واقع الإعلاميات الفلسطينيات تحت الإبادة

مقدمة

يتعرض قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، إلى إبادة ممنهجة إسرائيلياً، تستهدف في جوهرها الوجود الفلسطيني على الأرض، من دون أي مراعاة للقانون الدولي الإنساني. وفي هذا السياق لم يكن الصحافيون والصحافيات بمعزل عن الاستهداف الإسرائيلي، بل شكلوا هدفاً مباشراً لآلة القتل الإسرائيلي، في عملية تظهر تفاصيلها كعملية استهداف متعمدة ومبيّتة لاغتيال الكلمة والصورة، وإسكات الصحافيين والصحافيات الذين يحاولون نقل حقيقة ما يجري على الأرض من جرائم ضد الإنسانية.

في قطاع غزة، حيث تُغتال الحقيقة بالصوت والصورة، لا يحمل الصحافي الكاميرا فحسب، بل يحمل روحه على كفه أيضاً، كلما همّ بالخروج لتوثيق لحظة أو رواية أو واقع. فمنذ بدء الإبادة الإسرائيلية، تحولت غزة إلى واحدة من أخطر بقاع الأرض على حياة الصحافيين والصحافيات، الذين باتوا أهدافاً مباشرة في صراع لم يعد يفرق بين حامل السلاح وحامل القلم.

لا يمكن النظر إلى هذه الإبادة كباقي الحروب، إذ لم تقتصر فقط على استهداف البنى التحتية أو المدنيين، بل اتخذت من العاملين والعاملات في الحقل الإعلامي خصماً وجودياً لها، فحُرموا من الحماية وتعرضوا للاغتيال والتشريد، وفُقد العشرات منهم تحت الأنقاض، ومع ذلك استمر الصحافيون والصحافيات في أداء رسالتهم، فباتت أجسادهم دروعاً للحقيقة، ودماؤهم حبراً لكتابة الرواية وحفظ السردية الفلسطينية، التي حاول الاحتلال طمسها وإخفاءها عن أعين العالم.

شكّلت الحرب ظهوراً لافتاً للصحافيات الفلسطينيات، على مستوى مساهمتهن في تغطية مجريات الحرب وسط ظروف أمنية وإنسانية قاسية، مقترنة بضغوط نفسية واجتماعية ومخاوف عائلية كبيرة، ما جعل تغطية هذه الحرب هي الأخطر على الإطلاق، قياساً بتغطية أي عدوان إسرائيلي سابق، خصوصاً مع بروز عوامل جديدة كالنزوح من البيوت، وترك أماكن العمل الأصلية، والانتقال إلى مناطق تفتقر إلى أدوات العمل الصحافي الأساسية والكثير من معداته. بالإضافة إلى المجاعة التي ضربت قطاع غزة، وشحّ الأدوية، واضطرار الصحافيات وسط هذه الظروف المعقدة إلى القيام بدورهن الإنجابي والمهني معاً.

تسعى هذه الورقة إلى رصد وتحليل الواقع الميداني للصحافيات في غزة خلال الحرب، مع التركيز على التحديات التي واجهتهنّ- ولا تزال – والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، وحاجاتهن في مرحلة ما بعد الحرب، بالإضافة إلى قراءة نقدية للبيئة القانونية والمهنية التي تحيط بعملهنّ. ولفهم تفاصيل ما تعرّضت له الصحافيات، يتطلب الأمر ابتداءً التنويه إلى ظروف عمل الصحافيات قبل الإبادة، وصولاً إلى ما تعرّضن له خلال الإبادة.

استندت الورقة إلى المنهج الوصفي التحليلي كمنهج رئيسي، باعتباره المنهج الأنسب لتحليل واقع الصحافيات، والذي استند في عملية جمع المعلومات إلى مراجعة البيانات، وتوظيف الشهادات الحية للصحافيات كنماذج لدراسة الحالة، عبر المقابلات ومراجعة كافة التقارير والإحصائيات الرسمية والدولية الصادرة بشأن الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للعمل الصحافي في قطاع غزة.

واقع الإعلاميات الفلسطينيات قبل الإبادة

شهد واقع الصحافة الفلسطينية عموماً والصحافيات الفلسطينيات خصوصاً، قبل حرب الإبادة، تقلبات متعددة في إطار الواقع الفلسطيني الذي تعرّض لجملة من التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصحية، خلّفت أثراً عميقاً على واقع عمل الصحافيات، سواء على مستوى الاستقرار الوظيفي أو قدرتهن على إيجاد فرص عمل، وصولاً إلى تبعات الانقسام السياسي وجائحة كورونا سنة 2020، والتي أدت إلى إغلاق العديد من المؤسسات الإعلامية، وفقدان الكثير من الصحافيات فرص عملهن، وانضمامهن إلى صفوف البطالة.

وبحسب دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة فلسطينيات سنة 2021، فقد أثّرت الظروف السياسية والاقتصادية التي تمرّ بها الأراضي الفلسطينية على المؤسسات الإعلامية المحلية كثيراً، إذ علّقت بعض هذه المؤسسات أعمالها في الأعوام الخمسة التي سبقت سنة 2021، جرّاء الأزمة المالية التي شهدتها هذه المؤسسات بسبب عوامل عديدة أهمها غياب أو شحّ التمويل، أو سوء الإدارة الذي أدى إلى تفاقم الأزمات المالية، أو بسبب جائحة كورونا التي أثّرت على التمويل المحلي “التجاري”، خصوصاً من القطاع الخاص.

وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني سنة 2021، أن نسبة البطالة بين خريجي الصحافة والإعلام بلغت 45.6%، وعلى الرغم من أن تخصص الصحافة والإعلام هو أكثر تخصص ترتفع فيه البطالة وفقاً للإحصائية، إلاّ إنها أعلى بين النساء، إذ تصل إلى 58.6% مقارنة بالذكور الذين تبلغ نسبة البطالة بين خريجيهم 38.4%. وتعدّ هذه النسبة ثاني أعلى معدل بطالة بين النساء بعد نسبة البطالة في تخصص خدمات الأمن، والتي بلغت 76%.[1] وفي السياق نفسه، فإن 22.7% من المسجلين في نقابة الصحافيين هنّ من النساء، مقابل 77.3% ذكور، كما أن نسبة الإناث من رؤساء التحرير هي 15.7% مقابل 84.3% للذكور[2]، إذ يتربع الرجال على كراسي رئاسة تحرير الصحف الرئيسية اليومية، كما يتولّون رئاسة تحرير أغلب المؤسسات الإعلامية، فيما عدا وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا”. ويشير كتاب الإحصاء السنوي “المرأة والرجل قضايا وإحصاءات” لسنة 2018، إلى أن الصحافيات يشكلن حوالي 30% من أعضاء نقابة الصحافيين، إلا إنه لا توجد أرقام واضحة لأعداد الصحافيات المنتسبات للنقابة، أو العاملات في مجال الإعلام في فلسطين، سواء كنّ عاملات بشكل كامل أو جزئي أو بالقطعة.

وتؤكد البيانات السابقة صعوبة الواقع الذي كانت تعمل فيه الصحافيات الفلسطينيات قبل حرب الإبادة، وخصوصاً مع أدائهن أدواراً مركّبة (سواء أمهات أو معيلات لآبائهن)، وقد تعقّدت هذه المسؤوليات أكثر بسبب الحرب.[3]

 حقائق ومؤشرات إحصائية حول الإعلاميات الفلسطينيات

يشير “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” في تقرير “المرأة والرجل في فلسطين قضايا وإحصاءات”، الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 2022 إلى أن 20,5% فقط من الصحافيين المسجلين في نقابة الصحافيين الفلسطينيين هنّ من النساء؛ وتشغل النساء 17,6% من مناصب رؤساء التحرير، ويتركزن في الضفة الغربية (صفر رئيسات تحرير في قطاع غزة بحسب المصدر نفسه[4])، وهي معلومة بحاجة إلى تدقيق بحسب مؤسسة فلسطينيات، فهناك مجلة “الغيداء” التي تصدر عن مركز شؤون المرأة منذ 1997، وصدرت ملونة ورقياً منذ سنة 2012، وفي ظل التحول الإلكتروني صدر عدد كبير من الوكالات الإلكترونية التي تقودها نساء مثل “البوابة 24″ الصادرة سنة 2021، و”بي دي إن” سنة 2020، وغيرهما. ويذكر أن الصحافية سمر شاهين، عملت سكرتيرة لجريدة “فلسطين” اليومية منذ تأسيسها سنة 2007، ومنذ سنة 2016 أصبحت مديرة التحرير، وقائمة بأعمال رئيس التحرير، وجريدة “فلسطين” هي أهم جريدة تصدر في قطاع غزة. كما أن مجلة “السعادة” الصادرة في غزة منذ 2002 ورقياً، ثم تحولت إلكترونياً سنة 2018؛ تولّت قيادتها رئيسات تحرير نساء.

وتؤكد جمعية فلسطينيات عبر أبحاثها الصادرة عن مؤتمرها السنوي “الإعلاميات يتحدثن”2021-2022، أن الصحافيات الفلسطينيات يمثلن ثلث العاملين/ات في هذا القطاع. ويبلغ عدد عضوات نادي الإعلاميات الفلسطينيات في قطاع غزة تقريباً 600 عضوة، ما يعني أن مجموع الصحافيين/ات في قطاع غزة يقرب من 1800 إعلامي وإعلامية على الأقل، قبل الإبادة ودخول جيل جديد لعالم الإعلام.[5]

بيئة عمل الإعلاميات الفلسطينيات قبل الإبادة

عملت الإعلاميات الفلسطينيات في بيئة استثنائية تجمع بين عنف الاحتلال المباشر- قتل، واعتداءات جسدية واعتقال، وتقييد حركة- والانقسام السياسي الذي انعكس على المشهد الإعلامي، بل أصبح الإعلام مرآته. لتختار الكثيرات من المبدعات منهن الوقوف جانباً، تحديداً في ظل اعتداءات “الحكومتين” على الصحافيات، والتحديات الاقتصادية من غياب فرص العمل وتحول أغلب الإعلاميات إلى العمل بالقطعة، أو القبول بتدني الأجور، أو التمييز في الأجور بينهن وبين زملائهن الرجال في ظروف وبيئة عمل قاهرة – تحديداً في قطاع غزة – مع تدمير كثير من المؤسسات الإعلامية في العدوانين الإسرائيليين 2014، 2021، ليصبح غياب أدوات السلامة تحدٍ مغلف ببعض الترف!

عانت الإعلاميات أيضاً من تحديات نفسية حادة ومركبة أمام اعتداءات متنوعة الأطراف، وضغوط مجتمعية وأسرية. هذه الإشكاليات المتداخلة خلقت واقعاً مركّباً، تطلّب استجابة عاجلة وشاملة على مستويات متعددة، قانونياً ونفسياً واقتصادياً ومجتمعياً، لضمان حمايتهن وتمكينهن من أداء دورهن الحيوي في ظروف آمنة وكريمة.

واقع الإعلاميات الفلسطينيات في أثناء الإبادة

واجهت الصحافيات في ضوء الإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، واقعاً بالغ القسوة، حيث تتكثف التحديات البنيوية والجندرية والمهنية بصورة غير مسبوقة. فإلى جانب تعرّضهن للاستهداف المباشر في أثناء ممارسة عملهن، تعاني الصحافيات من تهميش مزدوج: بصفتهنّ عاملات في مجال محفوف بالمخاطر، وبصفتهنّ نساء في سياق ثقافي ومؤسساتي لا يزال يقيّم الأدوار الجندرية بمعايير تمييزية. من هنا، يصبح التحليل النسوي ضرورة لفهم طبيعة العنف المركب الذي تتعرض له الصحافيات، والذي يتجلى في تقييد الحركة، وغياب أدوات الحماية، وافتقار المؤسسات الإعلامية إلى سياسات تراعي النوع الاجتماعي، خصوصاً خلال الأزمات.

ينسجم هذا الواقع مع ما تشير إليه الأدبيات النسوية، مثل ما قدمته سينثيا إنلو حول مركزية “تجربة النساء” في النزاعات[6]، وضرورة إعادة تأطير تحليل الحروب والنزاعات من وجهة نظر نسوية تكشف “اللا مرئي” في الخبر والتحليل. كذلك، يتلاقى الوضع في غزة مع مداخل نظرية النسوية الراديكالية، التي ترى أن الحرب تعيد إنتاج هياكل السيطرة الذكورية، حتى داخل المؤسسات التي من المفترض أن تكون مهنية وحيادية، كالمؤسسات الإعلامية.

أما من منظور حقوق الإنسان، فإن هذا التمييز يعد انتهاكاً واضحاً للحق في العمل، وحرية التعبير، والمساواة في فرص السلامة والمهنية، كما تنص عليها الاتفاقيات الدولية كاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تطالب الدول والمؤسسات بتهيئة بيئة عمل آمنة ومتساوية للنساء، حتى في أوقات النزاعات.

الانتهاكات والتحديات التي واجهت العمل الصحافي عموماً والصحافيات خصوصاً خلال الإبادة

تتنوع وتتداخل الانتهاكات التي تواجه بيئة العمل الصحافي في قطاع غزة خلال الإبادة، بصورة عامة، إلا إن هناك تحديات مضاعفة ومركبة تواجه الصحافيات على وجه التحديد، وفيما يلي أبرز تلك الانتهاكات والتحديات التي تعرضت لها الصحافيات الفلسطينيات خلال الإبادة:

أولاً: البعد المهني (الاستهداف المباشر، فقدان الأدوات، تدمير المقرات)

شهدت الساحة الإعلامية خطراً متزايداً على العمل الصحافي منذ بدء حرب الإبادة، فقد استشهد 303 من الصحافيين بحسب توثيق مركز الميزان لحقوق الإنسان، في حين وثقت مؤسسة فلسطينيات استشهاد 280 صحافياً وصحافية، بينهم 47 صحافية، كانت الصحافية مريم أبو دقة أحدثهن، إذ انضمت إلى شهداء الحقيقة برفقة أربعة من زملائها الصحافيين، عند استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي يوم 25 آب/ أغسطس 2025 للطابق العلوي بأحد أقسام مجمّع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة.

ونقل الموقع الإلكتروني للأمم المتحدة يوم 26 آب/ أغسطس توثيقاً يفيد بأن الغارة الأولى لجيش الاحتلال الإسرائيلي تسببت باستشهاد صحافي، والثانية تسببت باستشهاد ثلاثة آخرين بينهم مريم أبو دقة، وطالب البيان العالم التحرك من أجل المطالبة بالمساءلة والعدالة وليس إلى الصمت، ونقل عن المتحدث باسم المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ثمين الخيطان، قوله: “رأينا ووثقنا العديد من الهجمات غير المقبولة على الصحافيين”، مشيراً إلى مقتل ما لا يقل عن 247 صحفياً فلسطينياً في غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. وأكد أن “هؤلاء الصحافيين هم عيون وآذان العالم بأسره، وينبغي أن تتم حمايتهم”، وأضاف : “يثير هذا الأمر الكثير من التساؤلات حول استهداف الصحافيين، ويجب أن يتم التحقيق في كل هذه الحوادث بشكل مطلق، وأن تتم محاسبة المسؤولين عنها. في الوقت الحالي، يواصل زملاؤنا التحقق من المعلومات بشأن غارات الأمس.”[7]

مريم التي تعمل مصورة لصحيفة “إندبندنت” البريطانية، كانت قد صرحت في فيديو منشور على حساب الفيسبوك لمؤسسة فلسطينيات في 13 نيسان/ أبريل 2025، أن عودة الحرب أثارت المخاوف لدى الصحافيين، لأن الاحتلال عمل على استهدافهم منعاً لنقل الرسالة الإعلامية، وأن هذا (نقل الرسالة) شكّل ضغطاً على الاحتلال لكن قتل الأبرياء استمر، فالصحافة تنقل فقط 50% من الجرائم التي تجري، داعية العالم إلى الوقوف مع أهالي قطاع غزة والعمل لوقف الحرب، كما طالبت بتوفير الحماية للصحافيين ودعمهم، وتمكينهم من مواصلة نقل الرسالة، خصوصاً بعد تدمير معداتهم.[8]

وتشير حادثة استشهاد الصحافية أبو دقة، إلى ما تعرّض له الصحافيون الفلسطينيون من استهداف مباشر، لمنعهم من نقل صورة ما يجري في قطاع غزة من جرائم، ولم تكن الصحافيات بمنأى عن الاستهداف المباشر للاحتلال، كما تعرض العديد من الصحافيين والصحافيات للإصابة خلال عملهم الصحافي، أو أثناء نزوحهم إلى أماكن ظنوا أنها آمنة.

ووثقت لجنة حماية الصحافيين cjp منذ بدء الحرب الإسرائيلية على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ما لا يقل عن 162 حالة إصابة للصحافيين، وحالتين مفقودتين. وتعتقد اللجنة أن العدد الحقيقي للصحافيين الفلسطينيين المصابين أعلى من ذلك على الأرجح، وتواصل التحقيق في حالات إضافية. وتحصي اللجنة حالات الصحافيين التي تمكنت من توثيقها، وتواصل التحقيق في حالات أُخرى[9]، فقد وثقت نقابة الصحافيين الفلسطينيين على موقعها الإلكتروني ما مجموعه 535 صحافياً/ـة أصيبوا خلال الحرب.[10]

سلمى القدومي هي صحافية ومصورة فلسطينية تعرضت للإصابة من استهداف مباشر، وفي شهادتها روت أنها يوم 18 آب/ أغسطس 2024، كانت برفقة صحافيين يعملون على تغطية نزوح المواطنين من منطقة حمد بمحافظة خانيونس جنوبي قطاع غزة. وقد انقسموا إلى فريقين يرتدون الزي المميز لهم، إلا إنها فوجئت بتقدم آليات الاحتلال وإطلاق النار المباشر في اتجاه المواطنين والصحافيين، ما أدى إلى استشهاد الصحافي إبراهيم محارب وخمسة مواطنين وإصابتها برصاصة في الظهر من دبابة، وحين سقطت على الأرض، مصابة، منع جيش الاحتلال الإسعافات من التقدّم إلى المنطقة فيما كانت تنزف، وكان يتم استهداف كل من يقترب، ما اضطر زملاءها إلى نقلها على عربة كارو (عربة تجرها دابة)، وما زالت حتى الآن تعاني صحياً من تبعات الإصابة بالرصاصة التي اخترقت جسدها (إصابة مدخل ومخرج).[11]

ويوم 3 تموز/ يوليو 2025، أطلقت مسيّرة إسرائيلية الرصاص على مراسلة تلفزيون “فلسطين” في مدينة غزة، إسلام الزعنون، في أثناء عملها على إتمام التغطية الصحافية، ما تسبب بإصابتها برصاصة في الكتف استدعت نقلها إلى المستشفى، على الرغم من أنها حين أصيبت كانت ترتدي الزي المميز لها كصحافية.

ويتضح مما سبق أن الصحافيات الفلسطينيات كما الصحافيون، كانوا هدفاً مباشراً للاحتلال الإسرائيلي بالقتل والإصابة والاستهداف المباشر في ميدان العمل، لمنعهم من مواصلة عملهم في التغطية الصحافية، إلى جانب انتهاكات أُخرى تعرضوا لها خلال حرب الإبادة، كتعرضهم للقصف وهم داخل بيوتهم أو في أماكن نزوحهم.

ثانياً: تحديات لوجستية مرتبطة بفقدان أدوات العمل الصحافي

تسبب جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال حربه على قطاع غزة بإحداث تدمير كبير بالبنى التحتية للمدن الفلسطينية والمباني والمنشآت، وكان بينها مقار الكثير من المؤسسات الإعلامية ومنازل للصحافيين والصحافيات، ما تسبب بفقدان أغلبيتهم لأدوات العمل الصحافي كالهواتف المحمولة والكاميرات وأجهزة البث وأجهزة التسجيل والمونتاج، وانقطاعهم عن مؤسساتهم الإعلامية جرّاء النزوح المتكرر. بالإضافة إلى تأثير انقطاع الكهرباء والإنترنت على مجمل العمل الصحافي في قطاع غزة، ما عرقل بصورة كبيرة قدرتهم على أداء رسالتهم/ن الإعلامية.

وأظهرت دراسة أجرتها مؤسسة أريج Arab Reporters for Investigative Journalism (ARIJ) نشرت نتائجها في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، أن 92 % من الصحافيين/ات المستطلَعة آراؤهم، فقدوا معدات التغطية الصحافية (كاميرات-تسجيلات-أجهزة حاسوب)، بالإضافة إلى أن 91% منهم لم يكن لديهم معدات الحماية كالسترات الواقية والخوذ، هذه العوامل، إلى جانب تدمير مكاتب الوسائل الإعلامية وانقطاع الإنترنت والكهرباء، جعلت من بيئة العمل الإعلامي في غزة “بين الأخطر والأكثر تعقيداً” عالمياً، كما بينت الدراسة أن 88% من الصحافيين تدمرت منازلهم، بالإضافة إلى أن 96% منهم نزحوا من بيوتهم، وقال 60% منهم أنهم يعيشون في خيم.[12]

في ظل هذا الواقع، فقدت معظم الصحافيات الفلسطينيات أدوات العمل الصحافي الخاصة بهن، واضطررن إلى النزوح عن أماكن سكنهن، ما جعل قدرتهن على التغطية الصحافية أصعب، وبحسب شهادة الصحافية حنين حمدونة التي تعمل في موقع “دنيا الوطن”، ونزحت من مدينة غزة إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، فقد انقطعت عن مكان عملها، وعانت من مشكلة انقطاع الإنترنت والمواصلات ووسائل الحماية والكهرباء، حتى إنها كانت تحتاج إلى ساعة كاملة من السير على الأقدام كي تصل إلى خيمةٍ مخصصة للصحافيين داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وكثيراً ما اضطرت إلى استخدام وسائل نقل بدائية (عربة تجرها دابة)، ما يجعل الطريق إلى مكان ممارسة العمل محفوفاً بخطرٍ إضافي. أمّا خيمة الصحافيين ذاتها فلم تكن بمنأى عن الخطر، فقد تم استهداف خيمة داخل المستشفى ذاته، وكثيراً ما انقطع الإنترنت في المكان، ما يجعلها مضطرة إلى البحث عن مقهى يتوفر فيه إنترنت من أجل مواصلة العمل، وعلى الرغم من أن الحرب شكّلت دافعاً لها لمواصلة العمل على فضح جرائم الاحتلال، لكن من ناحية أُخرى كانوا محاصرين بالإحباط والخوف، كما أنهم كانوا يعملون بأجهزة أصبحت قديمة وهواتف بالكاد تعمل، وهذا جعل توفير الأدوات اللوجستية (هواتف حديثة-أجهزة حاسوب-كاميرات-درع صحافة-أجهزة تسجيل وبث) أبرز الحاجات من وجهة نظرها.[13]

وفي شهادة أُخرى للصحافية سالي ثابت، وهي إلى جانب عملها كمراسلة لفضائية “الكوفية”، تنشط بصورة فاعلة في مواقع التواصل الاجتماعي، وقد تحدثت عن صعوبات التغطية واختلافها التام عن أي عدوان سابق. فهي نازحة وواجهت صعوبة في الحركة بسبب فقدان وسائل النقل مع انقطاع الوقود في قطاع غزة، ما يضطرها إلى الخروج قبل موعد العمل بنصف ساعة لتصل إلى المكان في الموعد المحدد، أو استخدام وسائل نقل بدائية (عربة يجرها حيوان). هذا بالإضافة إلى فقدانها أدوات العمل الصحافي، فهاتفها النقّال أصبح قديماً وتوفير جهاز جديد يتطلب مبلغاً كبيراً في ظل انقطاع أجهزة الهواتف النقالة في قطاع غزة، لهذا أصبحت الأدوات المتوفرة غير كافية وغير مريحة للتغطية، وكثيراً ما اضطرت إلى استخدام هواتف آخرين من أجل التصوير ونشر ما تصوّره على صفحتها في مواقع التواصل الاجتماعي، كونها صحافية ومؤثرة في الوقت ذاته، وهذا كثيراً ما تسبب لها بالإحراج.[14]

ويتضح من هاتين الشهادتين أن فقدان أدوات العمل الصحافي بالنسبة للصحافيات، كان عائقاً كبيراً أمام ممارستهن المهنة، وأن هذا الفقدان كان لسببين: إمّا التدمير المباشر للمؤسسات على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي، وإمّا بسبب تقادم هذه الأجهزة وضعف جودتها، وعدم وجود أجهزة أُخرى حديثة في قطاع غزة.

 ثالثاً: تحديات فقدان العمل والانهيار الاقتصادي

واجهت الصحافيات الفلسطينيات – ولا يزلن – تمييزاً في فرص التوظيف، وفي التغطيات الميدانية، وفي تولّي المناصب التحريرية العليا، فضلاً عن غياب أطر تحميهن من العنف القائم على النوع الاجتماعي في بيئة العمل. ويمكن أن نطلق على ما تواجهه الصحافيات تسمية “إقصاء جندري”، إذ تظهر الدارسات[15]، أنه بعد عام واحد من الإبادة، ارتفع معدل البطالة بين الصحافيات ليصل إلى 67%، في حين أشارت 64% منهن إلى انعدام كامل لمصادر الدخل، كما ارتفعت نسبة المتعطلات عن العمل من 17% قبل الإبادة إلى 22% بعد عام من الإبادة.

ولقد لجأ بعضهنّ إلى العمل بالقطعة، والذي لم يكن متاحاً لكثير من الصحافيات، فقد أشارت 86% منهن إلى فقدان معدات العمل الأساسية كالحاسوب المحمول، الهاتف، الكاميرا، ومعدات الحماية – إن وُجدت – بعد أن أفادت 76% منهنّ بتدمير منازلهن كلياً أو جزئياً.[16]

وتشير تقارير مركز الميزان لحقوق الإنسان إلى أن أكثر من 80% من الصحافيات العاملات في غزة خسرن مساكنهن ومكاتبهن، وأن كثيرات يعملن الآن من داخل خيم أو مبانٍ مهدمة.[17]

ووثقت تقارير محلية ودولية أن العديد منهن فقدن عائلاتهن بالكامل، فيما أُجبرت أخريات على الاستمرار في العمل على الرغم من الجوع، والعطش، والنزوح المتكرر، وانعدام الكهرباء والماء والغاز. وعلى الرغم من كل ذلك، فقد حملن الكاميرا والقلم كأنهما وسيلة النجاة الأخيرة من العجز.

رابعاً: تدمير مقار المؤسسات الإعلامية

كانت المؤسسات الإعلامية من أبرز ضحايا التدمير المروّع الذي طال البنى التحتية ومباني المنشآت في قطاع غزة، فقد تم استهداف مقار شركات إعلامية ومحطات تلفزيونية ومواقع وصحف محلية ودولية، بهدف إسكات الصوت الفلسطيني ومنع الإعلام من مواصلة التغطية، خصوصاً مع رفض الاحتلال دخول الصحافيين الأجانب إلى قطاع غزة. وقد رصد الموقع الإلكتروني لنقابة الصحافيين الفلسطينيين تدمير جيش الاحتلال 150 منشأة إعلامية، أثرت بصورة كبيرة على قدرة الصحافيين/ات على العمل.

وثمة شهادة أُخرى للصحافية دعاء روقة، مراسلة قناة “المسيرة” اليمنية، التي نزحت إلى مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، بعيداً عن عائلتها ومكتبها في مدينة غزة، وكانت مضطرة إلى مواصلة التغطية، في ظل أزمة انقطاع غاز الطهي والسولار، والتشرد الذي تعانيه، إذ كانت تبقى في الشارع لوقتٍ طويل وتغطي من داخل المستشفى في أماكن غير مهيأة للعمل، لكنها رأت أنه كان من الواجب تحدّي هذه الصعوبات ومواصلة التغطية. وكما باقي المراسلين، عانت من انقطاع الكهرباء والاتصالات لفترات طويلة، وواجهت صعوبة في إرسال المواد الصحافية والخروج بالبث المباشر، فكانت تضطر مع طاقم العمل إلى الذهاب نحو أماكن مرتفعة من أجل التقاط خط إنترنت من شريحة (إيسم) الإلكترونية، ما يجعل حياتهم معرضة للخطر في سبيل مواكبة التغطية. هذا بالإضافة إلى صعوبة التنقل والحركة في ظل عدم توفّر الوقود، فكانت وفريقها يضطرون إلى المشي لمسافات طويلة للوصول إلى أماكن الاستهداف، أو يلجؤون إلى استخدام عربات يجرها حمار. وكان ثمة تحدٍ إضافي، وهو البحث عن أماكن – غالباً تكون غير مريحة – للجلوس فيها، فالتغطية الصحافية في الحرب سمتها الأبرز التشتت، بلا مكاتب وبلا بيئة عمل، والتغلب على هذه العقبات يكون صعباً. وكثيراً ما تعرّضت حياتهم للخطر، في ظل عدم وجود مقومات تساعد على الاستمرار. فضلاً عن العمل بطاقة نفسية سيئة ومدمّرة.[18]

خامساً: تحديات مرتبطة بالدور الجندري “الأدوار المركبة للصحافيات”

كشفت الحرب أدواراً مركبة للصحافيات الفلسطينيات؛ فهن لم يواجهن القصف وفقدان الأحبة فقط؛ بل أيضاً حملن عبء الأمومة والإعالة والنزوح والعمل في آنٍ واحد، وسط حياةٍ معلقة بخيوط الخوف، والحرمان، والتهديد اليومي بالقتل. انعكست هذه الأعباء على حالتهن النفسية، فأصبحن بين المطرقة والسندان: بين الوجع الشخصي ومسؤولية نقل الحقيقة للعالم.

كانت تداعيات حرب الإبادة عليهن مضاعفة، فالكثيرات من الصحافيات وجدن أنفسهن أمام مواجهة مزدوجة: نازحات فاقدات لأسرهن ومنازلهن من جهة، وشاهدات وموثّقات لجرائم الاحتلال من جهة أُخرى.

في شهادة الصحافية سالي ثابت، وهي أم لطفلتين، قالت إنها كانت تضطر إلى المبيت في المستشفى من أجل التغطية وسط حالة من القلق على طفلتيها، وقد تعرضت ذات يومٍ لموقف، ضمن العديد من المواقف الصادمة، إذ نقلت سيارات الإسعاف مجموعة من الشهداء والمصابين جرّاء استهداف إسرائيلي قرب منطقة نزوحها، ما أصابها بحالة من الهلع على صغيرتيها. وكثيراً ما كانت تجري صوب ضحايا الاستهدافات تتفقد وجوه الشهداء والمصابين خوفاً من أن يكون أفراد عائلتها بينهم. وعلى مستوى الدور الإنجابي، كانت تحاول تدبّر أمر طعام وغذاء العائلة في ظل انقطاع الوقود بواسطة الطهي على النار، وقد عاشت فترة طويلة في الخيم، واصلت خلالها دورها في رعاية الأسرة من طهي طعام وغسل ملابس، بالإضافة إلى متابعة تعليم الصغيرات في ظل انقطاع التعليم عن الأطفال في قطاع غزة، وفي الوقت ذاته تواصل العمل والتغطية.[19]

ويتضح من الشهادة التي قدمتها سالي ثابت التداخل الشديد بين تعقيدات واقع الدور الإنجابي للصحافيات ودورهنّ المهني، إذ اجتمعت عليهن كل أشكال المعاناة: صعوبة المعيشة في واقع النزوح والخيم، وفقدان الملابس، وشحّ المواد الغذائية، ومواصلة تربية ورعاية الأطفال، وفي الوقت ذاته مواصلتهن التغطية والعمل في ظل التعقيدات المهنية سالفة الذكر.

سادساً: تحديات على المستوى النفسي والاجتماعي (النزوح، الفقد، الصدمة، العمل)

تعيش الصحافيات في قطاع غزة واقعاً خاصاً واستثنائياً خلال تغطية الحرب، إذ يعانين من الكثير من الضغوط النفسية، وفي مقدمتها خطورة العمل في الميدان، واستهدافهن بصورة مباشرة في كثير في الأحيان، بالإضافة إلى تكميم الأفواه من جانب المؤسسات الإعلامية الكبرى، وفرض سياسة لا تتوافق مع وجدان الصحافي في كثير من الأوقات، فضلاً عن مشاهدة القتل، والتهديد، والعنف الواقع على المواطنين مباشرة.

علاوة على ذلك، هناك الضغوط اليومية الناجمة عن الوقوف أمام الكاميرا والبث المباشر لساعات طويلة، بالإضافة إلى مواجهة التحديات الناجمة عن فقدان المعدات، واستهداف المقار، وحركة النزوح الداخلي المستمرة، ومشكلة توفير مقومات الحياة من طعام وشراب، سواء على المستوى الشخصي للصحافية، أو للعائلة التي اضطرت إلى النزوح أيضاً، فضلاً عن الحاجة إلى تفهم الظروف الطارئة لظروف الزملاء الذين فقدوا عدداً من أفراد عائلاتهم، أو أصيب بعضهم، علاوة على تدمير منازل الأغلبية منهم، ما يعني غياب أدنى درجات السلامة والحماية الصحافية.

ولك أن تتخيل معاناة الصحافي/ة في البحث اليومي عن الإنترنت والكهرباء لإرسال التقارير، وبث الأخبار بصورة مستمرة، والتنقل بين الجثث والمصابين والنازحين الذين يفترشون الأرض في كل مكان، خصوصاً في المستشفيات ومراكز النزوح.[20]

يُضاف إلى هذه التحديات والصعوبات، الصدمة المباشرة والآثار النفسية الخطيرة التي قد تلحق بالصحافيات، عندما يعرّضن أنفسهن للخطر. والصدمة غير المباشرة عندما يشاهدن أو يسمعن قصص الخطر، أو التهديد الذي يحدث لآخرين سواء مباشرة، أو عن طريق الشاشات والكاميرات وتعرّضهن لصور مؤذية. بالإضافة إلى الاحتراق الوظيفي عندما تصيبهنّ حالة من الخدران الحسي، واللامبالاة والتعب، أو الضغوط النفسية التي قد تفضي إلى القلق والاكتئاب.[21]

تختصر إحدى الصحافيات تجربتها في تغطية الإبادة على مدار عامين بالقول: “أستيقظ ليلاً مفزوعة من الكوابيس التي تلاحقني، دائماً أفكر: متى تنتهي الحرب؟ ومع ذلك أواصل التغطية.” تلك هي الإبادة التي دفعت الصحافة الفلسطينية والعاملين/ات فيها في أتون اختبرهم/ن وقدرتهم/ن على الاستمرار، لتكون النتيجة: “غزة: أخطر منطقة على حياة الصحافيين في العالم“، بحسب منظمة مراسلون بلا حدود (2024).[22]

سابعاً: التحديات القانونية

مما لا شك فيه أن دولة الاحتلال قد خالفت خلال الإبادة كافة القوانين الدولية الإنسانية، وضربت بعرض الحائط كافة التزاماتها كدولة احتلال بحماية المدنيين والمنشآت المدنية خلال الصراع. وكان الصحافيون والصحافيات على مدار الإبادة هدفاً مركزياً لآلة القتل الإسرائيلي، وقد صدرت العديد من التصريحات والمواقف الدولية المنددة بالسلوك الإسرائيلي.

ولقد وصلت حدة الغضب الدولي المتصاعد من الانتهاكات الإسرائيلية للإعلام الفلسطيني في قطاع غزة خلال الإبادة، إلى إصدار المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية الرأي والتعبير، آيرين خان، بياناً أكدت فيه أن “استهداف الإعلاميين والإعلاميات، قد يرتقي إلى جرائم حرب وفق أحكام القانون الدولي.”[23]

في حين طالبت منظمة العفو الدولية (أمنستي) بإجراء تحقيق دولي مستقل في مقتل عشرات الصحافيين الفلسطينيين، مؤكدة أن “النمط المتكرر والمتعمد للقتل” يكشف سياسة ممنهجة تستهدف تقويض العمل الإعلامي الحر. هذا التوصيف الحقوقي انسجم مع خطوة نوعية اتخذها الاتحاد الدولي للصحافيين (IFJ)، الذي رفع في كانون الأول/ ديسمبر 2023 ملفاً رسمياً إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، يتهم فيه الاحتلال الإسرائيلي بارتكاب جرائم ضد الصحافيين الفلسطينيين، مطالباً بمحاسبة المسؤولين عنها أمام العدالة الدولية.

أما منظمة مراسلون بلا حدود، فقد حثت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تنفيذ قراره رقم 2222 (2015) بشأن حماية الصحافيين، وقالت المنظمة في بيان على موقعها الإلكتروني في كانون الثاني/ يناير 2024، عقب استشهاد الصحافي حمزة الدحدوح، أن الخسائر الفادحة في صفوف الصحافيين، من شهداء وجرحى ومكاتب إعلامية مدمرة في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، تُظهر بوضوح فشل إسرائيل في الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي المعمول به، وخاصة قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2222. وقد اعتُمد هذا القرار في 27 أيار/ مايو 2015 خلال جلسة حضرها الأمين العام لمنظمة مراسلون بلا حدود، كريستوف ديلوار، وهو حجر الزاوية في القانون الدولي بشأن حماية الصحافيين في النزاعات المسلحة.[24]

تظهر هذه المواقف المتعاقبة – على الرغم من عدم تخصيصها للإعلاميات ووضعهن الخاص في زمن الإبادة كنساء أمهات ومعيلات وعاملات – تنامي الاعتراف الدولي بحق الصحافيين/ات في الحماية في أثناء النزاعات، انطلاقاً من المنظومة القانونية التي كرّستها اتفاقيات جنيف لسنة 1949 والبروتوكولات الإضافية لها، إذ أكدت المادة 79 من البروتوكول الإضافي الأول لسنة 1977 أن “الصحافيين الذين يقومون بمهمات مهنية خطيرة في مناطق النزاع المسلح يُعتبرون أشخاصاً مدنيين”، ويجب أن يتمتعوا بكامل الحماية التي توفرها القوانين الدولية للمدنيين، ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.

ويتقاطع هذا المبدأ مع ما نصت عليه المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، التي أكدت “حق كل إنسان في حرية الرأي والتعبير”، بما في ذلك حرية “استقاء الأنباء والأفكار وتلقّيها وإذاعتها بأي وسيلة ودون تقيّد بالحدود.”[25] كما تمتد الحماية لتشمل البعد الجندري في العمل الإعلامي، إذ أكدت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) في مادتها 7 ضرورة “ضمان مشاركة المرأة في الحياة العامة دون تمييز[26]، بما في ذلك مجالات الإعلام والصحافة.”

وفي الاتجاه نفسه، عزّز القرار 1325 الصادر عن مجلس الأمن سنة 2000 بشأن “المرأة والسلام والأمن” هذا الإطار القانوني، عبر دعوته إلى حماية النساء العاملات في الإعلام والعمل الإنساني في أثناء النزاعات، وضمان إيصال أصواتهن ومساهماتهن في عمليات التوثيق والمساءلة الدولية.[27]

وتؤكد كافة التصريحات والمواقف الدولية أن حماية الصحافيين/ات، ليست ترفاً أخلاقياً، بل واجباً دولياً يندرج ضمن مسؤولية المجتمع الدولي في حماية المدنيين وحرية التعبير، في أثناء النزاعات المسلحة.

تحليل حاجات الصحافيات بعد الحرب في قطاع غزة: مقاربة مهنية ونفس-اجتماعية

مع انحسار وتوقف العمليات العسكرية وبدء مرحلة ما بعد الحرب، تبرز أمام الصحافيين والصحافيات في قطاع غزة سلسلة من الحاجات المعقدة والمتداخلة، تعكس حجم الأثر المدمر الذي خلّفته الإبادة على البنية الإعلامية والأفراد العاملين في هذا القطاع. ويبرز هذا الأثر بوضوح لدى الصحافيات، وهذا ما يتطلب مقاربة شاملة (مهنية ونفس-اجتماعية) لتجاوز الآثار والتداعيات القاسية والكارثية على واقع العمل الصحافي عموماً، والصحافيات خصوصاً، وتتوزع هذه الحاجات على عدة مستويات:

1- حاجات مهنية وهيكلية تشمل:

  • إعادة بناء المؤسسات الإعلامية، إذ دمّرت الحرب عدداً كبيراً من مقار وسائل الإعلام، ما يستدعي تدخلاً عاجلاً لإعادة ترميم البنى التحتية وتمكين غرف الأخبار من العمل.
  • توفير معدات العمل الأساسية من كاميرات وأجهزة بث ووسائل اتصال، التي تضررت أو فُقدت في أثناء الحرب.
  • برامج تدريب متقدمة لتعزيز المهارات في تغطية ما بعد الحرب، خصوصاً في مجال الصحافة الاستقصائية، وتوثيق الجرائم، والتغطية الحساسة للنزاعات والانتهاكات.

 2- حاجات نفسية واجتماعية تشمل:

  • الدعم النفسي المتخصص، جرّاء ما تعرض له الصحافيون/ات من صدمات مباشرة، كالاستهداف، فقدان الزملاء، أو تغطية مشاهد الدمار والمجازر، مما يرفع من احتمال الإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD).
  • بيئة داعمة وآمنة، إذ تتطلب المرحلة المقبلة وجود شبكات دعم مهني وشخصي، ومؤسسات تراعي الاحتراق النفسي ومخاطر العمل في سياقات ما بعد الحرب.
  • إعادة بناء الشعور بالثقة في دور الصحافة بعد استهداف الإعلاميين وتقويض عملهم، ما يستدعي جهوداً لاستعادة الهيبة المهنية والدور المجتمعي للصحافة.
  • إعادة التأهيل المهني، ويشمل ذلك التدريب على التغطية في أوقات النزاع، واستخدام الأدوات الرقمية.
  • تعويضات مادية سواء للضحايا أو من فقدوا معداتهم ومقارهم.

3- حاجات قانونية وحمائية

  • ضمان الحماية القانونية للصحفيين/ات من الاعتقال أو الملاحقة، خصوصاً من جانب الاحتلال أو الجهات المحلية، وتوفير ضمانات لحرية التعبير.
  • توثيق الانتهاكات بحق الإعلاميين/ات خلال الحرب، والعمل على محاسبة الجهات المسؤولة عبر المنصات الدولية.
  • الضغط من أجل الاعتراف الدولي بالانتهاكات ضد الصحافيين كجرائم ضد حرية الصحافة، وتحقيق العدالة عبر المسارات الجنائية الدولية.

4- حاجات النوع الاجتماعي:

  • استجابة خاصة لحاجات الصحافيات، سواء فيما يتعلق بالدعم النفسي، أو التأهيل المهني، أو الاعتراف بالأدوار التي لعبنها خلال الحرب، وما واجهنه من عنف وتمييز مضاعف.
  • تمكين الصحافيات في مواقع القرار داخل المؤسسات الإعلامية والمنظمات الدولية، لضمان تمثيل عادل للنساء في عملية التعافي الإعلامي.

الخاتمة:

يمثل واقع الصحافيات في غزة خلال الإبادة صورةً من أكثر صور الاستهداف المنهجي الصادمة، إذ يتقاطع القمع الميداني مع العنف القائم على النوع الاجتماعي في سياق حرب مفتوحة لا تميز بين مدني ومقاتل، ولا بين امرأة ورجل. لقد كشفت شهادات الصحافيات، وما وثقته المنظمات الحقوقية الدولية، أن المرأة الصحافية في غزة لم تواجه فقط خطر القصف والموت المباشر، بل واجهت أيضاً منظومة معقدة من الانتهاكات التي طالت سلامتها، وكرامتها، وحقها في العمل، ووجودها الإنساني ذاته.

لقد تحولت غزة إلى مساحة عمل مستحيلة للصحافيات؛ فهنّ يعملن في بيئة منعدمة الأمن، محرومات من أبسط وسائل الحماية الجسدية والتقنية واللوجستية، ويواجهن خسائر مركّبة تشمل فقدان الأسرة، وتدمير منازلهن، وانعدام المأوى، وانقطاع الموارد، وفي الوقت ذاته يُطلب منهن مواصلة التغطية وتوثيق الجرائم تحت القصف. هذه الازدواجية القاسية وضعت الصحافيات في صدارة “معركة رواية الحقيقة”، على الرغم من أنهن أنفسهن ضحايا لها.

كما أظهرت الإبادة أن استهداف الصحافيات ليس حدثاً عابراً، بل يمثل استراتيجية لطمس الأصوات النسائية ومنع نقل روايات النساء عن الحرب، في محاولة لإسكات زاوية حرجة من سرديات الألم والمقاومة والحق. لقد دفعت الصحافيات ثمناً مضاعفاً لالتزامهن المهني؛ إذ واجهن القتل، والتهديد، والإصابات، وفقدان أفراد الأسرة، والتشريد، والاضطرابات النفسية، فيما غابت المنظومات الدولية عن توفير الحماية الواجبة لصاحبات المهنة في مناطق النزاع.

وتكشف هذه التجربة القاسية ضرورة إعادة صياغة منظومة حماية الصحافيات في سياقات الحرب، عبر تعزيز آليات المساءلة الدولية، وضمان الاعتراف بدورهن كمدافعات عن حقوق الإنسان، وتوفير أدوات الحماية المهنية والنفسية والقانونية التي تمنحهن القدرة على أداء رسالتهن، من دون أن يتحول العمل الصحافي إلى حكم بالإعدام.

إن صمود الصحافيات في غزة خلال الإبادة ليس مجرد جهد مهني، بل هو فعل مقاومة أخلاقي وإنساني في وجه محاولة محو الحقيقة. وتجربتهن تمثل شهادة تاريخية على أن صوت المرأة قادر على اختراق الركام، وأن الحقيقة، مهما طُمست، لن تُدفن ما دامت هناك صحافيات يصررن على روايتها للعالم.

[1] “المرأة والرجل في فلسطين قضايا وإحصاءات، 2021” (رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشرين الأول/أكتوبر 2021)، ص51.

[2] المصدر نفسه، ص77.

[3] جهاد حرب ووليد لدادوة، “واقع الإعلاميات الفلسطينيات، دراسة استقصائية” (دراسة منشورة) (رام الله: مؤسسة فلسطينيات، 2021)، ص5.

[4] “المرأة والرجل في فلسطين قضايا وإحصاءات، 2022” (رام الله: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تشرين الأول/أكتوبر 2022)، ص92.

[5] شيرين خليفة، “الإعلاميات يتحدّثن (7).. أي نقابةٍ تريد صحافيات فلسطين؟“، “شبكة نوى الإخبارية”، 11/12/2022.

[6] “Professor Cynthia Enloe (Biography)”, Women’s and Gender Studies program at Clark University.

[7] “الأمم المتحدة: مقتل الصحفيين في غزة “غير مقبول” وتقارير عن مزيد من الوفيات بسبب الجوع“، أخبار الأمم المتحدة، 26/8/2025.

[8] “الصحفية مريم أبو دقة“، “فيسبوك”، 13/4/2025.

[9] “Journalists injured and missing in the Israel-Gaza war”, Committee to Protect Journalists, 26/9/2025.

[10] الصفحة الرئيسية لنقابة الصحافيين الفلسطنينيين، تمت المطالعة في 22/11/2025.

[11] سلمى القدومي، مقابلة خاصة بورقة العمل، أُجريت في 10/11/2025.

[12] “A Survey of Gaza’s Journalists During the War Oct-Nov 2024”, Arab Reporters for Investigative Journalism.

[13] حنين حمدونة، مقابلة شخصية، أُجريت في 26/10/2024.

[14] سالي ثابت، مقابلة شخصية، أُجريت في 23/10/2024.

[15] كانت عينة الدراسة 269 صحافياً وصحافية، و23 صحافياً/ة شاركوا في مجموعات مركزة، و10 صحافيين/ـات شاركوا في مقابلات معمقة.

[16] طلال أبو ركبة، “واقع الاعلاميات الفلسطينيات خلال الإبادة” (دراسة) (غزة: مركز الإعلام المجتمعي، 2025).

[17] “Kill the Witness, Hide the Crimes: Israel’s Campaign of Silencing Palestinian Journalists and Media Workers to Conceal the Gaza Genocide”, Al Mezan Center For Human Rights, 7 October 2023 – 30 June 2025.

[18] دعاء روقة، مقابلة شخصية، أُجريت في 11/11/2024.

[19] سالي ثابت، مصدر سبق ذكره.

[20] شرين خليفة (صحافية في “شبكة نوى الإخبارية”)، مقابلة شخصية، أُجريت في 19/5/2025.

[21] نيللي المصري (صحافية فلسطينية)، مقابلة شخصية، أُجريت في 19/5/2025.

[22] “حصيلة 2024 للانتهاكات المرتكبة ضد الصحفيين عبر العالم: الصحافة تدفع ثمناً بشرياً باهظاً في ظل الصراعات والأنظمة القمعية“، مراسلون بلا حدود.

[23] “خبيرة من الأمم المتّحدة تستنكر قتل صحفيَّيْن إضافيَّيْن في غزة وتطالب بمحاسبة الجناة“، الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي، 6/8/2024.

[24] “مراسلون بلا حدود تضمن إدراج الجرائم المرتكبة ضد الصحفيين في تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في فلسطين“، مراسلون بلا حدود.

[25] “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، مادة (19)“، الأمم المتحدة.

[26] “اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري ضد المرأة/ المادة (7)“، الأمم المتحدة، حقوق الإنسان، مكتب المفوض السامي.

[27] “المرأة والسلام والأمن، قرار مجلس الأمن 1325“، الأمم المتحدة (الإسكوا).

1

عن المؤلف: منى خضر: صحافية من غزة، ومديرة تحرير شبكة “نوى”، ومنسقة نادي الإعلاميات الفلسطينيات.

طلال أبو ركبة: باحث فلسطيني مقيم بغزة.

عن ورقة سياسات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *