واقع إسرائيل كما اختبرته يولي نوفاك الرئيسة السابقة لمنظمة “يكسرون الصمت”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ترجمة لمقال الحاخام مايكل ديفيس في Mondoweiss  يتناول فيه  مقابلة أجرتها شاني ليتمان مع يولي نوفاك، الرئيسة السابقة لمنظمة ” يكسرون الصمت “، تم نشرها في صحيفة هآرتس بتارخ 21/1/2022 باللغة العبرية . تسلط فيها الضوء على مذكراتها التي صدرت مؤخرا في كتاب بالعبرية بعنوان”من تظن نفسك ؟”.

أهمية المقال تكمن في كشف الإرهاب البنيوي للمجمع الاستيطاني الصهيوني العنصري. والذي يطال كل من يتجرأ على كشف حقيقته .

يتناول المقال يولي نوفاك كنموذج لامرأة صهيونية أشكنازية من النخبة ، خدمت وأسرتها في الجيش الصهيوني، وحظيت بعد انتهاء خدمتها العسكرية وتخرجها من الجامعة بوظيفة لإدارة منظمة غير حكومية تعنى بتوثيق شهادات جنود الاحتلال أثناء الخدمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ العام 1967. فتفاجأت – عندما مارست وظيفتها بمهنية – بانقلاب النظام والمجتمع الإسرائيلي بأسره عليها وتهديد حياتها . ما اضطرها إلى الاستقالة والهرب للخارج . خلال رحلتها كتبت مذكراتها عن المعاناة الهائلة التي تعرضت لها عندما كانت تتولى إدارة المنظمة . وعند عودتها، آثرت الاحتفاظ بمسافة كبيرة من ماضيها  الوظيفي توخيا للسلامة .

خلصت يولي نوفاك  من تجربتها الشخصية إلى أن الصهيونية كهيكل سياسي نظام  عنصري يعطي الأفضلية لواحد (عرقي)على حساب الآخرين.  وتقول : “لقد توقفت عن الإيمان بهذا الهيكل السياسي.والتغيير الذي يجب أن يحدث لإسرائيل لا يمكن إحداثه من داخل النظام القائم : يجب أن يذهب الهيكل السياسي”.

يقول الحاخام مايكل ديفيس في نهاية مقاله: “هناك عدد قليل جدًا من  أمثال يولي نوفاك في إسرائيل. وهو بالتأكيد ليس كافيا لبدء إحداث التغيير الهائل الذي تدعو إليه. لكن من الجيد سماع صوت واضح للعقل : هذا ما يحدث . وهذا ما يحتاجه الأمر لجعل إسرائيل تعمل “.

غانية ملحيس

عنوان المقال :  “من تظن نفسك ؟” كيف انقلب النظام الإسرائيلي على يولي نوفاك

بقلم الحاخام مايكل ديفيس

هناك مقال مهم في صحيفة “هآرتس” في نهاية هذا الأسبوع ، مقابلة أجرتها شاني ليتمان مع يولي نوفاك ، التي كتبت  مذكراتها ونشرتها في كتاب باللغة العبرية.

نوفاك هي مواطنة إسرائيلية تبلغ من العمر أربعين عاما، تعتبر خلفيتها ومهنتها المبكرة بمثابة التيار السائد.  لقد مرت بتحول عنيف، وهي الآن نموذج لذاتها  ولمستقبل إسرائيل وفقا لنموذج جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري.

 أجداد يولي نوفاك من الناجين من الهولوكوست، وكانت والدتها ضابطة مهنية في الجيش الإسرائيلي ثم انتقلت بعد ذلك إلى منصب المدير التنفيذي لمتحف المحرقة الوطني الإسرائيلي “ياد فاشيم”:

تقول نوفاك :” كتلميذة  صغيرة كنت فخورة جدًا بأن والدتي حضرت اجتماعات أولياء الأمور والمعلمين بالزي العسكري. كان هذا في وقت كان فيه عدد قليل جدا من الأمهات يعملن بدوام كامل ولديهن وظائف حقيقية. وكنت سعيدة لأن والدتي كانت تفعل شيئا مهما”.

 التقى والداها في جنازة صديق والدتها آنذاك، تالي. الذي توفي في حرب يوم الغفران عام 1973 وهو يقاتل الجيش المصري في قناة السويس.

نشأت يولي على قصص الحرب الإسرائيلية، وتعرفت على نفسها من قصص الشباب الإسرائيلي الأبطال. انخرطت بعد إنهائها الدراسة الثانوية لمدة خمس سنوات في الجيش الإسرائيلي كضابط عمليات في القوات الجوية.  ثم أكملت بعد ذلك شهادتين جامعيتين في القانون.

 كانت يولي نوفاك ، التي تعيش في تل أبيب مع هذا النسب والخبرة المهنية المبكرة، جزءا من النخبة الإسرائيلية، ومجهزة للقيادة في المجتمع الإسرائيلي.

 قبل عشر سنوات، في العام 2012 ، وبعد تخرجها  من كلية الدراسات العليا حصلت على أول وظيفة لها كمديرة تنفيذية لمنظمة يكسرون الصمت (Breaking the Silence ) وكانت في ذلك الوقت منظمة غير معروفة إلى حد كبير في إسرائيل أو في الخارج. واعتقد الأصدقاء أنها كانت منظمة تختص بالعنف المنزلي. كانت منظمة “كسر جدار الصمت” مجرد منظمة إسرائيلية يسارية غير حكومية .

 بعد ثلاث سنوات، أصبحت هي ومنظمتها المكونة من 15 شابا إسرائيليا هدفا لحملة شاملة في وسائل الإعلام الإسرائيلية لنزع الشرعية عنها. ترأس  الحملة وزراء كبار في الحكومة ، بما في ذلك دعوات إلى نوع من التحقيقات الجنائية من قبل أجهزة المخابرات المخيفة/ الشاباك /والمخصصة عادة للإرهابيين المشتبه بهم. وقد دخل رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو في المعركة ، وكذلك الوزير آنذاك، رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت.

 تعرضت نوفاك للمضايقة في الشوارع وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. وتم تعقبها من قبل الخلد الذي  وضعه اليمين في منظمتها. تلقى أجدادها الذين بلغوا الثمانين من العمر مكالمات حانقة في منتصف الليل. وبثت وسائل الإعلام الوطنية تسجيلات لمحادثات سرية أجرتها نوفاك مع أصدقائها.  وقام بلطجية اليمين بتهديدها في شوارع تل أبيب ، دون أي تواجد للشرطة.

نادرا ما كانت تغادر منزلها، وعندما  كانت تفعل، كانت تسير بصحبة مرافقين . الطريقة التي تعاملت معها  لتبديد خوفها  كانت بالذهاب إلى الطيار الآلي . لكن شيئًا ما كان ينكسر داخلها .

تقول نوفاك : “لقد فقدنا العقد الشفوي الذي اعتقدت أنه يربط أشخاصا مثلي بالنظام الإسرائيلي .

كنت أعتبر نفسي وطنية وصهيونية. سأبذل قصارى جهدي من أجل بلدي ، وسأخدم في الجيش ،وفي المقابل ستحميني الدولة.  لكن هذا العقد كان مشروطا- فقط طالما كنت مطيعة -.وفي اللحظة التي كان فيها شيء واحد خارج السياق ، انقلب النظام ضدي “.

كانت تخشى أن يتم نقلها إلى “زنزانات الأجهزة السرية” أو أن تقتل . وكان الضغط شديدا وشخصيا .

كنت في طريق عودتي إلى المنزل بعد إلقاء محاضرة في مكان ما.  توقفت بسيارتي للحظة لأتفقد شيئا ما . وكانت هناك مظاهرة ضد كسر جدار الصمت ، وهو حدث روتيني في ذلك الوقت.  ركبنا السيارة ولاحظت أن وجه صديقتي التي ترافقني  أصبح أبيض تماما . قالت: هل لاحظت ما حدث للتو؟  كان هناك  عشرون شخصا يشتمونك ويبصقون عليك ويصرخون كالمجانين.

 لم أسمعهم حتى، لقد وصلت إلى نقطة بت فيها أتحكم بالسيطرة على حالة الكراهية والعنف هذه، ولم أعد حتى أرى ذلك “.

 علمت منظمة  يكسرون الصمت (Breaking the Silence ) بأن محتالاً تسلل إلى المنظمة وقام بتسجيلات سرية لمحادثات خاصة.  نوفاك نفسها ساورتها الشكوك . فهي بالرغم من كل شيء كانت من صميم  إسرائيل الأشكنازية الصهيونية، مؤسسة تل أبيب.ولم يكن لديها تاريخ نشط، ووصلت إلى الوظيفة بعد سنوات قليلة من الخدمة العسكرية و الدراسات العليا.

 كان اكتشاف المنظمة للخلد مقلقا للغاية.المنشقون الإسرائيليون هم مجموعة متماسكة.عملهم هو دائرتهم الاجتماعية ويعملون كعائلة بديلة عندما يتم رفضهم من قبل البيئة السائدة.

في رحلتي الأخيرة إلى إسرائيل ، أخبرني ناشط متشدد  كيف أن زميلا سابقا له في الفصل ، يعمل الآن في جهاز المخابرات ، قام فعليا بسحب مسدس عليه في اجتماع للم الشمل في المدرسة الثانوية.

وأمره أشقاؤه بوقف نشاطه ، وقال والديه إن سمعته كانت السبب وراء عدم تمكن أخته من المواعدة .

 لم تشعر نوفاك بالأمان في أي مكان. في وقت لاحق كانت تتذكر أسوأ اللحظات عندما كانت تسحب حوائجها خارج ممر الباب الأمامي . وسمعت صوتا يصعد الدرج خلفها، كانت مرعوبة مما قد ينتظرها على الجانب الآخر من بابها الأمامي داخل شقتها.

 انفجرت مشاعر نوفاك يوم جنازة جدها. ذهبت إلى الشاطئ، وأثارت التجربة الفعلية لوقوفها في مواجهة  الأمواج مخاوف عميقة.  استقالت من وظيفتها رغم أنها  قد مهدت الطريق لسنوات . وغادرت إسرائيل في رحلة استمرت لمدة عام عبر أوروبا ، وأخيرا لإقامة طويلة في جنوب إفريقيا.

أثناء رحلتها بدأت في الكتابة لمعالجة ما عانته خلال السنوات التي قادت فيها دفة كسر جدار الصمت. وعندما انتهت ، أدركت أنها كتبت مذكرات. “Mi At Bichlal؟  (من تظن نفسك؟) تم نشرها للتو (بالعبرية).

كان تكريم ديزموند توتو  رئيس الأساقفة الذي توفي مؤخرا بمثابة تذكير بكيفية أن رحلة جنوب إفريقيا للخروج من الفصل العنصري كانت مصدر إلهام لنشطاء التضامن مع فلسطين.  قامت دولة إسرائيل بتسليح نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وكانت واحدة من الدول المتقدمة القليلة في العالم التي تحافظ على علاقات وثيقة مع النظام الأبيض. وكان نجاح العقوبات الاقتصادية والمقاطعات الرياضية ضد جنوب إفريقيا نموذجا ملهما لحركة المقاطعة ( BDS).

بطريقة  أخرى، وجدت يولي نوفاك  أرواحا لطيفة في جنوب إفريقيا .الإسرائيليون أمثالها ليس لديهم وطن آخر سوى إسرائيل. لا يستطيع البوير العودة إلى ديارهم في هولندا، ولا يعود البيض الآخرون في جنوب إفريقيا إلى المملكة المتحدة. إنهم من البيض الجنوب أفريقيين. نوفاك تشعر بنفس الشعور تجاه إسرائيل.

بعد قضاء عام في الخارج ، عادت يولي نوفاك إلى موطنها.إنها تحافظ على مسافة حاسمة من ماضيها ، بما في ذلك الفترة التي قضتها كقائدة لواحدة من أشهر المنظمات اليسارية في إسرائيل ، “كسر جدار الصمت”. وهي الآن ترى أن منظمة صهيونية قائمة على تجارب الجيش الإسرائيلي الذي يهيمن عليه الذكور عالقة في نفس المدار الذي تعيش فيه بقية إسرائيل.

“قيل لي أن الطريقة الوحيدة للعيش في المنطقة هي أن تكون في حرب دائمة مع أي شخص آخر.  لكن هذا اختيار . ومن الممكن سرد القصة بشكل مختلف.

على سبيل المثال ، يمكنك أن تطمح إلى أن يكون كل من يعيش هنا في الصدارة دون تمييز عرقي. ويمكن للمرء، أيضا ،أن يقول أن هدفنا الرئيسي ليس عزل أنفسنا ، بل تعريف أنفسنا بلغة المنطقة وعدم الانفصال عنها ” . وقد تذكرت في رحلتي الأخيرة إلى إسرائيل وفلسطين زيارة لمدرس اللغة العربية. ووجدت مرة أخرى أن اليهود الإسرائيليين لا يعرفون اللغة العربية. وأنه نادرا ما يتم تدريسها في المدارس الإسرائيلية.

 هناك حسرة في اكتشافات  يولي نوفاك ، وهو ما يذكر  بجيل من الأطفال اليهود الأمريكيين الذين استيقظوا على نقد مدرستهم الدينية للتعليم الصهيوني.

 “لم يدعوني أي شخص على الإطلاق إلى سرد القصة بأي طريقة أخرى . ولكن يجب علينا أن نعيش بالسيف.” والخروج النهائي عن روح المساواة البسيطة ، والتي يمكن التعرف عليها على الفور لأي مواطن في أي من الديمقراطيات في العالم .  “حقيقة أن هذا وطني لا يعني أن أقول أنه لا يمكن أن يكون، أيضا، وطن شخص آخر “.

نوفاك لم تحرر نفسها بالكامل، بعد، من التلقين الإسرائيلي.تقول إنها تشعر بالسوء حيال كل ما عاناه أجدادها في الهولوكوست من أجل إقامة دولة إسرائيل. لا توجد بالطبع علاقة بين الاثنين خارج الرواية الإسرائيلية الرسمية.

 إنها تقدر عمل “كسر جدار الصمت” وتفخر بعمل منظمتها السابقة ، لكن مطالبتها بالشرعية تقوم على جذورها داخل القوات العسكرية للاحتلال التي يهيمن عليها الذكور. حقيقة أن امرأة مثلها قادت ذلك لا تعني شيئًا. اعترفت أنه حتى في ظل قيادتها ، لم تقم منظمة “كسر جدار الصمت” بأية حملة نسوية.

تم تذكيري بأن ” حياة السود مهمة ” لم تزدهر في عهد الرئيس الأسود الأول للولايات المتحدة ، باراك أوباما.  ولكن في عهد دونالد ترامب ، أحد أكثر رؤساء الولايات المتحدة عنصرية.  لم تغير مارجريت تاتشر ولا جولدا مئير بلادهم التي يهيمن عليها الذكور.

 أخيرًا ، إليكم رؤية نوفاك للصهيونية:

“ما أعرفه من كوني هو: إما أن تكون صهيونيا أو مناهضا للصهيونية.  لكني لست هناك.  لقد بدأت في تفكيك مفهوم الصهيونية. هناك الصهيونية كهيكل سياسي ، نظام يعطي الأفضلية لواحد [عرقي] على حساب الآخرين.  لقد توقفت عن الإيمان بهذا الهيكل السياسي”.

 لكن الصهيونية بالنسبة لي هي الكثير من الأشياء الأخرى – الهوية ، والأسرة ، واللغة، وذاكرة الأماكن، واللحظات مع الأصدقاء.  وهو الجيش أيضا كجزء أساسي مني.  لا أريد ولست قادرة على تشويه هذه الهوية.

 من المحتمل أن يبدو هذا بعيدًا عن النشطاء المتضامنين مع فلسطين ، لكن في إسرائيل اليهودية ، تُستخدم كلمة “الصهيونية” بشكل فضفاض ، لتعني “أن تكون مواطنا صالحا “.  غالبًا ما يتم استخدامها بسخرية لتعني شيئا مثل: “شخص فريد “.

الخلاصة الرئيسية لنوفاك هي: التغيير الذي يجب أن يحدث لإسرائيل لا يمكن إحداثه من داخل النظام القائم : “يجب أن يذهب الهيكل السياسي”.

إلى جانب التراجع والسماح للمرأة الفلسطينية بالقيادة ، يعكس مسار نوفاك الجديد تواضعا جذابا على المستوى الشخصي أيضا.  تدرك أنها عندما كانت تظهر باستمرار في وسائل الإعلام وتتعرض للهجوم من قبل كبار السياسيين، كانت في “رحلة الأنا” ،وهذا لم يكن صحيا .

هناك عدد قليل جدًا من  أمثال يولي نوفاك في إسرائيل ، وهو بالتأكيد ليس كافيا لبدء إحداث التغيير الهائل الذي تدعو إليه.  لكن من الجيد سماع صوت واضح للعقل: هذا ما يحدث ، وهذا ما يحتاجه الأمر لجعل إسرائيل تعمل.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مايكل ديفيس - ترجمة غانية ملحيس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *