هل ستتفتّت حركة فتح؟ أو ما الذي سيبقى من فتح؟

ينشأ هذا السؤال مع كل دورة انتخابات للمجلس التشريعي. حدث هذا مع الانتخابات النيابة عام 1996 وانتخابات العام 2006 والانتخابات المقرر عقدها في أيار/مايو من العام الحالي. ففي انتخابات العام 1996 للمجلس التشريعي تنافس أعضاء من فتح مع بعضهم البعض اضافة للتنافس مع مرشحين آخرين. وأدى هذا بطبيعة الحال إلى تفتت الأصوات، لكن هذا لم يترك أثرا كبيرا على النتائج نظرا لعدم مشاركة حركة حماس والجبهة الشعبية فيها فحصلت فتح على أغلبية من المقاعد. وكان الرئيس الراحل ياسر عرفات يدرك ما سيحصل من ناحية النتائج فترك الأمر دون تدخل.

لكن تجربة فتح في انتخابات العام 2006 للمجلس التشريعي اختلفت خاصة في نصف المقاعد المخصصة في حينه للنظام الأغلبي وليس للتمثيل النسبي، اي للترشح الفردي وليس “للقوائم” كما يسمى التمثيل النسبي أحيانا. وكان هذا مدركا قبل الانتخابات، أن أعضاء فتح سيتنافسون فيما بينهم إضافة للتنافس مع مرشحين آخرين في نصف المقاعد المخصصة للنظام الأغلبي وأن هذا سيكون لصالح حماس. وهذا ما تم وزدادت حصة حماس في هذا النصف من المقاعد. ولهذا السبب أصر ممثلو فتح في مفاوضات القاهرة المتعددة عبر السنوات على تبني نظام التمثيل النسبي الكامل نظرا لأن أداء فتح فيه في انتخابات العام 2006 كانت أفضل من نتائج النصف الآخر من المقاعد. ولهذا السبب قام الرئيس أبو مازن  بتعديل قانون الإنتخابات بعد ذلك ليكون نسبي بالكامل. ومن المقرر أن تجري الانتخابات في أيار بناء على هذا النظام المعدل.

لكن هذا غير كاف ليمنع تفتت الحركة إن تم ترشح قوائم محسوبة على فتح غير تلك التي تريدها قيادة الحركة. ورأينا كيف تم إصدار مجموعة من القرارات الرئاسية تمنع ترشح من هم دون عمر الثامنة والعشرين، وشروط أخرى تطلب الإستقالة من الوظيفة العامة لغرض الترشح إضافة لوظائف أخرى، وأيضا قبول الإستقالة التي يمكن أن لا تقبل، أي تمنع الترشح، إضافة لشروط اخرى جميعها تسعى لوضع عراقيل أمام ترشح قوائم أخرى من الحركة. ورأينا أيضا كيف قام البعض بإطلاق التهديدات والإعلان أن تجربة العام 2006 لن تتكرر. وتم فصل الدكتور ناصر القدوة من الحركة كما هو معروف.

لكن كل هذا لن يمنع الحركة من التفتت في ظروف محددة، أو على الأقل بقاء حالة الاغتراب الواسعة في بعض الأوساط داخلها، أو التنابذ بين المحاور، لسبب مدرك داخل الحركة منذ سنوات، أي غياب المأسسة ووجود نظام مقر ومقبول للجميع داخلها يوفر أساسا لشرعية القرار المؤسساتي ويوفر انضباطا حزبيا الأمر الذي يفتقد في مناسبات مثل الإنتخابات. وقد بينت انتخابات العام 2006 أن وجود خصم أو منافس لها غير كاف لتوحيد الحركة بسبب غياب هذا العنصر الهام لشرعية القرار الداخلي للحركة، الامر الذي سيبقى إمكانية التفتت قائمة في المستقبل أيضا.

هذا كله مدرك عند قيادات الحركة. وكانت هناك محاولات لإصلاح الوضع في العام 2005 وفي العام 2008 عندما كان أحمد قريع / ابو علاء مفوض التعبئة والتنظيم واستعدادا للمؤتمر السادس للحركة الذي عقد في مدينة بيت لحم في أواسط شهر أب من العام 2009. أما المحاولة التي جرت في العام 2005 واستعدادا للإنتخابات النيابية القادمة فكانت أول محاولة في تاريخ الحركة لحصر العضوية، أي من هم أعضاء في حركة فتح، وتأسيس قاعدة بيانات يتم الرجوع لها لأغراض الحركة الداخلية بما في ذلك إيجاد نوع من الإنضباط الحزبي المفقود حتى الآن. وتم تعيين لجنة تحت الإشراف المباشر لعثمان أبو غربية مع عدد من قدماء الحركة لمتابعة حصر العضوية، وربما الأهم، الأقدمية في الحركة لأنها أحد الأسس الأحقية في عدد من النواحي بما في ذلك الترشح للمجلس التشريعي ضمن قائمة فتح.

وفي كلا المحاولتين، في العام 2005 وفي العام 2008 في عهد أبو علاء فشلت هذه المحاولات لسببين: الأول، عدم قبول الكثيرين داخل الحركة أن يتساوى في الاقتراع، وخاصة في الترشح، المنتسب الجديد مع المخضرم، بوجود إشكالية أساسية تتعلق بمعايير الأقدمية، لتكرر “الدخول” و”الخروج” من الحركة، عبر السنوات لكثيرين، دون وجود معايير واضحة لذلك، يمكن من خلالها احتساب سنوات العضوية. أما السبب الثاني الذي هو ربما الأهم، أن البنية الداخلية للحركة، والتي ما زالت قائمة حتى الآن، هي العلاقات الزبائنية كنظام معتمد فعلا الذي يؤدي إلى حلقات أو محاور ارتباط متحالف بعضها او متنافس مع محاور ارتباط اخرى. لكن جميعها تستمد دورها بما في ذلك أية منافع تتأتى بفعل الموقع والدور، في نهاية الأمر، من قمة هرم السلطة داخل الحركة. وقد كان الرئيس الراحل أبو عمار بشخصه الصمغ الاصدق للحركة خاصة بعد استشهاد أبو إياد وأبو جهاد وآخرين من الرعيل الأول المؤسس، أي ليس البنية المؤسساتية لفتح. هذا هو نظام “الأبوات” الذي عرف خلال سنوات المنظمة في الخارج قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، وانتقال النظام الزبائني للسلطة الفلسطينية نفسها وأن كان مع تغيير جوهري في التحالفات، أو محاور الارتباط المكونة لبنية الحركة. وقد شكل إنشاء السلطة الفلسطينية وانتقال قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لحكم شعب على أرضه ظرفا وتحديات جديدة لفتح. فبعد ان كان أحد عناصر قوتها، الذي انعكس في كونها كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، غياب إديولوجية محددة لها سوى مسعى تحرير فلسطين واستعادة الأرض، أضحى الأمر مختلفا عند تولي مسؤوليات حكم شعب على ارضه فيه مصالح عينية متنوعة وتراتبية طبقية لا يمكن لحزب واحد ان يمثلها جميعا. هذا إضافة إلى نقل النظام الزبائني إلى بنية السلطة الفلسطينية نفسها مما أدى إلى اعتبار الجمهور، في أكثر من استطلاع رأي، أن نوعا محددا من الفساد هو الأكثر انتشارا في السلطة الفلسطينية، أي الواسطة والمحسوبية، وهما مكونان اساسيين في أي نظام زبائني بحكم التعريف.

غير ما هو أهم من ناحية الأثر على الحركة هو التغيير الذي حصل للتحالفات ومحاور الإرتباط الداخلية للحركة التي اندمج فيها عناصر جديدة مشكلة من عائدين ومقيمين، ومجموعات مصالح متنوعة، ورأس مال محلي و”عائد” أتى ليجني ربحا ممن هم تحت الإحتلال و”بناء الدولة”. إضافة، ناب فتح ما ناب باقي الأحزاب، أي ظاهرة مغتربي الأحزاب، ظاهرة متعددة الأسباب، أحدها أفول “المشروع الوطني”، أو حل الدولتين بالفهم الفلسطيني له وتحول السلطة الفلسطينية إلى بلدية كبرى تدير شؤون المدنيين الفلسطينيين وتنسق “أمنيا” مع إسرائيل. هذا بالرغم من إدمان السلطة على الخطاب الدولاني حفاظا على ماء الوجه، إلى درجة أنه عندما تم حل المجلس اتشريعى من قبل الرئيس أبو مازن قال البعض في نوع من الهذيان السياسي، أن حل المجلس يشكل خطوة نحو الدولة!

والواقع هو ان حزبا جديدا حل محل حركة فتح اسمه “حزب السلطة”. لقد استحوذ حزب السلطة على اسم الحركة ولم يتمكن أحد من مغتربي فتح التنافس على الإسم. لم تتفتت فتح ولكنها تبدلت وتغيرت ولم تعد فتح التي كانت. لم ولن يندثر اسم فتح بسبب تاريخها، وبسبب أنها حزب ياسر عرفات. لكن السؤال المستقبلي هو: من سيستحوذ على اسم فتح بعد مرحلة أبو مازن عندما لن يعود من الممكن الإحتفاظ بحل الدولتين على أنه المشروع الوطني لأن إسرائيل قضت عليه، وعند نشوء مشروع وطني متجدد لا قدرة لحزب السلطة على قيادته.

عن وطن

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *