة الذاتية” Self-referral[27]؛ أي أن تُحيل دولة طرف التحقيق في جرائم ارتُكبت فوق أراضيها، كما هو الشأن بالنسبة إلى فلسطين وخمس إحالات أخرى[28]. ونظرًا إلى هذه العراقيل، يفضّل خان تعزيز قدرات الدول لتتمكن من مقاضاة الأشخاص المتهمين بجرائم الحرب أمام محاكمها الوطنية، وهذا ما يفسّر تعيينه من جهة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، مستشارًا خاصًا، ورئيسًا لفريق تحقيق تابع للأمم المتحدة لدعم جهود الحكومة العراقية من أجل محاسبة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

3. التحقيق عن بعد

الراجح أن ملف فلسطين سيتأثر، أيضًا، بموقف كريم خان من التحقيق عن بعد Remote investigations الذي اعتمد عليه كثيرًا المدّعيان السابقان أوكامبو وبنسودا، نظرًا إلى ارتفاع تكلفة التحقيق الميداني، وعدم وجود عددٍ كافٍ من المحققين، وصعوبة ولوجهم مسرح الجريمة في بعض البلدان. ويأخذ هذا النوع من التحقيق عدة أشكال؛ بما فيها التحقيقات السيبرانية، وإجراء المقابلات عن بعد، وجمع أدلة الإثبات الرقمية[29]. وفي معظم الحالات، كما هو الشأن في فلسطين، تعتمد المحكمة في تحقيقاتها عن بعد على مساعدة “وسطاء” محليين، يجمعون الأدلة ويتصلون بالشهود في مناطق يتعذّر على موظفيها الوصول إليها[30]. لكن تعاقد المحكمة مع الوسطاء، وتفويضها بعض مهمات التحقيق لأطراف محلية مثيرٌ للجدل؛ لما يحتوي عليه من خطر في التلاعب بالأدلة والشهود، كما حدث في أكثر من قضية. وخلال دفاعه عن نائب الرئيس الكيني وليام روتو، تقدّم كريم خان إلى المحكمة الجنائية الدولية بشكوى للتحقيق مع شهود مكتب المدّعية العامة ووسطائه؛ بهدف ملاحقتهم جنائيًا لارتكابهم أفعالًا إجرامية مخلّة بإقامة العدل، بحسب المادة 70 من نظام روما الأساسي، وقد خصّ بالذكر وسيطين من وسطاء المكتب في كينيا، يشتبه في ضلوعهما في تدمير الأدلة، أو العبث بها، أو التأثير في جمعها، فضلًا عن انتقائهما شهودًا تم تدريبهم على الإدلاء بمعلومات كاذبة لمكتب المدعي العام[31].

ويلاحظ أن تضافُر قناعات خان بشأن معايير التحقيق، وتجربته الميدانية التي تعزّزت في العراق، وظرفية الإصلاح تحت ضغوطات دولية، كلّها عوامل جعلته يتعهّد عند توليه منصبه بتحسين أداء الادعاء وإحالة “قضايا أقوى” إلى المحاكمة؛ أي الاقتصار على القضايا التي تشتمل على أدلة وحجج لا تدع مجالًا لشكّ معقول. ويشكّل هذا التعهد قطيعة مع ممارسات سلفَيه؛ ما يحتّم على الفلسطينيين إعادة ترتيب أوراقهم وبلورة استراتيجية تستجيب لمتطلبات التحقيق في ظل الاحتلال.

رابعًا: تسخير المحكمة الجنائية الدولية لخدمة مشروع تحرّر وطني

على الرغم من كل العقبات والعراقيل التي تواجه التحقيق، فإن قرار المحكمة أن اختصاصها القضائي يشمل الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل منذ عام 1967، أي قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، وضع القضية في سياق الاحتلال، ونسف سردية إسرائيل التي تدّعي أن الضفة الغربية وقطاع غزة “مناطق متنازع عليها”. ويكرس إدراج ممارسات الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية ضمن جرائم الحرب التي قد يتمّ التحقيق فيها فكرةَ السياق الاستعماري. ويتيح هذا الطرح فرصة بلورة استراتيجية تتعدى مشروع العدالة الجنائية، وتُسخّر التحقيق لخدمة حركة تحرّرية تسعى لإسقاط نظام الأبارتهايد في فلسطين. وفي حين لا تطمح هذه الورقة إلى وضع استراتيجية لهذا الغرض، فإنها تحاول، في المقابل، طرح بعض العناصر التي يمكن أن تسهم فيها.

1. تجنب السيناريو الأسوأ

يمثّل التزام كريم خان بتعزيز القدرات القضائية الوطنية لضمان تطبيق مبدأ التكامل، فرصةً لتعيد السلطة الفلسطينية النظر في تنازلها للمحكمة الجنائية الدولية عن مقاضاة أفراد من حماس وفصائل أخرى قد تُوجَّه إليهم اتهامات لاحقًا. فحتى إن كان احتمال محاكمتهم من جهة المحكمة الجنائية الدولية ضئيلًا، فإنه ينبغي تفاديه لما ينطوي عليه من نتائج عكسية؛ ذلك أنه من المؤكد أن إسرائيل لن تسمح لمحكمة لاهاي بمساءلة جنودها وقادتها، بحجة أنها ليست دولة طرفًا في نظام روما الأساسي، وأنّ قضاءها الوطني قادر على تحقيق العدالة لرعاياها. وقد سبق أن حاكمت بعض ضباطها وجنودها في محاكمات صورية، ثمّ إنها تتأهب اليوم لخوض معركة قانونية ضد المحكمة الجنائية الدولية عبر تعيينها ضابطًا على رأس فريق من القانونيين للدفاع عن جنودها، في حال ملاحقتهم[32]. وعلى الأغلب، ستقبل المحكمة بتحايل إسرائيل على القانون الدولي الذي يتيحه مبدأ التكامل، حجر الأساس في نظامها. ووفقًا لهذا المبدأ الذي يمنح الصّدارة للقضاء الوطني، قَبِل مكتب بنسودا بأن تقوم حكومة أفغانستان بمقاضاة مواطنيها أمام محاكمها، رغم هشاشة مؤسساتها القضائية التي تفتقد القدرة على محاسبة الجناة، وربما تفتقد أيضًا الرغبة في ذلك. وقرّرت بنسودا أيضًا ألّا تفتح تحقيقًا في جرائم الحرب التي ارتكبها مواطنون بريطانيون في العراق، رغم أن المحاكمات التي أجرتها السلطات البريطانية تحت ضغوطات دولية ومحلية كانت صورية ولم تُفضِ إلى أيّ مساءلة جنائية.

في غياب مساءلة الطرف الإسرائيلي، سيكون مثول شخصيات فلسطينية أمام محكمة لاهاي بتهمة ارتكاب جرائم حرب انتكاسةً لمشروع البحث عن العدالة الدولية، وسيخدم ادعاءات إسرائيل أن الفلسطينيين يحرّضون على العنف ويمارسون “الإرهاب”؛ ما يضطرّها إلى الدفاع عن النفس واستخدام “القوة غير المتناسبة” أحيانًا. ويستوجب ضرب “مظلومية” إسرائيل بناء منظومة قضائية موحّدة بين قطاع غزة والضفة الغربية في أسرع وقت ممكن، واعتماد ترسانة قانونية تخوّل النظر في الجرائم التي تدخل في اختصاص المحكمة الجنائية الدولية. ولا يشكّل هذا الاقتراح طرحًا مثاليًا، وإنما هو مطلب فلسطيني، وحل ممكن من شأنه أن يجنّب فلسطين أسوأ سيناريو ممكن، ويعزز في الوقت ذاته بناء المؤسسات الوطنية، وقد سبق أن أُجريت العديد من الدراسات الفلسطينية والدولية في هذا الشأن. وتتوقف هذه الخطوة على توافر الإرادة السياسية لدى السلطتين الحاكمتين في غزة والضفة.

وكما يتضح في حالتَي أفغانستان وبريطانيا، فإن مقاضاة أفراد من حماس، أو غيرهم، أمام القضاء الوطني لا يعني بالضرورة إدانتهم، خاصة أنه قد سبق أن أخضعت إسرائيل عددًا منهم لعقابها غير الشرعي، وإنما هي ممارسة لأحقية القضاء الفلسطيني في مقاضاة الفلسطينيين، وخطوة تكتيكية لقطع الطريق أمام محاكمة المُقاومين بدلًا من المحتلّ، ودفع المحكمة إلى التركيز على جرائم إسرائيل. ومن شأن تسليم الفلسطينيين لعدالة جنائية دولية توازي بين المحتلّ وضحاياه أن يحوّلهم إلى المتّهم الأول في محكمة لاهاي، تحت تأثير الآلة الإعلامية الغربية، وقد يزيد في تعميق الانقسام بين حماس والسلطة الفلسطينية، بدلًا من أن يعيد اللحمة بينهما.

2. التركيز على جريمة الأبارتهايد

هناك مفارقة بين العدد المرتفع للجرائم الإسرائيلية التي أحالتها السلطة الفلسطينية إلى مكتب المدعي العامّ، ومحدودية قدرات المكتب على التحقيق التي لا تتجاوز بضع قضايا تغطي طرفَي الصراع. وقد يحاول كريم خان بدوره الابتعاد عن الجرائم التي يغلب عليها الطابع السياسي، ليركّز على العمليات العسكرية التي تساوي بين طرفَي النزاع، وتمنح إسرائيل مخرجًا يجنّبها المساءلة الدولية عبر إجراء مزيد من المحاكمات الصورية. ولقد نجحت السلطة في تركيزها على الجرائم المتعلقة بممارسات الاستيطان التي لا يُجرّمها القانون الإسرائيلي، ولا تعرقلها – إلى حد ما – تعقيدات التحقيقات الميدانية، بالنظر إلى أنها سياسة رسمية للدولة ومن أكثر الجرائم توثيقًا، وتتيح أسماء المسؤولين عن بلورتها، والتصديق عليها وتطبيقها، وهو ما أجبر المدعية العامة على إدراج الجرائم المتعلقة بالاستيطان ضمن القضايا التي قد يتم التحقيق فيها. وتجدر الإشارة إلى أن خوف إسرائيل من أن تُحقّق المحكمة في هذه الجرائم تحديدًا جعل القاضي الإسرائيلي إيلي نايتن يعترف في مؤتمر الأمم المتحدة لتأسيس المحكمة الجنائية الدولية، عام 1998، بأنه لو لم يكن نظام روما الأساسي يعتبر “نقل السكان إلى الأراضي المحتلة” من أكثر جرائم الحرب فظاعة لاعتمدته بلاده[33].

وفي إطار تعاونها مع مكتب كريم خان خلال فترة التحقيق وإمداده بالأدلة التي تدعم إحالاتها، ينبغي للسلطة الفلسطينية أن تمنح الأولوية ذاتها لجريمة الأبارتهايد التي لا يجرّمها القانون الإسرائيلي أيضًا، ويوجد في الحيز العام ما يكفي من الوثائق الرسمية والسياسات الحكومية والأدلة الرقمية والشهادات لإثبات ضلوع مسؤولين حكوميين بعينهم في وضع قوانين وسياسات الفصل العنصري وتطبيقها على الأرض. ويوجد أيضًا كمٌّ هائل من التقارير الفلسطينية والإسرائيلية والدولية التي توثّق تفاصيل هذه الجريمة ضد الإنسانية؛ بما فيها تقرير لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) الصادر في عام 2017، وتقرير منظمة هيومن رايتس ووتش بعنوان “تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”. ومن شأن تحقيق المحكمة الجنائية الدولية في نظام الفصل العنصري الإسرائيلي أن يفضح سياساتها الإجرامية التي تستهدف كل أطياف الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وخارجها، ويوحّد بين جلّ جرائم الاستعمار الاستيطاني الإحلالي التي جرَت إحالتها إلى المحكمة بشكل متفرق.

ويخدم التركيز على هذه الجريمة مشروع التحرر الوطني الذي يقترن بإسقاط نظام الأبارتهايد الإسرائيلي والاستيطان في الوقت ذاته، ويرى عزمي بشارة أنه “مع توافر الإرادة للنضال يجب أن تتركز الجهود في مواجهة الصهيونية على محوري قضية الأرض (الاحتلال، والاستيطان، وتهويد القدس، وغيرها) وقضايا العنصرية التي تضع النضال في مواجهة نظام الفصل العنصري”[34]. صحيح أنه لم يسبق لأي محكمة أن لاحقت دولة أو أفرادًا بتُهمة جريمة الفصل العنصري من قبل، لكن لكل شيء بداية، خاصة أنّ المجتمع الدولي قد تحرّر من تهمة المعاداة للسامية التي تُوجّه إلى كل من ينتقد سياسات إسرائيل وممارساتها، بعد أن أصدرت المنظّمة الحقوقية “بتسيلم” الإسرائيلية، في كانون الثاني/ يناير 2021، تقريرًا بعنوان: “نظام تفوّق يهوديّ من النهر إلى البحر: إنّه أبارتهايد”. وجدير بالذكر أيضًا أن “لجنة القضاء على التمييز العنصري” التابعة للأمم المتحدة – بعد ثلاث سنوات من التردّد – قرّرت، بتوافق الآراء، قبول شكوى ضد عنصرية إسرائيل كانت قد تقدّمت بها السلطة الفلسطينية، وأقرّت بانتهاكات إسرائيل لأحكام “الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري” في حق الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية، وقد تتم إحالة الشكوى إلى محكمة العدل الدولية[35].

وتمثّل هذه التطورات والقفزات النوعية أرضيةً صلبة للضغط على كريم خان للتحقيق في جريمة الفصل العنصري الإسرائيلي التي تصنفها المادة 7 من نظام روما الأساسي جريمةً ضد الإنسانية، بوصفها تنطوي على “أفعال لاإنسانية ترتكب في سياق نظام مؤسسي قوامه الاضطهاد المنهجي والسيطرة المنهجية من جانب جماعة عرقية واحدة إزاء أية جماعة أو جماعات عرقية أخرى، وترتكب بنيّة الإبقاء على ذلك النظام”. وسيصعب على المدعي العام الجديد تجاهل التحقيق في مزاعم جريمة تدخل في اختصاص المحكمة، في حال تقديم الأدلة والإثباتات القاطعة، وشعوره بضغط السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني والرأي العام الدولي، بما في ذلك شبكة “الائتلاف من أجل المحكمة الجنائية الدولية” التي تساند القضية الفلسطينية في المحكمة، وتضم الشبكة 2500 منظمة غير حكومية من 150 دولة، تتقدمها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية ومنظمات وازنة أخرى.

3. تأسيس مجموعة دعم دولية

في ظل تراجع دعم بعض الحكومات العربية للقضية الفلسطينية وزيادة الدعم الدولي، تحتاج فلسطين إلى أن تتحرك داخل مجموعة دعم دولية واسعة، وفقًا لاستراتيجية تحرّر من نظام الأبارتهايد الإسرائيلي وتحقيق تقرير المصير. ويتسم الوجود العربي في المحكمة بالضعف؛ إذ يقتصر على فلسطين والأردن وتونس وجيبوتي وجزر القمر، ولم تنجح الدول العربية بأكملها في انتخاب قاضٍ عربيٍّ واحدٍ يمثّلها في الدوائر القضائية منذ انطلاق عمل المحكمة، في حين تستغل الدول المانحة، الغربية واليابان، نفوذها لتستفرد بأكبر عدد من القضاة، وهو أمرٌ يمثّل انتهاكًا لقاعدة التمثيل الجغرافي بالمحكمة[36]. ورغم ذلك، تحظى فلسطين بدعم العديد من الدول داخل كل مجموعة من المجموعات الجغرافية الخمس التي تُكوّن الدول الأطراف الـ 123 في نظام روما الأساسي: مجموعة الدول الأفريقية (33 دولة)، ومجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي (28 دولة)، ومجموعة دول أوروبا الغربية والدول الأخرى (25 دولة)، ومجموعة دول آسيا والمحيط الهادي (19 دولة)، ومجموعة دول أوروبا الشرقية (18 دولة).

وإذا كانت مجموعة دول أوروبا الغربية، مثلًا، تضم دولًا تعارض بشدة التحقيق، مثل كندا وألمانيا، فإنها تضمّ في المقابل أشد الدول الغربية مناصرةً لفلسطين (مثل السويد، وإيرلندا التي صوّت برلمانها على أن بناء الاحتلال الإسرائيلي للمستوطنات هو “ضم فعلي للأراضي الفلسطينية”)، ودعوةً إلى فرض عقوبات شاملة في حق تل أبيب. ويتجلّى هذا الدعم أيضًا من خلال الرسالة التي وقّعها مؤخرًا أكثر من 50 رئيس حكومة ووزير خارجية وشخصيات أخرى تساند التحقيق بشأن جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ويتيح ذلك فرصة إحداث شبكة أصدقاء فلسطين، لتعمل بوصفها مجموعة ضاغطة داخل جمعية الدول الأطراف، والمنظمات الدولية الأخرى كالاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ويخول الدّعم الذي تحظى به فلسطين داخل الجمعية أن تطلب السلطة انعقاد دورة استثنائية متى تبيّن أن التحقيق في الحالة في فلسطين يتعرض لمماطلة أو تهميش أو تحوير. ويجوز عقد دورات استثنائية للجمعية بمبادرة من مكتبها، الذي يضم حاليًا ممثلًا عن فلسطين، أو بناءً على طلب من ثلث الدول الأطراف وفقًا للفقرة 2 من المادة 112 من النظام الأساسي.

خاتمة

يتضح مما سبق أنّ تمازج القانون والسياسة في بنية المحكمة الجنائية الدولية يحتّم على الفلسطينيين وضع استراتيجية توافق بين القانون الدولي والسياسة. فالمحكمة الجنائية منظمة حكومية دولية تخضع لإرادات الدول السياسية التي جاءت بها إلى الوجود، وقد تمحوها منه إن قررت الاستغناء عن خدماتها القضائية. لكن لا شك في أن اللجوء إلى هذه المحكمة، إن تمّ تفادي خطر محاكمة المقاومة الفلسطينية في لاهاي، قد يساهم تكتيكيًا في حشد مزيد من الدّعم للنضال السياسي الفلسطيني، خاصة في ظل ازدياد الوعي الدولي بمظلومية الفلسطينيين تحت نظام الأبارتهايد الإسرائيلي. ومع ذلك، لا يمكن لمحكمة لاهاي، أو لأي محكمة أخرى، أن تكون “الملاذ الأخير” بالنسبة إلى الفلسطينيين، أو بديلًا من مشروع نضال وطني يكفل لهم العدالة عبر إسقاط نظام الفصل العنصري؛ ذلك أن تجربة فلسطين في المحافل الدولية منذ أن استصدرت بريطانيا قرار عصبة الأمم، في 24 تموز/ يوليو 1922، الذي أدرج وعد بلفور في مقدمة صكّ انتدابها على فلسطين، تمثّل أكبر دليل على عدم سيادة القانون أمام موازين القوى على الأرض.

[1] International Criminal Court, “Referral from the State of Palestine Pursuant to Articles 13(a) and 14 of the Rome Statute,” ICC Legal Tools Database, 22/5/2018, pp. 5-7, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/2ZbX5cy

[2] Committee on the Elimination of Racial Discrimination, “Inter-state Communication Submitted by the State of Palestine Against Israel,” CERD/C/100/3, 12/12/2019, Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR), accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/371Yk1X

[3] هيومن رايتس ووتش، “تجاوزوا الحد: السلطات الإسرائيلية وجريمتا الفصل العنصري والاضطهاد”، 27/4/2021، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3f1X7Mm

[4] International Criminal Court, “Situation in the State of Palestine: Prosecution Request Pursuant to Article 19(3) for a Ruling on the Court’s Territorial Jurisdiction in Palestine,” ICC-01/18-12, 22/1/2020, para. 94, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/37e18cH

[5] International Criminal Court, “Situation in the Islamic Republic of Afghanistan: Decision Pursuant to Article 15 of the Rome Statute on the Authorisation of an Investigation into the Situation in the Islamic Republic of Afghanistan,” ICC-02/17-33, 12/04/2019, para. 36, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3y29hfP

[6] International Criminal Court, “About Office of the Prosecutor,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3rJdBOQ

[7] International Criminal Court, Independent Expert Review of the International Criminal Courtand the Rome Statute System, Final Report (The Hague: International Criminal Court, 2020), p. 312, para. 950, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3i7Aeta

[8] Ibid., p. 12, para. 26; Sascha Rolf Lüder, “The Legal Nature of the International Criminal Court and the Emergence of Supranational Elements in International Criminal Justice,” International Review of the Red Cross, vol. 84, no 845 (2002), pp. 2-3, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/2VavVEc

[9] International Criminal Court, “Assembly of States Parties,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3rzxxDL

[10] الأمم المتحدة، الجمعية العامة، “تقرير المحكمة الجنائية عن أنشطتها في الفترة 2019-2020: مذكرة من الأمين العام”، الدورة الخامسة والسبعون، A/75/324، 24/8/2020، الفقرة 72، ص 18، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3eUrnZJ

[11] نُفّذت الأحكام الصادرة في حق أحمد الفقي المهدي (مالي)، وتوماس لوبانغا، وجرمان كاتانغا، وبوسكو نتاغاندا (جمهورية الكونغو الديمقراطية)، لارتكابهم جرائم دولية. وما زال الحكم الصادر في حق القائد السابق لحركة “جيش الرب” الأوغندي، دومينيك أونجوين، رهن الاستئناف. وقد أصدرت المحكمة إدانات أخرى لا تدخل في حصيلة الجرائم الدولية تتعلق بالتلاعب بشهادات الشهود، وهي جريمة مخلّة بإدارة العدالة بموجب المادة 70 من نظام روما الأساسي، وتخص كلًّا من جان جاك مانغيندا كابونغو، وفيديل بابالا واندو، وإيمي كيلولو موسامبا (قضية جان بيير بمبا)، وبول غيشرو، وبول فيليب كيبكوش، وبيت ألتر أوسابيري باراسا (قضايا متعلقة بكينيا). ينظر لائحة المتهمين على الموقع الإلكتروني للمحكمة، مع مراعاة أنها تحتاج إلى تحديث، شوهد في 7/7/2021، في:

International Criminal Court, “Trying Individuals for Genocide, War Crimes, Crimes Against Humanity, and Aggression,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3eYdD07

[12] Richard Goldstone, “Acquittals by the International Criminal Court,” European Journal of International Law Blog, 18/1/2019, accessed on: 7/7/2021, at: https://bit.ly/3eZlLxr

[13] “Based on Information Provided to the Experts, on Average only about 38% of OTP Charges have been Confirmed during Pre-trial Proceedings,” in: International Criminal Court, Independent Expert Review, footnote 563.

[14] Coalition for the International Criminal Court, “Report of the 15th Assembly of States Party Session, The Hague, 16-24 November 2016,” pp. 29-30, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3iJESMU; Human Rights Watch, “ Submission to the Independent Expert Review of the International Criminal Court,” 15/4/2020, pp. 14-16, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3kVs2hn

[15] International Criminal Court, Assembly of States Parties, “Report of the Committee on Budget and Finance on the work of its thirty-fifth session,” Nineteenth Session, New York, 7-17 December 2020, ICC-ASP/19/15, pp. 8-9, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/2UKCPjS

[16] International Criminal Court, Independent Expert Review, p. 56, para. 176.

[17] Stuart Ford, “What Investigative Resources Does the International Criminal Court Need to Succeed? A Gravity-Based Approach,” Washington University Global Studies Law Review, vol. 16, no. 1 (2017), pp. 66-67, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3i6vy6x

[18] المحكمة الجنائية الدولية، جمعية الدول الأطراف، “القرار ICC-ASP/19/Res.7اعتُمد بتوافق الآراء في الجلسة العامة الخامسة المعقودة في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2020: استعراض المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما الأساسي”، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3y2Ahfb

[19] International Criminal Court, IndependentExpert Review, para.684, pp. 221-222.

[20] Ibid., recommendations 230-231, p. 219.

[21] Ibid., p. 206; p. 244, footnote 420; recommendations 268-271, pp. 240-241.

[22] International Criminal Court, Assembly of States Parties, “Statement of Qualifications: Karim Khan QC,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3f0U33c

[23] الأحمدية جماعة أسّسها ميرزا غلام أحمد بقاديان، إحدى القرى بالبنجاب في الهند (باكستان حاليًا)، في عام 1889، ويؤمن أتباع الجماعة بجميع أركان الإسلام وبنبوّة الرسول محمد، ويؤمنون أيضًا بأن مؤسّسها هو “المسيح” و”المهدي الموعود”، وتعرضت الجماعة بسبب معتقداتها لتكفير واضطهاد في جل البلدان الإسلامية، خاصة في باكستان. لمزيد من المعلومات، ينظر: “ملامح الجماعة الإسلامية الأحمدية”، الموقع العربي الرسمي للجماعة الإسلامية الأحمدية، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3l5YzBv

[24] Coalition for the International Criminal Court, “Prosecutorial Candidates Questionnaires 2020,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3zCPt30

[25] المحكمة الجنائية الدولية، جمعية الدول الأطراف، “القرار RC/Res.1 اعتمد بتوافق الآراء في الجلسة العامة التاسعة المعقودة في 8 حزيران/ يونيه 2010: التكامل”، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3rCiqcr

[26] Karim Khan & Rodney Dixon, “International Justice in Practice: Case Studies in Conflict and Controversy,” Conference at King’s College, University of London, London, 28/10/2015, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3zGkO4M

[27] William A. Schabas, “Complementarity in Practice: Some Uncomplimentary Thoughts,” International Criminal Court, ICC-01/05-01/08-721-Anx11, 16/3/2010, pp. 5-9, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3rFuCtg

[28] تجري إحالة الدعوى إلى المحكمة الجنائية الدولية من إحدى الجهات الثلاث التالية: الدول الأطراف، أو مجلس الأمن، أو بمبادرة من المدعي العام، على أنْ موافقة الدائرة التمهيدية. القضايا التي فُتحت فيها تحقيقات بممارسة دول الإحالة الذاتية هي: أوغندا (2004)، وجمهورية الكونغو الديمقراطية (2004)، وجمهورية أفريقيا الوسطى 1 (2004)، ومالي (2012)، وجمهورية أفريقيا الوسطى 2 2014))، وفلسطين (2015). وكان مجلس الأمن وراء إحالتين: السودان (2005)، وليبيا (2011)، وحرّك المدعي العام أوكامبو قضيتين: كينيا (2010)، وكوت ديفوار (2011)، وحركت بنسودا أربع قضايا يجري التحقيق فيها حاليًّا: جورجيا (2016)، وبوروندي (2017)، وبنغلاديش/ ميانمار (2019)، وأفغانستان (2020)، ينظر:

International Criminal Court, “The Court Today,” accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3xdriXu

[29] International Criminal Court, IndependentExpert Review, paras: 776-777, p. 249.

[30] International Criminal Court, “Guidelines Governing the Relations Between the Court and Intermediaries for the Organs and Units of the Court and Counsel Working with Intermediaries,” March 2014, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3eZJsWk

[31] International Criminal Court, “Situation in the Republic of Kenya in the Case of the Prosecutor V. William Samoei Ruto and Joshua Arap Sang,” 2/5/2016, p. 3, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3eVtNav

[32] “إسرائيل تُعين ضابطًا رفيعًا للدفاع عن جنودها أمام محكمة الجنائية،” شبكة الكرمل الإعلامية، 8/2/2021، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/3iPOLZA

[33] “Statement by Judge Eli Nathan, at the UN conference on the Establishment of an International Criminal Court- 17 July 1998,” Israel Ministry of Foreign Affairs, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3ycQLkY

[34] عزمي بشارة، “مستقبل القضية الفلسطينية ومآلاتها في ظل الوضع الراهن”، ضمن أعمال المؤتمر الخامس للدراسات التاريخية “سبعون عامًا على نكبة فلسطين: الذاكرة والتاريخ”، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 12-14 أيار/ مايو 2018، ص 16، شوهد في 7/7/2021، في: https://bit.ly/375qh90

[35] “Committee on the Elimination of Racial Discrimination Closes One Hundred and Third Session After Adopting Concluding Observations on the Report of Belgium and a Statement on the Rise of Racial Discrimination Against Asians and People of Asian Descent,” Office of the United Nations High Commissioner for Human Rights (OHCHR), 30/4/2021, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/3zGEHZG

[36] Open Society Justice Initiative, Raising the Bar: Improving the Nomination and Election of Judges to the International Criminal Court (New York: Open Society Foundations, 2019), p. 33, accessed on 7/7/2021, at: https://bit.ly/2WoKNj0

عائشة البصري: كاتبة وإعلامية مغربية.  دبلوماسية سابقة بالأمم المتحدة. تعمل حاليًّا مستشارة دولية في مجال حقوق الإنسان.  باحثة سابقة بمركز دراسات المخيال في مدينة شامبري بفرنسا.  حصلت على جائزة رايدنهاور الأميركية لكاشفي الحقيقية عام 2015.

عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عائشة البصري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *