هل شوشت صواريخ “حماس” المشهد الفلسطيني؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في سياق سياسة الاستيطان الرسمية لليمين الإسرائيلي، والسعي لتهويد المجال العام، على كامل امتداد الأراضي الفلسطينية المحتلة، استهدفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي باب العمود، وقامت بإغلاقه، كما حاولت منع الفلسطينيين من التجمّع في الساحة المجاورة له، والتي أصبحت مركزا اجتماعيا وسياسيا للمقدسيين. تزامن ذلك مع قرار قضائي إسرائيلي بإخلاء منازل تسكنها عائلات فلسطينية، في حي الشيخ جراح، في القدس، شمالي المدينة القديمة، لصالح مستوطنين إسرائيليين، جاء ذلك، وغيره، في وقت اقتربت فيه الذكرى الثالثة والسبعون للنكبة، مما أكد للفلسطينيين أنها ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل لا تزال مستمرة.

هبّ الفلسطينيون في القدس للدفاع عن وجودهم، وامتدّت المواجهات إلى بلدات وقرى أخرى داخل الأراضي المحتلة في العام 1948، التي شهدت مدنها أيضا مواجهات بين عرب ويهود، وشهدت بعض نقاط التماس في الضفة صدامات مع قوات الاحتلال الإسرائيلي. تمكّن الفلسطينيون من إجبار سلطات الاحتلال على التراجع عن إجراءاتها قرب باب العمود، وأجلّ القضاء الإسرائيلي البت في قرار الإخلاء في حي الشيخ جراح، قبل أن تبدأ “حماس”، وفصائل فلسطينية أخرى بإطلاق صواريخها باتجاه الأراضي الفلسطينية المحتلة لتصل إلى تل أبيب، وخلافا لثلاث مواجهات عسكرية سابقة في غزّة، كانت حماس هي التي شنت الحرب، بذريعة حماية الأقصى ومنع إسرائيل من تغيير الواقع الديمغرافي في مدينة القدس.

بعد تجديد قيادتها، تلهّفت حماس لخوض الانتخابات التشريعية الفلسطينية منذ بداية العام الحالي، وقدمت تنازلات مهمة لحركة فتح في سبيل ضمان إجراء انتخابات، اعتقدت أنها ستهيمن فيها على المجلس التشريعي، وتقود حكومة فلسطينية أو تشارك فيها، وبعد انقسامات في “فتح”، وتعدد قوائمها الانتخابية، خشي محمود عباس من أن تمنى حركته بهزيمة قاسية أمام “حماس” في تلك الانتخابات، مما دفعه لإلغائها بذريعة تعذّر مشاركة المقدسيين، مفوتّا بذلك على “حماس فرصة للخروج من مأزقها، المتمثل في عزلتها الدولية والإقليمية، في ظل حصار خانق، تحمّلت معه عبء إدارة شؤون قطاع تردت أوضاعه الإنسانية، الاقتصادية والمعيشية، بشكل مأساوي، وفاقمتها ثلاث جولات من حرب دمرت بناه التحتية. عانت حماس من الإفلاس، مما دفعها لفرض الضرائب والإتاوات على أهالي القطاع، الذين خرجوا محتجين في مظاهرات انطلقت في مارس/ آذار من العام 2019، قمعتها شرطة “حماس” بوحشية.

لم يكن لحركة حماس، ولا لأي فصيل آخر، أي دور في إطلاق عمليات التعبئة ضد ممارسات الاحتلال في القدس، لكنها وجدت فيها فرصة للتحرك لتعويض فرصتها الانتخابية الضائعة، معتقدة أنها ستستطيع تبييض رأس مالها السياسي، وتكون هذه المرة في منأى عن الانتقادات التي حمّلتها مسؤولية الأثمان الباهظة التي دفعها سكان غزة جراء الحروب السابقة. ومما له دلالة هنا، أن إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي للحركة، أعلن أن الحرب لم تكن خيار “حماس” بل استدعاها الشعب الفلسطيني للتدخل. تمكّنت حماس من فرض نفسها مجددا على الساحة الفلسطينية، تحت شعار حماية القدس، المدينة الأكثر حساسية للفلسطينيين من الناحيتين الوطنية والدينية، وتمكّنت من سحب البساط من تحت “فتح”، وسلطتها في رام الله.

بينما تفرّدت السلطة الفلسطينية بقرار السلم، وتمسّكت بمسار تفاوضي لفظه اليمين الإسرائيلي المهيمن سياسيا، تفرّدت حماس بقرار الحرب، التي أصبحت جولاتها أشبه بمعارك نظامية بين جيشين (غير متكافئين بكل حال) في غياب شروط حرب عصابات تنطلق من غزّة. وأدى الانقسام المكرّس فلسطينيا إلى تعطيل فعالية المجتمع المدني، وحين لاحت طريق ثالثة تمثلت في انتفاضة مدنية ممكنة، خطا فلسطينيو القدس والمناطق المحتلة العام 1948 خطواتهم الأولى عليها، جاءت صواريخ حماس لتشوش المشهد. من الواضح أن “حماس” حقّقت مكاسب من تلك المعركة، أهمها أنها فرضت نفسها على الرأي العام الفلسطيني والعربي، وفي الساحة الدولية فاعلا إقليميا غير دولتي، على غرار “طالبان” في أفغانستان، و”الحوثيين” في اليمن. لكن بعد هذه المكاسب الحزبية الفصائلية، ما مدى وضوح مكاسب الفلسطينيين وقضيتهم؟

بعد الإعلان عن “النصر”، وبدل أن يشكر إسماعيل هنية الشعب الفلسطيني صاحب التضحيات في غزّة، وجه شكره لإيران التي “دعمت الحركة بالمال والسلاح”، وبدأت الرسائل الإعلامية الإيجابية المتبادلة بين الحركة والنظام في سورية. أصاب ذلك كثيرا من الفلسطينيين، والعرب المتعاطفين معهم، الذين يحمّلون “محور الممانعة” المسؤولية عن كثير من مآسيهم، بالخيبة والإحباط. وتساءلوا إن كانت حماس قد تحولت إلى “حزب الله” فلسطيني، وخاضت باسمهم معركة تموضعت في سياق حرب الظل الإيرانية الإسرائيلية؟ البعض وضع المسألة خارج دائرة المساءلة الأخلاقية، وأنها لا تتعدى شكليات الخطاب الدبلوماسي. آخرون، نظروا إليها بوصفها براغماتية مبررة، في ظل انعدام الخيارات أمام الحركة، لكننا هنا بصدد السؤال التالي: ألم تختر “حماس” الصعود إلى الشجرة بإصرارها على الجمع بين نقيضين؛ السلطة والمقاومة؟

قبل أيام أُعلن عن وقف غير مشروط لإطلاق النار، ولم ترشح أي معلومات عن تفاهمات تثبيت التهدئة، ولا عن مصير شروط أعلنت “حماس” أنها لا تزال متمسكة بها، بشأن الأقصى وحي الشيخ جراح. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، عاودت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها على المسجد الأقصى، ولا تزال تحاصر حي الشيخ جراح، وتُحكم فيه قبضتها الأمنية، وتعتقل مزيدا من أبنائه، وتمارس إجراءات مماثلة في مناطق أخرى. هل يمكن أن تجبر معركة صاروخية محدودة “إسرائيل” على التخلي عن طبيعتها بوصفها دولة استيطان كولونيالي احتلالي وإحلالي؟

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: حسام أبو حامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *